ديفيد لينش: عندما يصبح عدم الفهم امتيازًا

الأحد 20 يناير 201911:02 ص

محب للسوريالية، ومخلص للدادائية، وعاشق لعالم الأحلام، وشغوف بالفن. بدأ كرسام خاطّاً لوحاته نافخاً فيها الروح محوّلاً إياها لسينما. هو المؤلّف الكامل، المسيطر التام على العملية الإبداعية منذ البداية حتى النهاية. معروف بأصالة أعماله، خبير في كسر القواعد، مبدع في تخريب عقول مشاهديه، متلاعب بمسارات الوقائع السردية على مختلف المستويات دون خيطٍ منطقي بينها، الحريص دائماً على إكمال المسارات مع غموضٍ دائم ونهاية يشوبها عدم الفهم. إن اكتشف أو وقع في حب فكرة غريبة فسيجعلها حتماً أكثر غرابة، وإذ يمتلئ بالأسئلة لا يقدّم الإجابات، عالمه يبدو هادئاً أنيقاً في البداية، بينما شخصياته تبدو مدركة لما يجري حولها ولكن سرعان ما تتحوّل إلى النقيض، إلى شخصيات معذبة وواقع مشوه تماماً، فنفقد أنفسنا بشكل لا يمكن تفاديه وندخل في متاهة سينمائية فريدة، وعلى الرغم من الفوضوية في أحداثها تبقى متوازنة بشكل لافت. هو بكل تأكيد ديفيد لينش.

عندما أقول ديفيد لينش تقفز إلى رأسي الأقزام الراقصة على موسيقى جاز حسية، نساء شقراوات في أخطار لا تُفهم معانيها العميقة، حب مراهقين في سباق إلى الهاوية، أطفال مشوهون، أناس مظلمون، جنس غزائزي وجنس رومنسي، مرضى نفسيون، دماء وجنون، قهوة ودوناتس وسجائر، مناطق باردة كسكانها، طرق معتمة، العمق الأميركي، قبعات رعاة البقر والربو، والكثير الكثير... لينش يجمع كل ما سبق ويضعه في كوكب غريب ومريب. أعماله إبداعية شهوانية بغرائز بدائية غير مفهومة، طليعية وسوريالية تشبه في مكانٍ ما أحلامنا، لا بل كوابيسنا. هو صانع الأفلام، الرسام، الموسيقي، المصور، مصمم الأثاث وعظيم لا يمكن إنكاره في السينما الأميركية والعالمية.

لا يهتم لينش كثيراً بالجمهور، "لا أفكر في الجمهور. إن فكرت بهم فسوف تجن، فالناس مختلفون (...) تبدأ الأشياء في ذهنك، وتقع في حب فكرة. الشيء الوحيد الذي يهم هو أن تترجم الفكرة إلى سينما، وإن شعرت أن ما فعلته جيداً، فقد فزت بالفعل"، يقول. وهو فاز بالفعل. تاريخه الفني شاهدٌ على ذلك، من"مولهولاند درايف" (2001)، "بلو فيلفت" (1986)، "إنلاند إمباير" (2006)، "لوست هايواي" (1997). مخرج لتحفة تلفزيونية "توين بيكس" (1989 و 2017). وصولاً إلى 23 معرضًا فنيًت، و35 عرضاً فنياً مرئياً صوتياً وصاحب 8 ألبومات موسيقية.

في أفلام لينش، صور بمعان كثيرة، صور جميلة وبغيضة وغير سارة، تناقضات تضغط لتولّد من الأنواع التي تأتي منها (الرعب، سينما النوار، الميلودراما...). تندمج الصور في الجزء المضيء والجزء الكئيب من العمق الأميركي، هنا موطن وخلفيات قصصه وسينماه، هي جميعها كلاسيكية هيكلياً ولكنها في الخضمّ تتحول إلى نوعٍ جديد لا يشبه أي شيء آخر لصانع أفلام آخر.

هاجسه هو إعادة خلق الغموض للوصول إلى الجوهر، يفضّل الأميركي الجزء الغامض الذي يفصل الواقع اليومي عن عالم الخيال البشري فيذهب إلى حدود غير مفهومة ولا يمكن تفسيرها. وهذا في صميم فهمه للفن "لا أعرف لماذا يتوقع الناس أن يكون للفن معنى أو منطق ثمّ يقبلون حقيقة أن الحياة لا معنى لها"، هذا الغموض يعطي أهمية كبيرة للتأمل التجاوزي والتأمل خارج حدود الواقع (Transcendental Meditation) الذي يمارسه لينش منذ السبعينيات. في متاهة أفلامه قصص لا تلتزم بقوانين المنطق يستحيل إذاً شرحها فيلموغرافياً، لينش أساساً غير قادر على توضيحها لنفسه. هناك شيء وحيد واضح هو أن سينما لينش مشبعة بلفحة خاصة من الفكاهة، فيولّد شعوراً يحتفي بالعبثية، "السخافة أكثر ما يعجبني بالحياة، هناك شيء فكاهي في الكفاح في الجهل، إذا رأيت رجلاً يركض مراراً وتكراراً ويضرب نفسه بالجدار إلى أن يصبح كتلة دموية، بعد فترة من الزمن، سوف يدفعك للضحك لأنه يصبح سخيفاً". الواضح في كوكب لينش إذاً، عزمه على مواجهة الإحباط والغضب واليأس بقطرات من الفكاهة اللاذعة.

ترفض أعمال لينش أن يتم حصرها في الأنواع السينمائية المتعارف عليها. لا يعني ذلك أنه يحب أن ينتهك القوانين، فهو لا يعيرها اهتماماً حتّى. إن كان هناك تصنيف للسينما الخاصة به، فهو موجود فقط في رأسك. ربما للبعض "واليد أت هارد" (1990) هو فيلم طريق مشوق وغير نمطي ولكن بالنسبة للمخرج هو ليس أكثر من كوميديا عنيفة. لا يعبث "بلو فيلفيت" بكليشيهات أفلام النوار، كما نستخلص، ولكنه مثال جيد لسينما "الجوار/الحي" وفرانك بوث الذي يلعب دوره دينيس هوبر في الفيلم ليس تجسيداً للشر، بل لفقير في الحب لا يعرف كيف يثبته. في واحد من أكثر أفلامه غموضاً، فيلم "لوست هايواي"، يشير لينش إلى أنه مجرد خلل نفسي. في "إنلاند إمباير" يقول لينش على أنه فيلم عن امرأة في ورطة. المقصود من هذا كله وما يمكن استنتاجه أن سر فهم لينش هو عدم فهمه، هو لا يطلب ذلك لأنهّ يعلم تماماً أننا لو وضعنا كامل قدراتنا لفهم وترتيب الأفكار والشخصيات ووضعنا الجانب الرمزي لكل منها، فإن هذه العملية سوف تصبح مرهقة ومحبطة، لا بل إنها تضيع أي شعور قد يخالجنا بعد الانتهاء من المشاهدة. لنتوقف عن تحديد أفلامه في طابع معين أو تقييدها في أطر واضحة. لنتعامل معها كصور في متحف دون أيّ معلومات عن السياق، وهذا ما يحقق الغاية القصوى في نهاية المطاف إذ يدفع الخيال والحواس لأماكن غير متوقعة وأحاسيس لا نعلم أننا نملكها.

ديفيد لينش فنان كامل وليس صانع أفلام فقط. خلال الفترة التي قضاها في أكاديمية بنسلفانيا للفنون الجميلة بدا له أن الأصوات والروائح والنكهات لا يمكن أن تعكسها الفرشاة، وهذا ما شده للبحث عن اللوحة المثالية. لينش لا يتقن التعبير اللفظي ولكنّ هذا ليس عائقاً، بالنسبة له الفكرة الفنية هي مثل العواطف والحدس يجب أن لا تكون مقيدة بطريقة فنية واحدة، لهذا رأى في السينما ملجأه "السينما لغة، بإمكانها أن تقول أشياء كبيرة وأشياء مجردة. أحب قدرتها على ذلك. أنا لا أجيد استخدام الكلمات. البعض شعراء ولديهم طريقتهم الجميلة في قول الأشياء بالكلمات. لكن السينما لديها لغتها الخاصة، وبها تستطيع قول الكثير، لأنك تملك الوقت وتتابع الصور، لديك الحوار ولديك الموسيقى ولديك المؤثرات الصوتية. لديك الكثير من الأدوات. تستطيع السينما التعبير عن شعور وفكرة لا يمكن التعبير عنهما بطريقة أخرى. إنها وسيلة سحرية، وبالنسبة لي جميل جداً أن أتأمل الصور والموسيقى تتدفق بعضها مع بعض بترتيب معين، وأن أخلق أشياء لا تستطيع أن تلمسها إلا في السينما. إنها ليست فقط كلمات أو موسيقى. إنها مجموعة من العناصر التي اجتمعت لخلق شيء جديد لم يكن موجوداً من قبل. إنها قصة، إنها ابتكار عالم وتجربة لا يمكن للناس العيش فيها إلا إن شاهدوا الفيلم. عندما اصطاد فكرة لفيلم، أعشق الطريقة التي يمكن للسينما أن تعبّر عنها. أحب القصص التي تحمل الأفكار المجردة. وهذا ما تستطيع أن تفعله السينما".

أعماله إبداعية شهوانية بغرائز بدائية غير مفهومة، طليعية وسوريالية تشبه في مكانٍ ما أحلامنا، لا بل كوابيسنا. هو صانع الأفلام، الرسام، الموسيقي، المصور، مصمم الأثاث وعظيم لا يمكن إنكاره في السينما الأميركية والعالمية.
لينش: "لا أعرف لماذا يتوقع الناس أن يكون للفن معنى أو منطق ثمّ يقبلون حقيقة أن الحياة لا معنى لها"، هذا الغموض يعطي أهمية كبيرة للتأمل التجاوزي والتأمل خارج حدود الواقع الذي يمارسه لينش منذ السبعينيات.
لا يجد لينش الإلهام في الأحلام، ولا في الحياة، ولا في فن الآخرين. تبدأ عمليته الإبداعية بفكرة يقع في حبها وهذا يجذب فكرة ثانية: "الأفكار كالأسماك. إذا أردت أن تصطاد سمكاً صغيراً، عليك بالبقاء في الماء الضحل. وإذا أردت أن تصطاد سمكاً كبيراً، عليك بالذهاب إلى الماء العميق".

على عكس مخرجين آخرين، لا يجد لينش الإلهام في الأحلام، ولا في الحياة، ولا في فن الآخرين. تبدأ عمليته الإبداعية بفكرة يقع في حبها وهذا يجذب فكرة ثانية فثالثة "الأفكار كالأسماك. إذا أردت أن تصطاد سمكاً صغيراً، عليك بالبقاء في الماء الضحل. وإذا أردت أن تصطاد سمكاً كبيراً، عليك بالذهاب إلى الماء العميق. في الأعماق، الأسماك أكبر وأقوى. هناك في الأعماق تكون الأسماك ضخمة ومجردة وجميلة جداً. الأمر الجميل هو أنك حين تصطاد سمكة تعجبك، حتى لو كانت سمكة صغيرة، مجرد جزء صغير من الفكرة، فإن هذه السمكة ستجذب المزيد من السمك، وستتجمع هذه الأسماك مع السمكة الصغيرة. وبهذا تكون قد انطلقت. بعد ذلك تكثر الأجزاء الصغيرة للفكرة، حتى تظهر الفكرة الكاملة". هذه الأفكار ليست بالضرورة مترابطة ولكنه يقدمها بطريقة متوازنة بموهبة فذة في ترتيب الأفكار حتى وإن لم تكن واضحة. لينش يفهم السينما على أنها فن تجريدي  للنقاش وللكل استنتاجاته الخاصة، سواء كانت على صواب أم لا، ربما لن نعرف أبداً. يزعجه أن يحاول بعض النقاد تشريح أفلامه وعرضها للجمهور، وذلك يرجع أساساً لرؤية لينش في كون الجمهور جزءًا من العملية السوريالية للفيلم.

 100 كلمة سينمائية جديدة أضافها قاموس أوكسفورد إلى صفحاته عام 2018، "لينشيان" بات تعبيراً رسمياً، يعني أفلام لينش وخصائصها السينمائية ومفاعيلها على الجمهور. وهذا ليس إلّا الإثبات على فرادة أسلوب لينش الذي لا مفردة توفي أعماله إلا نسبها لاسمه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard