"المنطقة الآمنة" في شمال سوريا... طموحات تركية ورعب كردي

الجمعة 18 يناير 201912:42 م
فجّر حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا الجدل، وأثار رعب الأكراد السوريين من توغّل القوات التركية داخل منطقة إدارتهم الذاتية، بعد أسابيع من إعلان سحب القوات الأمريكية المنتشرة هناك. ففي تغريدة نشرها في 13 يناير، هدّد ترامب تركيا بالدمار الاقتصادي إذا هاجمت وحدات حماية الشعب الكردية المتحالفة مع بلاده في سوريا، لكنه رمى فكرة إنشاء منطقة آمنة بعرض 20 ميلاً (32 كيلومتراً). وبعد يوم من ذلك، ناقش ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الفكرة هاتفياً، وأوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز أن الرئيس الأمريكي أبلغ نظيره التركي بـ"رغبته في العمل معاً لمعالجة المخاوف الأمنية التركية في شمال شرق سوريا"، مع الإشارة إلى "أهمية ألا تسيء تركيا التصرف مع الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية". من جانبه، قال أردوغان لنواب من حزب العدالة والتنمية إن المنطقة الآمنة "نقيمها نحن"، مذكّراً بأنه اقترح الفكرة على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما خلال زيارته إلى واشنطن في مايو 2013. وتختلف فكرة "المنطقة الآمنة" المذكورة عن "منطقة خفض التصعيد" التي اتفق عليها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي أردوغان في إدلب لفصل قوات النظام السوري عن المعارضة. وتهدف المنطقة الجديدة إلى إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية عن الحدود التركية، وهذا ما يثير رعب الأكراد، لأن إنشاءها يعني تحوّل جزء كبير من المناطق التي يسيطرون عليها إلى أراضٍ خاضعة للنفوذ التركي.

غياب الوضوح

تغيب التفاصيل الدقيقة حول المنطقة الآمنة المطروحة، أكان في ما خص مساحتها وموقعها أو في ما خص طبيعة القوى التي ستنتشر فيها، وطبعاً هذا متروك لمفاوضات معقّدة ستجري حولها. تركيا تريدها أن تكون مشابهة لما أقامته في جرابلس والباب وعفرين، حسب تصريح المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، أي منطقة تسيطر عليها عبر مقاتلين سوريين موالين لها. أما الأكراد، فيطالبون بأن تكون المنطقة "لحماية شمال سوريا من تهديدات تركيا" لأن "تركيا ليست مستقلة وليست حيادية، وهي طرف ضمن الصراع" وبأن توضع "تحت رعاية دولية"، عبر "استقدام قوات تابعة للأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلام فيها"، حسبما قال مسؤول العلاقات الخارجية لحركة المجتمع الديمقراطي آلدار خليل. أما في ما خص الموقف الروسي، فقد دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الولايات المتحدة إلى تسليم المناطق التي ستنسحب منها في شمال سوريا إلى الجيش السوري. وسيناقش بوتين وأردوغان تفاصيل هذه المنطقة في لقاء سيجمعهما في يناير الحالي.

شيطان التفاصيل

يقول أحمد الموسى، قائد لواء المدفعية في القوة 21، وهي قوة شاركت في حملة غصن الزيتون التركية على عفرين، إن المنطقة الآمنة "تضم معظم المناطق الكردية في سوريا". ونشرت وكالة الأناضول الرسمية التركية "مسحاً" يوضح ما ستتضمنه منطقة آمنة بعمق 32 كيلومتراً، وعلى طول الحدود التركية-السورية البالغة 460 كيلومتراً، بيّنت فيه أنها ستضم مدناً وبلدات من محافظات حلب والرقة والحسكة. وجاء في "المسح" أن المنطقة الآمنة ستشمل مدينة القامشلي، وبلدات رأس العين، وتل تمر، والدرباسية، وعامودا، ووردية، وتل حميس، والقحطانية، واليعربية، والمالكية (محافظة الحسكة)، وعين العرب (محافظة حلب)، وتل أبيض (الرقة). يتطابق تحديد الموسى لما ستشمله المنطقة الآمنة مع ما نشرته الأناضول، ويقول لرصيف22 إنها "تهدف إلى حماية المدنيين بالدرجة الاولى وحماية أمن تركيا القومي من الإرهابين المتمثلين بداعش والانفصالين التابعين لحزب العمال الكردستاني". أما الناطق باسم وحدات حماية الشعب الكردية نوري محمود، فيقول لرصيف22 إن المنطقة المزمع تأسيسها "ليست منطقة آمنة لشعبها وإنما لتوطين داعش والإخوان المسلمين كما حصل في إدلب وعفرين والباب وأعزاز". ويضيف محمود أن الأكراد يشترطون للقبول بإنشاء هذه المنطقة "أن يضمن أمنها طرف ثالث، لأن تركيا طرف في زعزعة الاستقرار"، معتبراً أن "أهم شيء هو ضمان أمن المكوّنات العرقية المنتشرة في هذه المنطقة وحماية ثقافتها من داعش والأجندات التركية"، وهذا برأيه كان هدف تأسيس وحدات حماية حماية الشعب الكردية. بدوره، يعرّف آمر اللواء الرابع في قوات أبو الفضل العباس، إحدى القوات الرديفة للجيش السوري، مروان الأسدي، المنطقة الآمنة بأنها "عبارة عن أراضٍ تعرضها أمريكا على تركيا لتشكّل منطقة فصل بينها وبين الأكراد، مقابل عدم قيام أنقرة بعمل عسكري ضد الأكراد، في معادلة لتأمين مصالح الطرفين". وقال الأسدي لرصيف22 إن "العبرة تبقى في التنفيذ، مشيراً إلى أن الحرب العسكرية شارفت على نهايتها و"جاء دور الحرب السياسية ولن تكون أقل ضراوة من الحرب العسكرية". وأضاف أن أمريكا تريد أن تحصل بالسياسة على ما لم تحصل عليه بالسلاح، لافتاً إلى أن الأفضل هو سيطرة القوات السورية على كل أراضي سوريا، وأن من حقها الدفاع عن سيادة البلاد ووحدة أراضيها بكل الطرق.

أهداف تركية وتحفظات كردية

يعتبر القيادي في قوات درع الفرات التي تهدد أنقرة بتوجيهها للسيطرة على منطقة شرق الفرات، أبو سعيد الجنيد أن هدف المنطقة الآمنة "حماية الناس المشردين في الخيام وحماية المدنيين من ظلم النظام السوري وحماية الحدود التركية من التنظيمات الانفصالية". ويضيف لرصيف22 أنه على الرغم من عدم تشكيل وحدات حماية الشعب الكردية خطورة كبيرة على تركيا، إلا أنها تنفّذ عمليات انتحارية مثل داعش وأنقرة تريد تخفيض المخاطر على مواطنيها إلى صفر بالمئة. أما المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية مصطفى بالي فيعتبر أن مشكلة المنطقة الآمنة "تكمن في مفهومها"، معتبراً أن هكذا مناطق تُفرَض عندما توجد أقليات مهددة، وذلك لحمايتها من الإبادة، مضيفاً: "إذا كانت المنطقة وفق هذا المفهوم، نرحب بها"، ومتابعاً أنها يجب أن تُفرض بقرار من مجلس الأمن أو التحالف الدولي أو "منصة دولية تستطيع تأمين انتشار قوات محايدة". وعن مساحة المنطقة الشاسعة، يفيد بأنه "إذا كانت منطقة محايدة وبإشراف دولي، لا نمانع في أن تمتد لأكثر من ذلك، لأن هناك شعوباً مثل الأكراد والسريان والأيزيديين وحى العرب يحتاجون لحماية". ولكنّ بالي يقول لرصيف22 إن ما يطرحه أردوغان من إشراف تركي على المنطقة، "هو عملية احتلال بشكل مختلف"، ولن يقبل الأكراد به بأي شكل.
المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية: ما يطرحه أردوغان من إشراف تركي على المنطقة الآمنة المقترح تأسيسها في شمال سوريا هو عملية احتلال بشكل مختلف، ولن يقبل الأكراد به بأي شكل
ناطق باسم وحدات حماية الشعب الكردية: "المنطقة الآمنة" المزمع تأسيسها ليست منطقة آمنة لشعبها وإنما لتوطين داعش والإخوان المسلمين كما حصل في إدلب وعفرين والباب وأعزاز
ويضيف أن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من أجل انتشار قوات دولية محايدة هو حديث سابق لأوانه، لأنه بحاجة إلى قرار دولي وتوافقات على الأرض، و"حتى الآن قوات سوريا الديمقراطية موجودة في أراضيها وتدافع عنها"، رافضاً أي وجود تركي في المنطقة. وقال القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي جمال شيخموس لرصيف22 إنه حتى إذا وافقت الإدارة الكردية على المنطقة الآمنة فإن الشعب الساكن فيها سيرفضها، مضيفاً أن تلك المنطقة إنْ تأسست ستكون لها سلبياتها والمستفيد منها هو أردوعان. واعتبر شيخموس أنه حتى هذه اللحظة لم تفعل أمريكا شيئاً لحماية الأكراد سوى التغريدات، فلا توجد اتفاقات ولا ترتيبات عملية للحماية. أما رئيس حزب التآخي الكردستاني جيكرخون علي، فقال لرصيف22 إنه "إذا كان قصد ترامب السماح لتركيا بالتوغل في المنطقة المقترحة، فهذا يعني انتهاء القضية الكردية وهنا تكمن المشكلة".

مَن ينتشر في "المنطقة الآمنة"؟

يعتبر مدير المكتب الإعلامي للحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا، عز الدين ملا، أن المنطقة الآمنة هي طرح أمريكي، وتركيا وافقت عليه، وستكون إدارتها أمريكية-فرنسية-تركية. وعن مشاركة قوات بيشمركة روج آفا في حفظ الأمن في المنطقة المُزمع إنشاؤها، بيّن ملا أن هذه القوات تطالب منذ سنوات بالدخول إلى وطنها. وهذه القوات موجودة حالياً في كردستان العراق بسبب خلافات سياسية إذ تُعتبر قوة موالية لخصوم حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تتبع له وحدات حماية الشعب. ويوضح ملا أنه جرى تدريب بيشمركة روج آفا على يد خبراء أمريكيين وفرنسيين وبريطانيين وألمان، ولديها القدرة على حفظ الأمن والأمان في كردستان سوريا، وتم تدريبها لهذا الغرض، وهي مقبولة من قبل جميع الأطراف ومن قبل المواطنين في تلك المنطقة، وتستطيع لعب دور ريادي فيها. واعتبر أن طرح مبادرة لإدخال تلك القوات إلى "المنطقة الآمنة" هو حق طبيعي لأبناء المنطقة، كما أن دخولها سيقطع الذريعة التركية بأن القوات الموجودة هناك تهدد أمنها، كونها لا تعارض انتشارها في المنطقة الكردية في سوريا. بدوره، قال سكرتير تيار المستقبل الكردي، وعضو الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي، الجناح السياسي لبيشمركة روج آفا، فادي مرعي إن البيشمركة تلقّت التدريب والدعم تحت إشراف زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني. وأضاف لرصيف22 أنه يُناقش حالياً أن تكون ضامناً لإعادة الضبط والأمان الى جانب قوات النخبة العربية في منطقة شرق الفرات إذا حصل توافق كردي-تركي-أمريكي، على الأمر، و"هذه هي الكفة الراجحة حالياً". وأشار مرعي إلى أن المنطقة لا تتحمل تطورات وحروب جديدة، فقد تضررت كثيراً من داعش، وأي تصادم تركي-أمريكي في المنطقة سيكون الخاسر الأكبر من جرّائه شعوب المنطقة. ومن جانب آخر، اعتبر القيادي في تيار الغد السوري قاسم الخطيب أن "هدفنا من المنطقة الآمنة عودة المهجرين النازحين"، مضيفاً لرصيف22 أن قائد التيار أحمد الجربا قام بجولات مكوكية بين أربيل وأنقرة والقامشلي لتأمين مظلّة لانتشار قواته في "المنطقة الآمنة". وأكد الخطيب أن التيار نجح في الفترة الأخيرة في نزع فتيل شنّ تركيا حملة عسكرية على الشمال السوري، مقترحاً أن تتولى قوات النخبة التابعة له، وهي قوات عربية، أمن المنطقة مع قوات كردية يتم اختيارها من أبناء البلدات الكردية، على أن تحارب ما تبقى من فلول داعش في دير الزور. وأضاف أن قوات النخبة لها تجربة كبيرة في محاربة داعش، وخاصة أنها تعتمد على قبيلة الشعيطات، وهم من أبناء الشمال السوري، ونجحت في تحرير شرق الرقة كاملاً من التنظيم الإرهابي، ولذلك لن يكون من الصعب عليها حفظ الأمن في تلك البقعة. واشترط الخطيب لنجاح تلك المهمة إخراج كل القوات غير السورية من المنطقة، سواء تلك التي أتت من جبال قنديل أو الجماعات المتطرفة التي جاءت من شتى بقاع الأرض.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard