حُلَّت بسبب حلقة من برنامج "عشاء وغبيَّان"... جمعية "جذور" المغربية تكافح من أجل البقاء

الاثنين 21 يناير 201901:56 م
أعلنت جمعية "جذور" للثقافة والتنمية المغربية أنها قررت استئناف الحكم الصادر بحقها في نهاية ديسمبر الماضي، والقاضي بحلّها، وذلك على خلفية تصوير حلقة بعنوان "ملحمة العدميين" من برنامج 1Dîner 2Cons (عشاء وغبيّان) الذي يُبث على يوتيوب داخل مقرّها. وكانت المحكمة الابتدائية في مدينة الدار البيضاء قد قضت، في 26 ديسمبر الماضي، بحلّ جمعية "جذور"، بعد طلب بذلك قدّمته النيابة العامة في 13 نوفمبر، بناءً على طلب آخر من عامل (محافظ) عمالة أنفا في الدار البيضاء اعتبر فيه أن مسيّري الجمعية احتضنوا نشاطاً "تضمّن حوارات تخللتها إساءة واضحة للمؤسسات ومساً بالدين الإسلامي وإهانات بحق الهيئات المنظمة وموظفي الإدارة"، وأن المظاهر المرافقة للنشاط والمتمثلة في "المشروبات الكحولية والإصرار على العلنية والجهار، تُعَدّ منافية للآداب العامة، ومجانبة للضوابط المؤطرة لأنشطة وأهداف الجمعية".

"ملحمة العدميين"... القصة الكاملة

في 24 أغسطس الماضي، تم بث حلقة خاصة من برنامج "عشاء وغبيّان" على يوتيوب وجرى تداولها على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي، وحظيت بأكثر من نصف مليون مشاهدة، والسبب هو أن المشاركين فيها وجّهوا انتقادات مباشرة إلى الملك محمد السادس، وصلت إلى حد تحميله المسؤولية عن تردّي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المغرب، بعد 19 سنة قضاها في الحكم، ما شكّل سابقة هي الأولى من نوعها في المغرب. والبرنامج المذكور انطلق سنة 2016 بشراكة بين يوسف المودن وأمين بلغازي ولقي إقبالاً كبيراً على شبكات التواصل الاجتماعي. "أحسّ المغاربة بخيبة أمل كبيرة هذا الصيف على أثر الخطاب الذي ألقاه الملك بمناسبة عيد العرش في شهر يوليو. وفي الواقع، كان هناك إحساس عارم بالإحباط والكآبة تشاركته فئة كبيرة من المجتمع خلال الشهور الأخيرة، بسبب الأحداث التي هزّت الريف وعدداً من مناطق البلاد، كما أن الصمت المطبَق للقصر الملكي إزاء هذا الوضع فاقم هذا الشعور، إضافة إلى أن الإعلام (خاصة الرسمي) عمد إلى تجاهل حالة الاستياء العام"، يقول أمين بلغازي، منشط برنامج "عشاء وغبيّان"، لرصيف22، في حديثه عن السياق الذي جاءت فيه حلقة "ملحمة العدميين". في هذه الظروف، أتت فكرة إعداد حلقة تنقل ما تعبّر عنه فئة عريضة من المغربيين "بصوت منخفض". أما عن سبب اختيار عنوان "ملحمة العدميين"، يلفت بلغازي إلى أنه مُستوحى من عبارة "العدميين" التي استخدمها الملك في خطاب العرش حين قال إن "المغاربة الأحرار لن يسمحوا لدعاة السلبية والعدمية وبائعي الأوهام باستغلال بعض الاختلالات، لتبخيس المكاسب والمنجزات التي حققها المغرب"، في رسالة واضحة إلى الأصوات المنتقدة. جرى تصوير الحلقة المذكورة في الخامس من أغسطس، بمشاركة عدد من الناشطين المعروفين بمواقفهم الجريئة، كأحمد بن شمسي الذي يشغل حالياً مهمة مدير التواصل والمرافعة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، والصحافي عمر الراضي، والمغني باري، والناشط جواد الحامدي، والخبير الاقتصادي رشيد أوراز، والناشط الثقافي والعضو في "جذور" عادل السعداني. وناقش المشاركون مواضيع سياسية واجتماعية شائكة بلغة جريئة. لا يخفي أمين بلغازي أنهم كانوا يتوقّعون ردَّ فعل انتقامي من السلطة، خاصة ضد مقدمي البرنامج، لأنهم وجّهوا انتقادات شديدة اللهجة إلى ملك البلاد، ويقول: "كنا نعي ذلك وكنّا مستعدين لكل الاحتمالات، لأننا نرى أن المخاطر التي تهدد المغرب في ظل غياب حرية التعبير هي أخطر بكثير مما يمكن أنْ يقع لنا نحن كأفراد".

انتقاد الملك يغضب الدولة

على الرغم من أن الدستور المغربي لا يمنع انتقاد الملك، فإن ذلك يبقى من "التابوهات" إلى حدّ بعيد، ما جعل مشاهدي الحلقة يشعرون بنوع من الصدمة وهم يتابعون كيف يناقش ثمانية شباب من مشارب مختلفة حصيلة سياسات الملك وخطاباته، بل ويوجّهون إليه انتقادات حادة تحمّله مسؤولية ما يجري في البلاد خلال الآونة الأخيرة. يقول المدافع عن حقوق الأقليات الدينية وأحد المشاركين في "ملحمة العدميين" جواد الحامدي لرصيف22 إن "النقاش العفوي والعميق في الحلقة اتفق معه جمهور واسع من المغاربة"، مضيفاً أن تلك الحلقة "أظهرت أن الجمهور المغربي بحاجة إلى خطاب آخر ينتقد الحاكم الفعلي في المغرب، لا الموظفين الصغار عند هذا الحاكم، وأقصد هنا الأحزاب السياسية وشبه الحكومة".
قبل بضعة أشهر، تم بث حلقة من برنامج "عشاء وغبيّان" بعنوان "ملحمة العدميين" على يوتيوب، وانتقد المشاركون فيها ملك المغرب وحظيت بأكثر من نصف مليون مشاهدة... والآن، تدفع جمعية "جذور" الثمن لأن الحلقة جرى تصويرها في مقرّها
منسق جمعية "جذور" المغربية لرصيف22: "الهدف من وراء حل جذور هو إرسال رسالة إلى مَن يهمهم الأمر لكبح أيّة محاولة ترمي إلى التعبير بحرية ومناقشة المواضيع التي تخص السياسة العامة لبلدنا"
وبالنسبة إليه، فإن أكثر ما أزعج السلطات هو أنها "اكتشفت أن المواطنين المغاربة تفاعلوا بإيجابية مع النقاش الذي شهده البرنامج، ما يطرح سؤالاً حول شعبية الملك محمد السادس اليوم بعد عشرين سنة من الحكم"، على حد قوله.

"جذور تدفع ثمن غياب حرية التعبير"

"فوجئنا جميعاً بقرار حل الجمعية، خصوصاً أن الحكم صدر في وقت قياسي لا يحترم حجج الدفاع، لكن المؤكد هو أن هذا الحكم اجتمعت فيه كل عناصر المحاكمة السياسية. ففي حيثياته، يظهر بشكل واضح الدافع السياسي لقرار الحل... لن أقول إن الجمعية تدفع ثمن قبولها تصوير البرنامج داخل مقرها، لكنها تؤدي ضريبة غياب حرية التعبير في المغرب"، يقول بلغازي لرصيف22، مضيفاً أن السلطات تسعى بأية وسلية إلى إخراس كل الأصوات المنتقدة. أما عادل السعداني، منسق جمعية "جذور"، والذي كان ضمن المشاركين في البرنامج، فيرى أن قرار الحل اتُّخذ بشكل "عنيف ومفاجئ"، بالنظر إلى السرعة القياسية التي أصدرت فيها المحكمة قرارها. ويقول لرصيف22: "إن الهدف من وراء حل جذور هو إرسال رسالة إلى مَن يهمهم الأمر لكبح أيّة محاولة ترمي إلى التعبير بحرية ومناقشة المواضيع التي تخص السياسة العامة لبلدنا. ومع ذلك، فإن هذه المواضيع تبقى حاضرة بشكل يومي في أحاديث الناس في المقاهي وسيارات الأجرة والصالونات إلخ، والفرق هو أنهم لا يخرجون إلى الفضاء العام للتعبير عن مواقفهم". ويعتبر فؤاد الحامدي أن السلطات "فشلت في التحدي" ويقول: "عوض متابعة المشاركين على تصريحاتهم التي تدخل ضمن حرية التعبير، قاموا بحل جمعية لا ناقة لها ولا جمل، وهذا يعني أن المشاركين لديهم قوة حقوقية وطنية ودولية ويتمتعون بما يكفي من النزاهة ليكونوا موضوع تضامن واسع النطاق، بحال استهدافهم، ما يولّد ضغطاً يؤدي إلى إطلاق سراحهم رغم أنف الحكام... وفي النهاية سيكون لقرار حل الجمعية ثمن باهظ ستدفعه الدولة". ودعت كل من "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" في بلاغ مشترك، صدر في 18 يناير، السلطات المغربية إلى ضرورة التراجع عن مساعي حل جمعية "جذور" الثقافية "بسبب تعليقات نقدية أدلى بها ضيوف في برنامج حواري استضافته الجمعية". واعتبرت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "هيومن رايتس ووتش" أن برنامج "عشاء وغبيّان" هو "من الفضاءات الحرة القليلة جداً حيث يمكن التعبير عن آراء نقدية بدون رقابة في المغرب. ومن خلال سعيها إلى حل الجمعية التي استضافته، تبعث السلطات رسالة قاتمة إلى ما تبقى من صحافيين ومعلقين أحرار في البلاد، مفادها: ’الصمت!‘". وأشار البلاغ المشترك إلى أنه "منذ عشرية الـ2000، أغلقت العديد من منابر الإعلام المستقلة في المغرب، وغادر مؤسسوها البلاد، بعد سنوات من المضايقة والترهيب. وسجنت السلطات صحافيين، وصادرت مطبوعات، وجمدت أصولاً، وأخضعت صحافيين لمحاكمات غير عادلة مع غرامات غير متناسبة، وقادت حملات لمقاطعة الإعلانات". وفي ما خصّ الحجّة التي أشار إليها قرار المحكمة الابتدائية والتي تعتبر أن استضافة البرنامج المذكور يخرج عن نطاق الأهداف المعلنة لجمعية "جذور"، ويُعَدّ مخالفة لقانون الجمعيات، أشار البلاغ إلى أن نظام الجمعية الأساسي يضع ضمن أهدافه "النضال من أجل حرية التعبير"، كما "لا ينبغي استخدام القوانين التي تنظم الجمعيات كذريعة لقمع ممارسة حقوق الإنسان".

أي مستقبل للجمعية؟

يؤكد منسق "جذور" أنه على الرغم من أن قرار حلّ الجمعية لم يدخل بعد حيّز التنفيذ، فإنهم أصبحوا يتعرضون لـ"ضغوطات" تحول دون تمكنهم من تنظيم أنشطتهم ذات البعد الثقافي، ما دفع النائب عمر بلافريج، المنتمي إلى فدرالية اليسار الديمقراطي المعارضة، إلى الدخول على الخط عبر توجيه كتاب إلى وزير الداخلية سأله فيه عن "منع جمعية جذور من تنظيم أنشطتها"، و"تداعيات قرار منعها من استكمال أنشطتها، من طرف السلطات المحلية دون سند قانوني". وفي ما خص برنامج "عشاء وغبيّان"، فهو سيستمر بحسب ما قاله بلغازي لرصيف22، "لأن ما حصل بعد بث ‘ملحمة العدميين’ حرّك المياه الراكدة وأحدث رجة، ما يمنحنا الرغبة لإنتاج المزيد من الحلقات، انطلاقاً من الأحداث والمستجدات التي تشغل بال المتتبعين والرأي العام الوطني، ففي النهاية نحن نعمل على منح الفرصة للمداخلين للتعبير عن آرائهم ومواقفهم بكل حرية... وكما أقول دائماً: الضيوف هم مَن يصنعون البرنامج".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard