السوط: اعترافات اللحم

الاثنين 4 مارس 201904:27 م
نقرأُ في المعجم أن كلمة سوطٍ، تعني الخلط، وسُمّي السوط سوطاً لأنه يخلطُ اللحمَ بالدمّ، ومن التعريف البسيط، يتضح أن السوط يمزج الخارجَ "اللحمَ" بالداخلِ "الدمِ"، هو الجهاز الذي يفتح الحدود بين المُخبَّأ والمخفيّ والحميميّ وبين الخارج السياسيّ والعلنيّ، إذ يهدّد الحدودَ ويعيد تكوين الجَسد، تاركاً أثراً عليه، سواء كان مرئيّاً أو خفيّاً. الأهمّ أن هناك دوماً قوّة ما تحرّك السوط، وتضبط إيقاعه، سواء كانت تطبّق من قِبَل "آخر" أو من قِبَل الفرد ذاته ضمن طقس علني أو سرّي، هو أداةٌ تكشف تكوين الحقيقة الرمزيّ عبر اللحم، موظّفةً الألم والعلامة المرئيّة على الجسد وطقس الجَلْد لخلق الاختلاف بين الحقيقة/الكذب، الانضباط/ الانحلال، العقل/ اللذّة/، المخيّلة/ الكشف الإلهي، السلطة الماديّ / الله اللامتناهي. هو جهاز ذو تكوين رمزيّ، يعمل ضمن مثلث، اللحم، الصوت، التحديق، بوصفها العناصر التي تفعّل قدرته السحريّة والخياليّة.

للعقاب واللذّة، للتأديب، للتعليم

يتحرّك السوط داخل اللحم وخارجه، وتضبط إيقاعه يدُ الجلاد ولحمُ الخاضع له، فنحن أمام زمنّ محكوم بالتكرار وشكل محدّد للأداء وتَمُوضِعِ اللحم أمام أو تحت السوط، ويحدّد هذا الإيقاعُ الخصائصَ الثقافيّة التي يحملها اللحم خارجه، سواء كان السوط للعقاب، أو اللذّة، أو التأديب أو التعليم، وذلك لاختبار اللحم، وتقويمه بسبب مخالفته للعرف والقانون والطبيعي. يجعل من اللحم والدماء مساحةً لاستدعاء ما يُمكن أن يقال (الاعتراف) أو ما لا يُمكن أن يقال (الخطيئة)، ينفي اللحم ويرسّخه في ذات اللحظة، ليستحضر حقيقة غائبّة، أو يرسّخ أخرى قائمة، كما تفعل السلطة التي تجلد "الأعداء" و"المخربين"، إما للحصول على حقيقة خفيّة، أو للتأديب بسبب مخالفة ما، هو جهاز توظّفه السلطة لترسّخ هيمنتها على اللحم عبر فتحه وتفتيقه ومصادرة حدوده التي تضبط مكوّناته الداخليّة. ينحت السوط في حواف اللحم لنفي الوعي خارجه (العقل)، واستخراج الدفين، كما يتحوّل اللحم إلى مساحةٍ لاختبار الطاهر والمدنّس وتداخلهما، كما في العقوبات التي يجلد فيها اللحم بوصفه خطّاءً، وبرهان على أن هذا اللحم فانٍ، ومُلك لآخر سواء كان ربّانياً (الحدود) أو سلطويّاً (السياسيات الحيويّة) أو شبقيّاً (السوط الساديّ)، وفي كلّ الحالات، يُفقد السوطُ سيادةَ الوعي/ الأنا على اللحم، ليصبح برهاناً على حضور يدٍّ تكوّن طينه ودماءه، إذ يتعالى السوط على موضوعته، و يختزل سطوة صاحبه في إيقاعه وسرعته و تواتره، بوصفها علامات بصريّة ومسموعة تتجلّى فيها سيادة واحدٍ على آخر.
كيف يفضج السوط الاختلاف بين الحقيقة/الكذب، الانضباط/ الانحلال، العقل/ اللذّة/، المخيّلة/ الكشف الإلهي، السلطة الماديّ / الله اللامتناهي
نقرأُ في المعجم أن كلمة سوطٍ، تعني الخلط، وسُمّي السوط سوطاً لأنه يخلطُ اللحمَ بالدمّ، ومن التعريف البسيط، يتضح أن السوط يمزج الخارجَ "اللحمَ" بالداخلِ "الدمِ"، هو الجهاز الذي يفتح الحدود بين المُخبَّأ والمخفيّ والحميميّ وبين الخارج السياسيّ والعلنيّ

اللحم كجهاز صوتيّ

يولّد السوطُ ضجيجه وصمته، يَحرّفُ الهواء من حوله ساقطاً على اللّحم، ليتحوّل الأخير إلى جهاز صوتي لا يحرّكه العقل، بل الألم، فالسوط يُركّز ما تبقى من الوعي في نقطة الألم وانفتاح اللحم بوصفها مساحةً تماهي الداخل والخارج، وهنا تبرز قدرة السوط اللغويّة، هو يستدعيّ "أصواتاً" لا تنتمي للفيونيمات اللغويّة المتفق عليها، و يراهن على الألم بوصفه أسير اللحظة، كون نَقْله لغويّاً يحرّره من لا تناهيه، كذلك، يخاطب السوط حضوراً " متخيّلاً" ، ليكون الصوت الخارج من اللحم أعلى مما هو متداول، موظفاً ميزات الداخلّ السريّة الخفيّة التي لا تنتمي لعالمنا، وأشهر هذه العوالم تلك التي نسمعها من الحلّاج، الذي يقال أنه كان يضحك تحت وطأة ألف جلدة، و يهتف " أحدٌ.. أحدْ"، فالسوط حرّره من الوعيّ، نحو حضور ماوراء اللامتناهيّ، حضور لا يخضع لسطوة الزمن الأرضيّ، وكأن صوته امتدادٌ لصوت من سبقوه، ضمن زمن يحدث كله الآن، فهو لحظتها بلال الحبشيّ، مُبصراً ذاك العلويّ الذي لا يراه إلا هو. ذات الشيء في السوط ضمن الطقوس الإيروتيكيّة، إذ يحرّر الألمُ اللحمَ من الوعي بالمُعيب والطبيعيّ، ويستدعي متخيّلات اللذة والخضوع لشهوة الآخر، كما في حكايات الماركيز دو ساد، فمن يُجلَد، يتحرّر من سطوة التنوير نحو عوالم اللذّة التي أساسها اللحم، ليصبح كلّ مسمٍّ بظراً، تشتعل لذّة، ليتطابق اللحم مع متخيّل الآخر عن اللذّة، ويكتشف الخاضع مواطن أخرى للرعشة التي لا تقتصر على الإيلاج، فكلّ صوت/أنين هو خطاب فانتازمي يستدعي الشبق. بالرغم من أن دو ساد يستدعي التراث الكنسيّ والجَلْد بوصفه عقاباً سريّاً أو علنيّاً أمام الله والآخرين. لكنه في ذات الوقت يراهن على الخضوع الكلّيّ لإرادة المُتخيّل، وتسليم بالغَلَمَة بوصفها معرفة جسمانيّة، إذ تتداخل الخطيئة بأشدّ أشكالها مع الخلاص، فاللحمُ الخاطئ لحمٌ حرّ تحت سطوة السوط، يواجه حقيقته ويمعن في الدَنَسِ والعار كخطوة أولى نحو الخلاص من تعريفات اللحم وإمعاناً في فنائه، فانشقاق الجلد عن الداخل، يحرّر ما يحويه من خطر فانتازميّ، وهذا ما يؤكّد عليه التراث الطبيّ سابقاً، فالداخل خطير وخصوصاً الداخل المؤنّث، من يحدّق فيه كمن يحدّق بميدوزا، يَتحجّر شبقاً أو خوفاً، ومع السوط يتسلّل هذا الداخل سائلاً نحو الخارج، مهدّداً صلابة العالم، ساعياً لاستبدالها بسيولة المتخيّل والأحلام.

عين العقل العمياء

تُفعَّل الصيغةُ الطقسيّة في كلّ مرة يتحرّك فيها السوط، وهناك دوماً من يحدّق، سواء كان الجمهور الذي يشهد العقاب، أو الله الذي يحدّق في عبده، هذه التحديقة تضبط الأسلوب الذي يعمل فيه السوط، وكيفيّة تموضع اللحم عارياً أو شبه عارّ بانتظار الضربة، التي لا يمكن وصف لحظتها، كون المُتخيّل/الألم لا يمكن نقله عبر الوعيّ، فالألم لا معنى لغويّ له، ولابدّ من وصفٍ دائمٍ أي خطاب لتحويله لشكل ذو معنى قضائيّاً وسياسيّاً وطبيّاً. وهذا ما نقرؤه في تقارير منظّمة العفو الدوليّة، فاللقاءات مع من خضعوا للتعذيب والضرب بالسوط تكشف عن الشكل اللغويّ لجعل الألم منطقياً، دائماً يترافق مع وصفه، أو ضمن معيار رقميّ (من1 إلى 10)، ذات الشيء نراه في الحكايات التي تتحدّث عن السوط، سواء في الطقس الإيروتيكيّ أو التأديبي، إذ نقرأ حكايات وانطباعات من شاهدوا، بوصفها محاولة لتوصيف اللحم والألم عبر كلمات وعي المحدّق، كي تفعّل مخيّلتنا كمتلقّين، هي دوماً أوصاف لا تتطابق مع الصوت الصادر عن اللحم. حين نقرأ عن السوط وطقسه، نقرأ أثراً ماديّاً عن مُتخيّل ما، وأثراً أنتجته التحديقة التي يخضع لها من يُجلد، الذي تذهب حواسه حدّ نسيان العقل، كونه يُراهن على الجِلد بوصفه مساحة الإحساس الأكبر، أما المشاهدون، فهم يقرأون حكايات عن هذا الطقس، حكايات تراهن على غياب المتخيّل وعدم القدرة على لمسه أو تحقيقه إلا بالخضوع للسوط. يغامر الخاضعُ للسوط في رحلة فانتازميّة سواء أمام الله كما في حالة الحلّاج، أو أمام الحبيب الذي يحضر ويُستدعى ضمن طقس الجَلد، وهنا يتلاشى البصر العقلانيّ، أمام رؤى اللحم المُتخيّلة، التي لا يراها إلا الخاضع لإيقاع الجَلْد، فشكل الأداء هنا -staging- هو الذي يحرّر الفانتازم لدى الخاضع والمشاهد، وهذا ما نقرأه في قصّة يوردها الغزالي في إحياء علوم الدين، عن رجل" ضُرب بألف سوط في شرقيّة بغداد، ولم يتكلّم، ثم حُمل إلى الحبس فتبعه راوي الحكايّة وسأله، لم ضربت ؟، فقال لأنه عاشق، فقال الراوي له، ولم سكت ؟، قال لأن معشوقي كان بحذائي ينظر إلي، فقال الراويّ ولو نظرت إلى المعشوق الأكبر، فزعق زعقة خرّ ميتاً". يتضح من سكوت الخاضع للسوط أن إيقاع العقاب استدعى حبيباً غائباً، إذ يراه و يشاهده بجانبه، حبيباً تجلّى أثناء لحظة الجَلْد، ليفقد ألم المُعذِّب قيمته كعقاب أو وسيلة للتأديب، و يتحوّل إلى مفتاح للمتخيّل، ومساحة للتفكير، وتوليد الآخر أمام أعين عاري الظهر الذي يرسم السوط خرائط الخيال على ظهره. بالعودة للشهود على طقس الجَلْد، هم أيضاً يحدّقون، ويؤثّر السوط وإيقاعه على إدراكهم ووعيهم، وهذا ما نلاحظه في الحكايات التي تصف وقع طقس السوط على المشاهدين، إذ يقول مريدو الحلّاج أنه ليس هو من كان يُعذّب، بل شُبِّه للناس، ولم يُجلد ولم يُصلب، سطوة الطقس حرّرت أيضاً المتخيّل لدى المشاهدين الذي نفوا لحم صاحبهم، جعلوه سماوياً، وهنا يتضح الأسلوب في وصف أحداث الجلد التي تحوي مبالغة أحياناً كي تكون قادرة على الاستثارة، فهي لا تقوم على أساس اللحم وخصائصه الطبيعيّة، بل ما يحيط به، وتحويله إلى موضوعةٍ لغويّة-شعريّة قادرة على تحفيز المخيّلة. وهذا ما يتضح أكثر حين نقرأ الماركيز دو ساد، إذ نقرأ عن أفراد لا يموتون، يُعرّضون لأقسى أشكال الإهانة و الضرب والجَلْد، ثم يعودون في الفصل اللاحق أحياء بذات القوّة، هم أصحاب لحمٍ مُتجدّدٍ دوماً، لا يخضع لقواعد الوعي والمنطق، وكأنهم كلّهم مسيح ما، يموتون مراراً ثم يُبعثون من جديد، و هنا تبرز قدرة الماركيز دو ساد على الاستفادة من أدبيات الرهبان الذين يستخدمون السوط بصورةٍ يوميّة على ذواتهم، ثم يتابعون حياتهم. إذ تحوّلَ السوطُ إلى أداةٍ لتفعيل صورة الراهبة الشبقيّة، تلك التي يُحرّر اعترافُها و سلخُ لحمها أمام الخالق شبَقَها، في استعادة للبعث لاحقاً، ومحاكاة لمتخيّلات الخلاص التي تتخلّلها اللذّة والتحرّر من كل ما هو أرضي، والتي تمتدّ إلى إعمال اللحم مع لحم الآخر في استحضار للحظة التي يبعث فيها الجميع متشابهين. أشكالُ العقاب تجعل من اللحم دَنِسَاً، وتتبنّى وضعيات تأديب المُدْنَس وتطهيره لتدفع المشاهد والخاضع نحو اللذّة، فالتأديب يعني الخضوع لسلطة ما، ومصادرة السيادة على اللحم ليتحوّل إلى موضوعة قد تكون شبقيّة، وهذا ما نراه في فيديوهات البورنو الخاصّة بهذا النوع، والتي تحويها المنطقة العربيّة بصورة مثيرة للغرابة، إذ نشاهد أفراداً عاديين ضمن حياة يوميّة، يخضعون للفلقة، دون أي إحالات جنسيّة، مجرّد عقاب صرف، ضمن بيئة مشابهة لما نألفه ونعرفه، وكأن طقس العقاب آسر، ولو كان دون جدوى، فالتحديق به يفعّل المخيّلة، ولا نتحدث هنا عن التفسيرات النفسيّة والانحرافات المرتبطة بها، بل عن المتخيّل المرتبط باللحم الخاطِئ بوصفه غاوياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard