مهرجان مدن الموسم دمشق 2019

السبت 19 يناير 201910:22 ص
في فضاء ستيشن بيروت، انطلقت فعاليات مهرجان مدن الموسم دمشق 2019 الذي اختار له منظّموه هذا العام أن ينطلق من بيروت، وعلى مدار يومين نظّمت مؤسّسة اتجاهات – ثقافة مستقلّة، فعاليات ثقافيّة ضمّت فنانين من سورية ولبنان، من بينها: قراءة مسرحيّة لنصّ (جنة، جنة، جنة) لفرقة زقاق المسرحيّة، عمل تجهيز وأداء حركي مسرحي بعنوان (جفون)، وحفلة موسيقيّة بعنوان (سهرة سويت) مع مجموعة متنوّعة من المغنيين والموسيقييّن السوريين.

عرض مسرحي (جنة، جنة، جنة): سرديّات التاريخ بين الفردي والجمعي

بين عامي 2012 – 2014، انشغلت فرقة زقاق المسرحيّة بموضوعة التاريخ اللبناني، وإشكالياته السياسيّة والاجتماعيّة واحتمالاته السرديّة فنياً، فقدّمت عرضين الأوّل بعنوان (مسرح وطني، 2012) الذي يقارب إشكالية التضاد بين الإجرام والشهادة، ومن بعده عرض (جنة، جنة، جنة، 2014) الذي يربط بين الذاكرة الفرديّة والذاكرة الجمعيّة، وخصوصاً العلاقة بين يوميات المدينة، حالات الفقد والخسارة من جهة، وبين أحداث التاريخ الجمعي من جهة أخرى. وفي العام الماضي 2018، أصدرت الفرقة نصّي هذين العملين المسرحيين عن دار الفارابي مع تسجيل صوتي cd لعرض (جنة، جنة، جنة). يتألّف العرض من عشر لوحات، تؤدّيها ثلاث ممثلات على المسرح مايا زبيب، ولميا أبي عازار، ودانيا حمود، في لقاءٍ تلفزيوني يوضّح كاتب النص هاشم عدنان: "كان العمل على ذاكرة تروى من قبل النساء متعمَّداً ومقصوداً. يحاول العرض أن يروي التاريخ من خلال المرأة". تتناوب الممثلات على السرد، بين الإلقاء الجمعي حيث تُقرأ جُمَل النصِّ بإيقاعٍ موحّد وموزون بين المؤديات الثلاث، وبين الإلقاء الفردي حيث تتفرّد إحدى المؤديات بسرد النصّ بينما تقوم الممثلتان الباقيتان بخلق الأجواء المسرحيّة اللازمة لسرد الممثلة الأولى لحكايتها أو شهادتها. في الأداء الجمعي تروي الجوقة: "في يا ما في بهالزمان المكتفي، إبن أمّو بيّو جندي وهو مختفي. في يا ما في بهالزمان المكتفي، الإبن انخطف بالتسعين وطالت على أمّو السنين، البي الجندي ضلّو عايش لعمر الـ31، بس خلصت الحرب، لاقى حالو بلا حياة، قتل مرتو من الحيرة وما طول لهوي مات".
قدّم المغنّي آري سرحان أغنية (غريب) من التراث الغنائي الكردي، وأغنية (يردلي كم يردلي، سمرا قتلتني) وهي أغنية تدمج بين الإيقاعات والغناء الكردي وبين الكلمات العربيّة، تحكي الأغنية عن صعوبة علاقة الحب والارتباط بين الطوائف والأديان: (أنت على دينك، وأنا على ديني، صومي خمسينك واصوم ثلاثيني).
عرض (جفون) هو جزءٌ من مشروع فني عملت عليه الفنّانة والمسرحية رنا كرم على فكرة " الأبواب"، فتسأل: "لماذا نتمترس خلف الأبواب؟ وماذا عن أبوابنا الداخليّة؟ لمن نفتحها وبوجه من نوصدها ؟ لم نخاف أن نفتحها؟ وماذا سيحدث إن فعلنا؟"
جهدٌ واضحٌ مبذولٌ على الصياغة اللغويّة للنصّ ليحقّق شعريّة السجع، ليكون ملائماً للإلقاء المسرحي وقادراً على تحقيق غايته السرديّة، بالإضافة إلى عامل آخر، يُظهر براعة في التأليف بالدمج بين ما هو تراجيدي، وبين الحسّ الساخر القادم من طريقة الإلقاء، إختيار المفردات، وانتقاء التعابير، نتلمّس هذا الأسلوب بوضوح في اللوحة التاسعة مثلاً: "أنا مرا. ع راسي سلة عنب، بقلبي صور، بوجي حكاية، برقبتي جريمة، بإيدي محبس، بجيبتي ملبّس ع قضامة، ع كتفي حرير جبل لبنان، ع بطني لبطة، ع ضهري زوجي وبيي، ع صدري عبقة، ع صدري بقعة، ع صدري ابني، ع صدري بلاطة، ع صدري وشم قلب مكسور، بصوتي رجّة، بدينتي شمطة، ع دقني دقّة، ع لساني مسبة". اللوحات العشرة التي يتألّف منها العرض هي شهادات او حكايات، تجارب جماعيّة وفرديّة. في اللوحة الخامسة مثلاً يتحوّل المسرح إلى استديو إذاعة، في فترات البرامج الصباحيّة عن الأبراج والتوقعات الفلكيّة، في الخلفيّة أغنية فيروز (لبيروت من قلبي سلام لبيروت)، المُتصلة بالفقرة الإذاعيّة الصباحيّة هي أم فقدت ابنها خلال الأحداث، وهي ترغب بمعرفة مصيره من خلال التنبؤ الفلكي الخاص ببرجه. حكاية رمزيّة مختارة بعناية من المؤلّف، لتعكس حال معاناة أقارب وذويي المختفين قسرياً، ولتظهر مدى اليأس الذي تصله العائلات دون أن تتوانى عن بذل كل مجهود للعثور عليهم، حتى الاتصال ببرامج التنبؤات الفلكيّة لمعرفة مصيرهم من طبيعة أبراجهم، تقول القارئة الفلكيّة: "رح كون صريحة معك يا إم يحيى، شهر نيسان صعب فلكياً، لأنو حركة الكواكب ما بتكون واضحة بسبب طقسو المتقلب. ابنك يحيى من برج الجوزاء، واحدة من مواصفات هيدا البرج هي التوق للحريّة، وهيدا الشي رح يصعّب عليه تجربة الخطف". يوضّح المخرج جنيد سري الدين أن فرقة زقاق في عرض (جنة، جنة ، جنة): "تعاملت مع ثنائية الضحيّة والشهيد المتعلّقة بتجربة الحرب، وعبر هذه الجدليّة قدّمت في العرض مجموعة شهادات"، تأكيداً على ما قاله المخرج فإن موضوعة الإختفاء القسري التي كانت ظاهرة في الفن اللبناني، بدأت تتكرّر بعد التجربة السوريّة في السنوات الأخيرة في المسرح والفنون المتنوّعة السوريّة، كما رأينا مؤخّراً في عروض من مثل (كلّ الأسماء، إخراج علاء العالم، 2018)، (خيالات، إخراج ساري مصطفى، 2018)، وكذلك (الجانب الآخر من الحديقة، فرقة كون المسرحيّة، 2018)، التي تعتبر تجربة الإختفاء القسري واحدة من موضوعاتها.  في اللوحة السادسة من عرض (جنة، جنة، جنة) شهادة فرديّة خاصّة عن العلاقة مع المدينة المتغيّرة باستمرار، بين حال المدينة في الماضي والحاضر، تروي الممثلة عن علاقة حميميّة مع شوارع المناطق، والأحياء في بيروت، وبعض الأماكن المفضّلة كحديقة الصنايع والمسارح. هي مجرّد ذكريات فردية لكنها تساهم برهافةٍ في رسم تاريخ المدينة، المصير الذي آلت إليه بعض عاداتها الأهليّة، كذلك نسمع من الشهادة العاشرة: "هون البلد بعدو على تركة إيدكن. ما شي يعني، متل ما عم تسمعو بالأخبار، شوية اشتباكات، أنا ماشي حالي ، عم جرّب ضلّني بالبيت، وعم جرّب ما إتركه، منشان ما يحتلّوه ونخسرو، الجيران هون تلات رباعن فلّ". إذاً، تتنوّع موضوعات اللوحات العشرة التي تؤلّف العرضَ بين : يوميات المدينة أثناء الحرب، يوميات المدينة التي تتغيّر بإستمرار، تجارب في الفقد وخسارة الأشخاص، وتجارب في لحظات من العنف كما في اللوحة الأخيرة حيث تقتحم مجموعة من المسلّحين المنزل الذي تُسجّل منه الشهادة أو تُرسل منه الرسالة، أي تقتحم خشبة المسرح.

عرض أداء حركي (جفون): جسدان في استلهام حركات الجفون

ضمن فعاليات الأمسية الأولى للمهرجان أيضاً تم تقديم عرض مسرحي بعنوان (جفون)، أداء رنا كرم، وأنجيلا الدبس ومن إخراج رنا كرم. عرض (جفون) هو جزءٌ من مشروع فني عملت عليه الفنّانة والمسرحية رنا كرم على فكرة " الأبواب"، والمفاهيم المتعلّقة بها، توضّح في البيان الصحفي الخاص بالمسرحية: "لماذا نتمترس خلف الأبواب؟ وماذا عن أبوابنا الداخليّة؟ لمن نفتحها وبوجه من نوصدها ؟ لم نخاف أن نفتحها؟ وماذا سيحدث إن فعلنا؟ لماذا نحمي كينونتا الداخليّة بأبواب مغلقة ذي أقفال عجيبة من كل شكل ونوع"، وتوضّح المخرجة عن سبب اختيارها (جفون) كعنوان لعرضها، بأن: "الجفون هي أوّل الأبواب بيننا وبين العالم المحيط بنا، بيننا وبين الآخر". على المسرح، يحاول كل من جسدي المؤدّيتين التموضع في علاقة تقارب رمزياً علاقة الجفنين، يتداخل كل منهما بالآخر، ثم ينفصلان ليحاولا التموضع من جديد بما يرمز لعلاقة الإنطباق والإستقلال بين جفني العين، حسب مفهوم المخرجة عن دور الجفون في جسم الإنسان، وفي التواصل. وبعد هذا المشهد الثنائي، يهمدُ الجسدُ الأول، ليترك للآخر أن ينطلق في أداءٍ منفردٍ على المسرح. في أداء أنجيلا الدبس الفردي، نتلمّس حضوراً حيوياً، جريئاً، في استغلال فضاء الخشبة، تحاول التواصل والانفتاح على الجمهور، لكنها لا تلبث أن تصبح حركتها موتورة، عصابيّة، تتنقّل بين التعابير والانفعالات بذرى حادّة. أما في الأداء الفردي ل(رنا كرم) تظهر عبر الحركة أيضاً، شخصيّة من نوع آخر، أكثر خجلاً، انطواءً، وأقلّ جرأة على التمدّد في فضاء الخشبة. يُحسب للتصميم الكريوغرافي في عرض (جفون)، تلك القدرة على التعبير عن الشخصية من خلال إيقاع الحركة، نوعها، وطبيعة الانفعال التي تولّده على المسرح ليصل إلى الجمهور. بعد الأداءين الإفراديين، يعاود الجسدان - الجفنان التواصل الثنائي، لتظهر من أداءهما الحركي مجموعة من الأسئلة تتولّد في ذهن المتلقي : هل يحمي كلّ من الجسدين – الجفنين الآخر؟ أم يقمعه؟ هل يتعاونان أم يتصارعان؟ هل تساعد المؤدية الأخرى في تجربتها الحركيّة أم تمنعها عن تحقيق خصوصيتها كاملةً وبحريّة؟ كتب الناقد (جواد أيوب ) عن عرض (جفون): "دراما مكثّفة تقول عبرها الراقصتان حكاية التضاد الدائم بين فكرتين/شخصيتين/عالمين: عالم الأنثى الحالمة الرشيقة المتفلّتة، وعالم الأنثى المقيَّدة المجمّدة المسحوقة المرعوبة. وأن «الآخر/الأُخرى» هو باب الذات نحو الكون. وتتحوّل الرغبة بمعرفة الآخر إلى رغبةٍ بتقييده وتشويهه وإعادته إلى قوقعة خوفه الفطريّ، وليصبح النظر في أعين الجمهور و”التلصّص” عليهم والضحك في وجوههم مباشرةً هو نوعٌ من توريطهم المقصود في أنهم معنيّون بشكل لا مفرّ منه بكل ما يتابعونه، وأنهم صورةُ ما يشاهدونه وليسوا بمنجاةٍ عما يمكن أن يحدث أمامهم".

الجاز في الأداء الصوتي وتجربة مميزة في الروك العربي

في اليوم الثاني لإنطلاقة المهرجان، جمع عنوان (سهرة سويت) مجموعةً من المغنين والعازفين السوريين في أمسية موسيقيّة، تضمنت تنوّعاً في الآلات الموسيقيّة المستعملة وفي أنواع المقطوعات والأنماط الغنائيّة المقدّمة. بدأ الحفل مع عدة مقطوعات لفرقة (فتت لعبت)، التي ينتمي إليها عددٌ من الموسيقيين المشاركين في الأمسية، منهم: (ناريك عبديان، أورغن)، (نزار عمران، ترومبيت). (فتت لعبت) هي فرقة أداء موسيقى ارتجاليّة، تأسّست في دمشق، طوّرت التواصل بين عازفيها لأداءات جماعيّة متنوعة الأنماط الموسيقيّة، من بين مؤسّسيها أيضاً: خالد عمران، غناء وباص، وداني شكري، درامز. تالياً، وبمرافقة الموسيقيين، قدّمت المغنّية (لين أديب ) مجموعة من الأغاني التي تعبّر عن أسلوبٍ في الأداء مستمدِّ من الجاز، حيث تظهر قدراتها على تحويل الصوت الإنساني ليقارب ما أمكنه الآلة الموسيقيّة، وذلك باللعب على الأحرف المنطوقة، والتنويع في طبقات النوتة الموسيقيّة الواحدة، كما قدّمت (لين أديب) أغانٍ بلغاتٍ متنوّعة، منها التركيّة ومنها التي تعود لأصول يونانيّة. أما المغنّي آري سرحان، وبأداءٍ متميّز على آلة البزق، قدّم أغنية (غريب) من التراث الغنائي الكردي، وأغنية (يردلي كم يردلي، سمرا قتلتني) وهي أغنية تدمج بين الإيقاعات والغناء الكردي وبين الكلمات العربيّة، تحكي الأغنية عن صعوبة علاقة الحب والارتباط بين الطوائف والأديان: (أنت على دينك، وأنا على ديني، صومي خمسينك واصوم ثلاثيني). وأخيراً نصل إلى الأغاني التي قدّمتها فرقة (طنجرة ضغط) مع الموسيقيين طارق خلقي، غيتار كهربائي وكيبورد، خالد عمران، غناء وغيتار باص، وداني شكري، درامز. تميّزت تجربة هذه الفرقة مؤخّراً على ساحة موسيقى الروك العربيّة. نجحت الفرقة في تحقيق أغنياتٍ بكلماتٍ عربيّة تطبّق عليها أساليب موسيقى الروك في العزف على الآلات الموسيقيّة، وفي أسلوب أداء الغناء الصوتي. بالإضافة إلى أن عازفيها الثلاث طوّروا مهارات وتقنيات العزف كل على آلاته ببراعة. حقّقت الفرقة ألبوم بعنوان (180 درجة)، وفي طريقها إلى تسجيل الألبوم الثاني الذي يصدر هذا العام. في الأغاني المقدّمة من الفرقة تمتزج العاطفيّة والتمرّد اللذان عُرفت بهما موسيقى الروك، مع كلمات ومضامين الأغاني ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسيّة، مما يجعلها تجربة فرقة موسيقية من الروك لأغاني الالتزام، وليست مقتصرة على الأغاني المتمرّدة بشكل مثالي دون أرضيّة واقعيّة، أو الواقعة في رومانسيات تكرّر سرديات قصص الحب ووجدانياته. في أغنية الفرقة الأشهر (تحت الضغط)، تقول الكلمات: "تحت الضغط السياسي، تحت الضغط الاجتماعي، وتحت الضغط الاقتصادي، وتحت الضغط من أمي، من أختي"، بإشارة إلى القمع السياسي والاجتماعي والعائلي من باب التقاليد والعادات. وفي الأغنية الأخرى التي قرّرت الفرقة تقديمها في الأمسية، أغنية (رمادي)، وهي تشرح عن هذا اللون الذي يستخدم كمفهوم سياسي يشير إلى أولئك غير الراغبين بالتدخل في الأحداث الاجتماعيّة والسياسيّة الجارية من حولهم، موضوعة تختارها الفرقة، لتؤكّد مجدّداً قدرتها على إنتاج الأعمال الغنائيّة التي تعكس التجربة السياسيّة والاجتماعية للمجتمعات العربيّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard