عن مساهمة تهمة "مسّ المشاعر الدينيّة" في دُوّامة العنف

الاثنين 21 يناير 201909:21 م
في صباح يوم الأحد الخامس والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 2016 اخترقت ثلاث رصاصات رأس الكاتب الأردني ناهض حتر. كان نشره كاريكاتيراً تحت عنوان "رب الدواعش" على صفحة الفيسبوك الخاصة به كافيًا لمصادرة حياة مثقف عربي. السلطات الأردنية التي حققت مع الكاتب بسبب نشره هذا الكاريكاتير بتهمة سبّ الذات الإلهية هي نفسها التي أصدرت حكم الإعدام بحق القاتل الأردني المنتمي للتيار السلفي. سبقت عملية الاغتيال موجات تحريض على حتر قادتها حركة الأخوان المسلمين ومؤسسة الإفتاء العام. لماذا أقدّم للقراء حالة ناهض حتر؟ لأن حالة الكاتب الأردني الراحل هي نموذج من نماذج كثيرة لا يخضع سياقها العام لتنظيم داعش الإرهابي ومناطق نفوذه الجغرافي المعروفة لنا (العراق وسوريا وسيناء مثلًا). هي تدور في فلك دول ومناطق تضبطها أحكام وقوانين وتنتشر فيها المؤسسات والإعلام والأحزاب التي تحاول أن تنأى بنفسها عن التنظيم الداعشي وفكره، وتعلن ان الإرهاب الداعشي لا يمثّلها. بالمقابل فإن الرأي العام الشعبي والديني مهيأ تمامًا لرفض أي رأي أو فكر أو عمل فني أو ثقافي صاحب رؤية نقدية ذات صلة بالدين أو سياق ديني ليطلق عليه تهمة مسّ المشاعر الدينية أو جرح المشاعر الدينية أو التعدي على الذات الإلهية. كلها تهم "سهلة الانتشار" من شأنها أن تُحرّك عنفاً جسدياً ولفظياً ضد صاحب الرأي أو العمل الثقافي. تنتشر مقولة حرية الرأي وحرية الفن ضمن الاستهلاك العام، وتبقى مقولات عامة إلى أن يواجه أصحاب هذه المقولة وغيرهم من العامة أعمالًا تُخضع حرية الرأي والتعددية الثقافية والفكرية لامتحانات تطبيق حقيقية.

لخبطة!

في قضايا حرية المعتقد، وحرية الإبداع الثقافي، أرى أن هناك ضرورة لترتيب تلك اللخبطة الحاصلة في الموقف المزدوج عند نفس الفئات والشرائح من الناس: بين شجب "الداعشية" من جهة، وبين الاحتفاظ بحق الهجوم لوقف تعابير ومظاهر ثقافية وشنّ أعمال تحريضية ضدها من الجهة الأخرى. قد تصل نتيجة هذا التحريض حد الاعتداء والقتل وتسمى "دفاعًا عن ديننا" أو "انتصارًا لرموزنا أو لمقدساتنا". تتعدى هذه اللخبطة، أو ما يمكن أن نسميه بالتناقض، ما بين "رفض التطرف" و"الانتصار لدينك" السلفيين وعامة المؤمنين بالدين لتشمل فئة واسعة من الوسطيين، كما أنها لا تقتصر على طائفة دينية بعينها لنجدها في محيطنا العربي في أوساط إسلامية ومسيحية، وتنتشر أيضًا في أوساط تتغنى باليسارية. على الرغم من أننا نلاحظها أكثر في المشهد الخاص بالمسلمين، لكونهم يشكلون أكثرية المجتمع العربي، إلا أننا نجد بين أفراد الطوائف المسيحية من يتحرك ضد إنتاجات وتعابير ثقافية وفنية أو آراء لمجرد أنها مسّت برمز ديني مسيحي. منعًا لوقوع سوء فهم، نوضح أن حق كل جهة سياسية كانت أو دينية الاعتراض والاحتجاج سلميًا على أي عمل ثقافي، هو حق غير خاضع للنقاش، لكن الجدل المطروح هنا يتعلق بشكل الاعتراض ومضامينه بحيث لا يتحول هذا الحق الديمقراطي إلى فرض ديني واجب يتدخل بقوة لإصلاح الحالة المتهمة بالمس أو بجرح المشاعر الدينية بل إزالتها من الفضاء العام. الأخير يعتبر عنفًا لا يختلف عن منهجية العنف التي تتبعها التنظيمات السلفية المسلحة مستعينةً بمنهجية "ومن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان." في ظل فاعلية هذه المناهج في الفضاء المجتمعي والسياسي هناك ضرورة لوضعها مرآة واحدة للجميع، مرآة صاعقة لنحدّق من خلالها بمطاطية ومخاطر تهمة "مسّ المشاعر الدينية"، ونعكس كيف تساهم هذه المطاطية في استدامة مشهد العنف الديني مقابل تمنيات إحلال السلم الأهلي المجتمعي. مرآتنا هي شريط من ممارسات داعشية منها التحريضية ومنها العدوانية، تراوح ما بين منع عروض، وسجن، واعتداءات جسدية، وقتل.

مسلسل العنف

هذا الشريط يحتوي على العديد من الحالات، لكن نكتفي بذكر بعضها. النظام السعودي يحاكم الشاعر الفلسطيني أشرف فيّاض بالجلد والسجن لمدة ثماني سنوات، أجهزة أمن لبنانية تحقق مع الشاب شربل خوري بتهمة إهانة "القديس شربل" وازدراء الأديان. أجهزة السلطة الفلسطينية تمنع وتصادر رواية "جريمة في رام الله" للكاتب عبّاد يحيى بتهمة احتوائها على نصوص مخلّة بالأخلاق. أوامر منع توزيع رواية "اسمه الغرام" في بعض الدول العربية. وهنا نسأل: بماذا تختلف دوافع هذه الأنظمة عن دوافع مئات الآلاف من الموريتانيين الذين خرجوا للمطالبة بإعدام الكاتب محمد ولد مخيطير بدعوى أن كتابته مسّت مشاعر المسلمين؟ وبماذا تختلف دوافعهم عن دوافع من اغتال المفكر المصري فرج فودة؟ لا يقفز هذا الشريط عن الداخل الفلسطيني حيث خرج العشرات من أهالي حيفا المسيحيين للتظاهر وللاحتجاج على قيام متحف حيفا الصهيوني بعرض أعمال فنية وصفها المحتجون بأنها تمسّ بالمسيح والعذراء وبالتالي جرحت مشاعرهم وطالبوا بإزالة المعرض. وكانت قد شهدت مناطق الـ 48 أشكالاً أخرى للتحريض على أعمال فنية بتهمة جرح المشاعر الدينية، فقد أعقب عرض الفيلم السينمائي "بر بحر" موجة تحريض ضد المخرجة ميسلون حمود بادعاء أن الفيلم يسيء لمشاعر المسلمين ويسيء للمحجبات وتم منع عرضه في بعض المدن والقرى، وجرى منع عروض موسيقية بادعاء الاختلاط بين الجنسين المسيء لتعاليم الدين. في بعض القرى المسيحية كان هناك تحريض على بعض العروض المسرحية الكوميدية بادعاء أنها تسيء لمريم العذراء.

حين تضيق المسافات...

في السابع من كانون الثاني/ يناير 2015 هاجمت مجموعة إسلامية مسلحة مكاتب صحيفة "شارلي ابدو" الساخرة بعد اتهامها بنشر كاريكاتيرات مسيئة للنبي محمد، وقد أوقع هذا الهجوم إثني عشر قتيلًا وعددًا من الجرحى. هذا النموذج لارتكاب مذبحة بحق فنانين فرنسيين بتهمة مسّ المشاعر الدينية وما أوردته في بداية المقالة عن اغتيال ناهض حتر، هو الحالة المتطرفة لنفس الذهنية التي تشنّ هجومًا لفظيًا عنيفًا وتحريضيًا على معرض فني يسيء للمحجبات أو معرض صور يسيء للعذراء أو تصريح لصحفية تهين" الرمز" مار شربل. حين تضيق المسافة بين خطاب السلفية الداعشية وبين شكل الردود الشعبية المعترضة على أعمال فنية إبداعية "مسّت المشاعر" الدينية تصبح حرية التعبير منتجًا مكلفًا، وعلى الفنان أو الكاتب أن يتوقع دفع ثمن باهظ. وعلى الفنان أن يوفّر لنفسه الحماية له ولعائلته وبالطبع أن يوفر الحماية لأعماله الفنية. وكيف لهذا أن يتم بغياب الدولة المدنية التي من المفروض أن توفر لكل مواطنيها الحماية والأمان وتضمن حرية التعبير، كيف يمكن حماية الفضاء الثقافي ومساحاته التعبيرية تحت ظل أنظمة دول هي نفسها متيقظة ومتنبهة إلى أن لا يتم مس "مشاعرها"؟ وليس هذا فحسب، بل يصبح الفنان محوّسبًا أن لا يتجه نحو أعمال فنية من شأنها إغضاب الرأي العام كي لا تمس مشاعره الدينية. إنها دوائر من الخوف والرعب قد يعيشها الفنان أو الكاتب أو المسرحي.
إن الرأي العام الشعبي والديني مهيأ تمامًا لرفض أي رأي أو فكر أو عمل فني أو ثقافي صاحب رؤية نقدية ذات صلة بالدين أو سياق ديني ليطلق عليه تهمة مسّ المشاعر الدينية أو جرح المشاعر الدينية أو التعدي على الذات الإلهية.
على الرغم من أننا نلاحظها أكثر في المشهد الخاص بالمسلمين، لكونهم يشكلون أكثرية المجتمع العربي، إلا أننا نجد بين أفراد الطوائف المسيحية من يتحرك ضد إنتاجات وتعابير ثقافية وفنية أو آراء لمجرد أنها مسّت برمز ديني مسيحي.
من حق كل جهة سياسية كانت أو دينية الاعتراض والاحتجاج سلميًا على أي عمل ثقافي، هو حق غير خاضع للنقاش، لكن الجدل المطروح هنا يتعلق بشكل الاعتراض ومضامينه بحيث لا يتحول هذا الحق الديمقراطي إلى فرض ديني واجب يتدخل بقوة لإصلاح الحالة المتهمة بالمس بالمشاعر الدينية بل إزالتها من الفضاء العام.
حين تضيق المسافة بين خطاب السلفية الداعشية وبين شكل الردود الشعبية المعترضة على أعمال فنية إبداعية "مسّت المشاعر" الدينية تصبح حرية التعبير منتجًا مكلفًا، وعلى الفنان أو الكاتب أن يتوقع دفع ثمن باهظ.

لتجنب خاتمتنا...

أخي المواطن، لا يمكن أن تعبّر عن امتعاضك وغثيانك من قيام عناصر طالبان الأفغانية وسلفيي القاعدة بتدمير التراث الإنساني الحضاري الممثل بتماثيل بوذا العملاقة بادعاء أنها وثنية كافرة من جهة، وأن تخرج من جهة ثانية  للشارع مستخدمًا العنف، محرضًا ومطالبًا بحذف لوحة أو مجسم فني استخدمت فيه ايحاءات وتعابير ورموز مسيحية أو عملًا مسرحيًا سخر من شعوذات رجل دين. هذه الإعمال تقع على نفس المحور، وأن تفاوت نقاط تموضعها عليه لا يغير من صبغتها العنيفة. المطلوب هو أن يحدد الإنسان موقفه الحاسم الرافض للقمع والعنف الديني، وهذا يعني أن يتم استيعاب أن قضية "جرح المشاعر الدينية" هي قضية مشاعر خاصة يتوجب "دوزنة" وتيرتها في الحيز الخاص وتجنب اندفاعها للحيز العام. والحرص أن لا تتحول المشاعر الدينية الذاتية لأداة تحريض لمصادرة أعمال فنية، ومنع معارض، واعتداء. إن تبني فكر الحريات يعني بالضرورة رفع سقف التعايش بين الأفكار المختلفة والمتنوعة، وبالأساس بين الأفكار المتناقضة وحتى المتصادمة، وإن لم يكن الأمر كذلك فما هي القيمة المعنوية لحرية التعبير وحرية الإبداع والتعددية الفكرية إذا كانت مشروطة سلفًا بقبول المسلمات الدينية والمجتمعية؟ ليست هناك قوة بمقدورها أن تمنع جرح مشاعرك الدينية سوى قوتك أنت. إنها القوة الداخلية التي تتطوّر في الذهن والعقلية وتعمل على تفتحهما وهي القادرة على استيعاب التعددية الجوهرية والتي تعني تعايش معتقداتك الدينية مع معتقدات أخرى. إن تخفيف منسوب العنف العقائدي يتطلب تذويت منهجية حياتية، في سياق الاعتناق الديني، أساسها أن الدين ليس "قسيمة" شخصية لتخرج إلى الشارع وتمارس العنف باسمه. يُنسب للقائد المصري سعد زغلول مقولة: "إن الدين لله والوطن للجميع." هذه المقولة تتردد كثيرًا، وبالرغم من انتشار استهلاكها ومن اعتراض قوى دينية عليها، إلا أنها ما زالت تحمل دعائم قيام مجتمعات متنورة في بلداننا العربية. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard