تحدّي العشر سنوات في سوريا: حياتنا لا وجوهنا هي التي تغيّرت

الاثنين 21 يناير 201904:46 م
مع دخول العام الجديد أيامه الأولى، تعاود دوامة تحديات مواقع التواصل الاجتماعي دورانها لتجذب اهتمام الملايين حول العالم. عنوان التحدي الجديد اليوم: تحدي السنوات العشر. لنكن شجعاناً بما فيه الكفاية لننشر صورة لنا اليوم، وصورة أخرى قبل عشر سنوات، تاركين المجال لأنفسنا ولأصدقائنا الافتراضيين بغية المقارنة: كنا أجمل أو أقل جمالاً، أكثر رشاقة أو ربما أكثر سمنة، ما الذي تغيّر في شكل الأنف أو الحاجبين أو العينين؟ أين هي الآثار التي حفرتها السنوات؟ هل حقاً بقيت التجاعيد على حالها أم أن عدسات التصوير باتت أكثر احترافية في إضفاء لمسة من الجمال على وجوهنا؟عشرات الأسئلة التي طرحها الملايين من مستخدمي فيسبوك وتويتر وإنستغرام بشكل خاص، على أنفسهم أولاً وعلى متابعيهم ثانياً، مستمتعين في كثير من الأحيان بلذة المقارنة التي ربما تصبّ في مصلحتهم. "تبدو/تبدين أكثر نضارة وشباباً. وجهك اليوم أجمل بكثير. لا أصدق بأنك كبرت عشر سنوات فعلاً!". أتابع التحدي بمتعة وأراقب ما ينشره بعض الأصدقاء. أحاول أحياناً التعرّف إلى الصور القديمة واكتشاف من فيها قبل قراءة الاسم، وأُدهش من جرأة من يقومون بنشر صور قديمة لهم ووضعها إلى جانب الجديدة حيث تصبح المقارنة ضرباً من ضروب الجنون، فتقنيات التصوير وإظهار الألوان اليوم وحدها كفيلة بأن تمحو أثر مرور السنوات العشر، هذا الأثر الذي أراه جلياً كلما نظرتُ في المرآة، وكلما التقط لي أحد صورة وأنا أضحك. التجاعيد تتكاثر بسرعة حول العينين بشكل خاص، وفي معظم أنحاء الوجه، وصرت أحرص عند التقاط الصور على عدم توسيع الضحكة، لئلا تبدو التجاعيد مرئية وواضحة للعيان. فكّرت في أن أخوض التحدي أنا أيضاً، لكن عليّ أن أعترف بأنني حتى اليوم لا أمتلك الشجاعة الكافية بعد لعقد أي مقارنة فيما يخص صوري الشخصية، كما أنني منذ حوالى العام قطعت عهداً على نفسي بألا أتصفح أياً من صوري القديمة، فهي مثيرة لذكريات لا قدرة لي على احتمال وطأتها. ذكريات ما قبل الحرب. عليّ الاكتفاء إذاً بمراقبة ما ينشره الآخرون، الأمر الذي تحوّل يوماً بعد يوم لوسيلة أخرى لإثارة الذكريات، وقد اكتشفت أنها من الممكن أن تتخذ مئة شكل ولون وملمس. ينشر أحد الأصدقاء صورة تظهر جرة الغاز الزرقاء الشهيرة في سوريا، والتي تستخدم في المنازل لأغراض الطبخ والتدفئة بشكل أساسي. عام 2009 كانت الجرة متوفرة بكثرة وملأى بالغاز، وعام 2019 هي إما غير موجودة على الإطلاق، أو موجودة لكن دون القدرة على تعبئتها. بالطبع لا تأتي فكرة هذه الصورة من العدم، إنما هي انعكاس لأزمة غاز حادة تعيشها سوريا منذ أسابيع، وتزيد وطأتها على ملايين السكان بسبب انخفاض درجات الحرارة والاعتماد في كثير من المنازل على الغاز للتدفئة. تترافق الصورة بشكل مؤلم مع صور تخرج من بعض المدن السورية، حيث ينتظر المئات وصول سيارات توزيع الغاز والحصول على الجرة الزرقاء، وإن كلّف هذا الانتظار ساعات طويلة. المهم أن يتكلل بالنجاح، وهو ليس مضموناً بالضرورة. صور أخرى تظهر بعض العملات السورية وتقارن بين قيمتها قبل وبعد الحرب. الخمسون ليرة كانت تساوي دولاراً أمريكياً واحداً عام 2011 والآن تساوي 10 سنتات فقط. المئتا ليرة صارتا تعادل الألفي ليرة، وورقة المئة صدرت لأول مرة في البلاد منذ حوالى عامين ضمن موجة التضخم التي نعيشها. الخمسون ليرة كانت تشتري سندويشة شاورما –إحدى أكثر أكلات اللحوم أو الدجاج تفضيلاً لدى السوريين- في حين يحتاج السوري اليوم لخمسمئة ليرة لشراء نفس السندويشة، التي باتت من الرفاهيات التي يصعب الحصول عليها. صورة منشورة أخرى تظهر هذه المقارنة على هيئة يد تحمل تلك السندويشة الكنز. وعلى ذكر انخفاض قيمة الليرة السورية عشرة أضعاف منذ العام 2011، ينشر أحد الأصدقاء صورة محفظة نقوده وهي على الحال نفسه منذ عشرة أعوام حتى اليوم، فارغة. ربما لا أوافقه، فالحياة قبل الحرب كانت أقل تكلفة، وأسهل وطأة بكثير. وعلى ذكر الحرب والسنوات العشر، لا يجد كثرٌ مناصاً من نشر صور عشرات المدن والأحياء السورية التي دمرتها الحرب فوق رؤوس ساكنيها، ومقارنتها بحالها قبل العام 2011. مقارنة هي الأخرى لا تثير سوى الذكريات المؤلمة. يكتب أحد الأصدقاء: "عذراً، لا أمتلك صوراً شخصية من العام 2009، فقد أحرقتها نيران الحرب".
منذ حوالى العام قطعت عهداً على نفسي بألا أتصفح أياً من صوري القديمة، فهي مثيرة لذكريات لا قدرة لي على احتمال وطأتها. ذكريات ما قبل الحرب. عليّ الاكتفاء إذاً بمراقبة ما ينشره الآخرون، الأمر الذي تحوّل يوماً بعد يوم لوسيلة أخرى لإثارة الذكريات.
وعلى ذكر انخفاض قيمة الليرة السورية عشرة أضعاف منذ العام 2011، ينشر أحد الأصدقاء صورة محفظة نقوده وهي على الحال نفسه منذ عشرة أعوام حتى اليوم، فارغة. ربما لا أوافقه، فالحياة قبل الحرب كانت أقل تكلفة، وأسهل وطأة بكثير.
وعلى ذكر الحرب والسنوات العشر، لا يجد كثرٌ مناصاً من نشر صور عشرات المدن والأحياء السورية التي دمرتها الحرب فوق رؤوس ساكنيها، ومقارنتها بحالها قبل العام 2011. مقارنة هي الأخرى لا تثير سوى الذكريات المؤلمة.
وفي غمرة ازدحام صفحات تلك المواقع بصور المقارنة "قبل وبعد"، تبدأ تحذيرات خبراء التكنولوجيا: إنها مصيدة. بانخراطنا في هذا التحدي نسدي خدمات جليلة للموقع الأزرق الأكثر شهرة "فيسبوك"، حيث نزوّده عشرات آلاف الصور التي تعود لسنوات ماضية ربما ما كان هذا الموقع مستخدماً فيها، مضيفين إليها بعض الشروح والتفاصيل كتاريخ ومكان الالتقاط. وأي هدية أجمل للموقع المتّهم باختراق خصوصية مستخدميه، كي تمكّنه من توسيع قاعدة بياناته الضخمة أساساً وتطوير خوارزميات التعرّف إلى الوجوه وبالتالي القدرة على معرفة المزيد عن بيانات ومعلومات المستخدمين الشخصية؟ تحذيرات لا تبدو ذات أهمية كبيرة في معظم أنحاء العالم. يردّ البعض أن "التسلية أجمل من أن ننقطع عنها لأسباب تقنية". ويقول آخرون إن مواقع التواصل تمتلك منذ سنوات كميات هائلة من معلوماتنا الشخصية، فما الضرر من صورة إضافية لن يكون لها ذلك الأثر الكبير؟ أفكر: يا لسخرية تلك التحذيرات، ويا لبؤسك يا فيسبوك. لقد ملأنا نحن السوريين قواعد بياناتك بآلاف الصور التي تتحدث عن حالنا، لكن دون أن تُظهر وجوهنا. صور تحكي تفاصيل حياتنا اليومية لكننا لسنا أبطالها. أبطالها ذكرياتنا المبعثرة التي ربما لن تساعدك في تطوير خوارزمياتك وطرق تعرّفك على الوجوه، لكنها قد تساعدنا على حفظ ما لا نريد وما لا يجب أن ننساه. اعذرنا، وتحمّل ألمنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard