نُحب زِرَّ اللايك حُباً جماً…وكم هذا صحي 

الخميس 17 يناير 201905:05 م

لطالما حذرنا العلم من "إدمان" مواقع التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) ومن هوس الحصول على الإعجاب والتعليقات المادحة والتفاعلات الجيدة من الآخرين، لكن لم يعد هذا التحذير مؤكداً بعد أن كشفت دراسة علمية فوائد الولع بمواقع التواصل لا نفسياً فقط بل جسدياً أيضاً.

ورغم أن مصطلح إدمان مواقع التواصل الاجتماعي منتشر ومتداول إلا أن المرض المذكور لم يُسجل في أحدث دليل طبي تشخيصي لاضطرابات الصحة العقلية، لا سيما وأن مواقع التواصل تتغير بوتيرة أسرع مما يمكن للعلماء مواكبتها أو محاولة دراستها وقياس تعلق الأشخاص بها.

ويعد زر الإعجاب "لايك" عبر فيسبوك مثلاً مسبباً للإدمان إذ يفتح ملايين الأشخاص عيونهم كل صباح للبحث في الفضاء الأزرق عبر خيار إشعارات "نوتيفيكيشن" لمعرفة من وضع لهم "لايك"، ما دفع الدراسة الحديثة في علم النفس إلى السعي لتفسير هذا الاهتمام.

كيف ندمن مواقع التواصل؟

بحسب الدراسة العملية التي أجراها موقع ستارت ديجيتال المتخصص بتقنيات العالم الرقمي، و نشرها موقع "ميديوم كوربوريشن" الأمريكي، فإن أنزيم دوبامين Dopamine هو الذي يدفعنا للهوس بتفاعلات السوشيال ميديا فمع كل لايك أو ما يشبهه "ينال الدماغ جرعة من هذه المادة المسببة للإدمان" كما أنه "كلما زادت الجرعات، نمت رغبتنا في الحصول على المزيد وهكذا يحدث الإدمان".

والدوبامين هو أحد النواقل العصبية المهمة التي يتم إنتاجها وتركيبها في مناطق عميقة من الدماغ، ويؤثر على تنظيم المزاج والسلوك والإدراك والانتباه والتعلم والحركة والنوم لذا يعتبره الكثيرون "هرمون السعادة".

وساعدت مراقبة سلوك ملايين المستخدمين لفيسبوك في تصحيح العلماء لنظريتهم عن الدوبامين، الذي كان اعتقادهم بشأنه يقتصر على أنه مادة تبعث على البهجة، ليكتشفوا أنه يسبب الإدمان كذلك، فما إن تبدأ الجرعات تسري في دم الإنسان حتى يتطلب المزيد منها.

الشعور بالرضا والسعادة

الدراسة كشفت أيضاً، أنّ المنشور الذي ينتزع الكثير من الإعجاب أو الانتقاد، يدفع عدداً أكبر من الناس لمشاركته، انسياقاً خلف مبدأ مشاركة القطيع حسب نظرية عالم الاجتماع الروسي بافلوف.

وطبقا لخوارزميات فيسبوك، فإنّ عدد اللايكات الذي نناله يعتمد على عدد الأصدقاء والمتابعين لنا ومدى توافق منشوراتنا مع مزاج هؤلاء ومساحات اهتمامهم.

وتلفت الدراسة إلى أن فيسبوك أضاف زر الإعجاب (لايك) عام 2009 أي بعد نحو خمسة أعوام من إطلاق مشروع فيسبوك الجامعي، ليصبح زر الإعجاب الشهير جالباً للسعادة والرضا للنفوس بين المستخدمين منذاك.

وفي حين بينت إحدى الدراسات المتخصصة بالسلوك البشري أنّ  الإنسان يتكلم عن نفسه بنسبة 40 % من جملة ما يقوله يومياً، إلا أن هذه النسبة تتضاعف إلى 80% حين يكون جالساً أمام لوحة مفاتيح الكومبيوتر أمام صفحته الزرقاء (حساب فيسبوك).

وعندما نعي أن الحوار وجهاً لوجه، لا يتيح للإنسان فرصة للتأمل والتصحيح لأن ردود فعل الآخرين إزاءه تكون متنوعة وقد تعارض بعض ما يقوله، يصبح جلوس الإنسان أمام لوحة المفاتيح وأمام خيارات المعلومات الرقمية الهائلة تمكنه من تهذيب ما يقوله وانتقاء أفضل التعبيرات ما يعني أن مواقع التواصل تجعلنا نعبر عن ذواتنا بشكل أفضل.

لطالما حذرنا العلم من "إدمان" مواقع التواصل ومن هوس الحصول على الإعجاب والتعليقات المادحة والتفاعلات الجيدة من الآخرين، لكن لم يعد هذا التحذير مؤكداً بعد أن كشفت دراسة علمية فوائد الولع بمواقع التواصل لا نفسياً فقط بل جسدياً أيضاً...

فوائد كشفتها دراسات سابقة

الغريب أن العديد من الدراسات السابقة والتي أجريت في الأساس بهدف الكشف عن أضرار ومخاطر محتملة لإدمان مواقع التواصل، كشفت عن فوائد صحية ونفسية على وجه التحديد لها، في حين تتهمها دراسات أخرى بأنها تقف خلف إصابة الأشخاص بالتوتر والقلق والاضطراب والاكتئاب واضطرابات النوم وانخفاض تقدير الذات واضطراب تشوه صورة الجسم، دون أدلة دامغة على ذلك.

وتوصل باحثون من جامعة كاليفورنيا إلى أن المنشورات السعيدة لرواد مواقع التواصل تُحدث تأثيراً كبيراً وقوياً على الآخرين، بحيث يلهم كل منشور سعيد  بنشر 1,75 منشوراً سعيداً آخراً عقب تقييمهم لأكثر من مليار منشور كتبه أكثر من 100 مليون مستخدم على فيسبوك، بين عامي 2009 و2012.

وفي فبراير/شباط 2017، نفت برايديان أوديا، الباحثة في مجال الصحة العقلية بمعهد Black Dog، وجود أي تفسير علمي دقيق أو ارتباط مباشر بين استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والميول الانتحارية والصحة النفسية عند الشباب.

أوديا أكدت في الوقت نفسه أن هناك " إجماعاً بين الباحثين والمرضى بشأن دور زيادة التفاعل على مواقع الإنترنت في رفع مزاج الأشخاص لا سيما أولئك الذين يعانون من مشاكل نفسية".

ويستخدم معهد Black Dog و BeyondBlue مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى المراهقين الذين يعانون من مشاكل نفسية، وتعتبر أوديا المواقع الاجتماعية بمثابة "بوابة نحو مختلف المحافل ومجموعات الدعم التي قد تكون وسيلة لتقوية الدعم العاطفي عند الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية".

وإلى جانب النتائج السابقة، تحدث بعض خبراء علم النفس عن فوائد نفسية وصحية ملموسة لمواقع التواصل الاجتماعي على فئات بعينها مثل المسنين الذين لا يجدون ونيساً معظم الوقت، والفئات التي تعاني عاهاتٍ بدنية وإعاقات تجعلهم غير مرغوبٍ بهم بكثرة في العالم الواقعي أو تدفعهم إلى التخفي خلف الشاشات ليحظوا بحياة طبيعية.

وفي ظل غياب نتائج مؤكدة عن تأثير مواقع التواصل سلباً أو إيجاباً، تلفت الأدلة إلى أن تأثير هذه المواقع يقع على الأفراد بأشكال ودرجات مختلفة وفقاً لظروفهم وسماتهم الشخصية. وكما هو حال بقية مغريات العصر الحديث، يعتبر الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي غير مفضل، لكن من الخطأ اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي سيئة في المطلق، لأنه من الواضح أنها قد تحقق فوائد لا تُحصى في حياتنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard