هل يمكن للمسلمين في ألمانيا أن يصبحوا ألمانًا؟

الأحد 20 يناير 201908:18 م
هل أصبح الإسلام أمرًا مقبولًا في ألمانيا كي يُقام مؤتمر سنوي في برلين يناقش أمور المسلمين في ألمانيا؟ وللسؤال مبرراته، فالإسلام في إلمانيا كما في روسيا وأوروبا وأمريكا كان متهمًا على الدوام بأنه دين عنيف أنتج الإسلام السياسي الذي أنتج بدوره مجموعات راديكالية متطرفة اتبعت أسلوب "العنف المقدّس" - إذا جاز التعبير- لتحقيق أهدافها السياسية أو الدعوية، مما دفع الغرب بقيادة الولايات المتحدة لإعلان الحرب على الإرهاب، ولأجل ذلك أسسَ تحالفًا دوليًا ما زال يخوض حربًا عسكرية على داعش، تطال ضحاياها المدنيين أكثر على ما يبدو مما تطال عناصر داعش، الأمر الذي يفتح المسألة الاسلامية على مصراعيها، فالعمى التكنولوجي العسكري ليس سوى امتداد لعمى إعلامي ثقافي استشراقي بدا قبل قرون واستمر وصولًا حتى وسائل الميديا ومراكز الأبحاث، بحيث أن هذا الغرب لا يفرّق بين الإسلام من جهة وبين المسلمين من جهة ثانية، وبين الإسلام السياسي من جهة ثالثة، وبين داعش والإرهاب من جهة رابعة… ويذهب إلى دمج هذه الأطراف كلها فيجعل منها خليطًا واحدًا، ربما لسهولة الأمر على قادة سياسيين، أمثال ترامب، مستوى ثقافتهم لا يفرق بين عاصمة دولة وبين طبق سلطة!

وقبل البدء في نقاش المسألة الإسلامية في ألمانيا علينا الإجابة عن سؤال ما هو المطلوب من هكذا مؤتمر، هل المطلوب نقاش الإسلام كدين أم نقاش أوضاع المسلمين كجالية لها أصول غير ألمانية يُضاف إليها مواطنون مسلمون ألمان؟ فهناك فرق شاسع بين نقاش الإسلام وبين نقاش حال الجالية المسلمة في ألمانيا، فالموضوع الأوّل عقائدي فكري والموضوع الثاني اجتماعي. السؤال الثاني يتعلّق بالمساعي لصناعة إسلام سياسي جديد، أوروبي هذه المرة، لأجل محاصرة الإسلام السياسي سواء كان إخوانيَا أم سعوديَا أم إيرانيًا؟

ربما كان نقاش الإسلام كموضوع ديني فكري أسهل بكثير من نقاش المسلمين كحالة اجتماعية وافدة إلى الغرب، وبالطبع كلا الموضوعين أقل إشكالية من نقاش الإسلام في مذاهبه المتعددة، فهذا حقل ألغام يخلق للمسلمين ومن يدور في الفلك الإسلامي في ألمانيا مشاكل جديدة، لأنه يعيد فتح ملف الإسلام المذهبي الاجتماعي السياسي بين تياريه الكبيرين؛ السنة والشيعة، وبينهما من جهة وبين من يدور في الفلك الإسلامي، أي العلوية (العربية) والإمامية الإسماعلية وكذلك الدرزية، عدا تيارات بعيدة تمامًا عن الإسلام، إنما يصنفها البعض تابعة للفلك التابع للإسلام كالعلوية التركية (القزل باش) وبضع مجموعات صغيرة وًلدت في أوروبا في السنوات العشر الأخيرة، أبرزها من ينعتون أنفسهم بالإسلام الليبرالي تمثلهم بشكل فاقع التركية سيران آتش.
[caption id="attachment_180914" align="alignnone" width="700"] مسجد ابن رشد-غوته[/caption]

المطلوب من مسلمي ألمانيا إذاً أن يكونوا مسلمين ألماناً وليس مسلمين أتراكًا أو مغاربة، هذا على الاقل ما صرّح به وزير الداخلية مؤخرًا، مطالبًا بقطع التبعية للخارج، ماليًا على الاقل، وسياسيًا بالطبع؛ مقابل ذلك، فللمسلمين الألمان، أيّ الذين يعيشون في ألمانيا "كل ما يرغبون"، بحسب تعبير وزير الداخلية، وربما يوجد وعد بحرية تأسيس وبناء المساجد، بأموال ألمانية، وخلاف ذلك...

لكن هل يمكن للمسلمين من جاليات عربية وآسيوية أن يصبحوا ألمانًا؟ هذا سؤال كبير ومهم جدًا.

 إن المسألة برمتها تتعلق بأي ألمان يريدون منا أن نكون، فكما أن الإسلام طوّع عبر التاريخ وعبر الجغرافيا والثقافات فصار إسلامًا تركيًا وصينيًا وماليزيًا ومغاربيًا وأمريكيًا، ثم قطع مرحلة أخرى مع ولادة الدولة الأيديولوجية، فظهر الإسلام السياسي الوهابي مع ولادة دولة آل سعود، وإسلام ولاية الفقيه مع الدولة الخمينية الإيرانية، كما تطوّع الإسلام مع أنظمة البعث في سوريا والعراق، وصار بنكهة قذافية في ليبيا، وبنكهة بورقيبيّة في تونس، وهو في كل دولة عربية منح نكهة مختلفة تتحكم فيها عوامل التمويل والتوجيه السلطوي والمزاج الشعبي، إلخ…

هل المطلوب نقاش الإسلام كدين أم نقاش أوضاع المسلمين كجالية لها أصول غير ألمانية يُضاف إليها مواطنون مسلمون ألمان؟ فهناك فرق شاسع بين نقاش الإسلام وبين نقاش حال الجالية المسلمة في ألمانيا، فالموضوع الأوّل عقائدي فكري والموضوع الثاني اجتماعي.
المطلوب من مسلمي ألمانيا إذاً أن يكونوا مسلمين ألماناً وليس مسلمين أتراكًا أو مغاربة، هذا على الاقل ما صرّح به وزير الداخلية مؤخرًا، مطالبًا بقطع التبعية للخارج، ماليًا على الاقل، وسياسيًا بالطبع.
أما ما ستجنيه ألمانيا من إسلام ألمانيّ فكثير جدَا، لن تصبح الجالية المسلمة مصدر خوف للسلطة بعد ذلك، سواء كانت هذه السلطة سياسية أم مالية أم اعلامية، ستختار قيادة للجالية متعاونة مع الحكومة وسيفتي الأئمة تمامًا بما تتطلبه مقتضيات الأمة والدولة.

أحلام أم أوهام؟

أما ما ستجنيه ألمانيا من إسلام ألمانيّ فكثير جدَا، لن تصبح الجالية المسلمة مصدر خوف للسلطة بعد ذلك، سواء كانت هذه السلطة سياسية أم مالية أم اعلامية، ستختار قيادة للجالية متعاونة مع الحكومة وسيفتي الأئمة تمامًا بما تتطلبه مقتضيات الأمة والدولة، وسيتم استخدام القوة الجديدة لمواجهة دول أخرى أهمها تركيا وإيران، أو على الأقل للتخفيف من الحضور التركي والإيراني في المانيا، وسيحدث تقارب ثقافي وعاطفي بين المسلمين في كل انحاء العالم وألمانيا، وستحل ألمانيا محل أمريكا والاتحاد السوفياتي بالنسبة للشعوب المسلمة لا سيما العربية منها في حال حكمتها شخصية قوية وإنسانية منفتحة مثل السيدة ميركل.

هكذا، بقدر ما يصبح الإسلام ألمانيًا بقدر ما يتحرر من تبعات كونه إسلامًا تركيًا أو مغربيًا أو سوريًا، وهذا ما يسمح للألمان أن ينظروا للإسلام نظرة واقعية مجردة من تبعات وشوائب سياسية قومية أو وطنية أو سلوكيات فردية أساءت لحقيقة الإسلام كثيرًا، تبعات استغلتها وسائل الإعلام الألمانية وبعض السياسيين الكارهين للعرب والأتراك للهجوم على اللاجئين وتحقيق مكاسب سياسية ضيقة أو كبيرة.

هل يستغل المسلمون في ألمانيا هذه الفرصة، ويبادرون إلى التباحث في هذا الأمر المهم جدًا بل التاريخي، فالعهد السياسي الحالي يمد يده لهم، وكما أن كثيرًا من المسلمين الجدد في ألمانيا يخشون من ألمنة الإسلام أو غربنته، فكثير من المسلمين يرغبون ربما بمصافحة يد النظام الألماني لكن بعد دراسة الأمر بروية ودون استعجال، فكلا الطرفين؛ ألمانيا والجالية المسلمة، لديهما مشاكل كثيرة يمكن أن يتم تجاوزها بالتعاون المخلص، فربما يكون كلا الطرفين رابحًا، في حال لم يحدث ضغط أو ابتزاز أو تسرع،  وفي حال لم يُسمح لأطراف داخلية وخارجية بالتلاعب أو التأثير على مشروع الشراكة هذا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard