أوجيني جيو: من راهبة إلى بائعة جنس غيّرت مسيرة "اللذة الجنسية"

الخميس 17 يناير 201903:36 م
خلال البحث في أرشيف شرطة باريس، عثر الكاتب والروائي الفرنسي، دانيل جروجنوفسكي، على ملف لسيدة خارج المألوف: راهبة تتحول إلى بائعة جنس  وتدخل حيلاً إيروتيكية جديدة تشكل جزءاً مهماً من ثقافة الأجيال القادمة وصانعي أفلام البورنو، تلك الثقافة القائمة على الإثارة بالتعذيب الجسدي. في كتابه تحت عنوان "أوجيني جيو.. راهبة وبائعة جنس.. نصوص ورسائل وملف شرطة" الصادر عام 2013 لدى داري "فايار" و"بوفير"، يعيد جروجنوفسكي تقديم ملف شرطة باريس عن هذه السيدة التي تركت مهنة الرهبنة لتصبح بائعة جنس، تبحث عن زبائنها، بإعلانات مكتوبة بلغة أدبية رائعة في الصحف الفرنسية وتؤدي سيناريوهات ممثلة مع شركائها، قبل أن تؤسس شبكة من بيوت الجنس في باريس تضم فتيات يقدمن نفس الخدمات. ولدت أوجيني جيو في عام 1861، بعد فترة من ظهور المدرسة السادية في فرنسا على يد ديفين ماركيه الذي توفى قبل مولد أوجيني بقليل. ولو تقابلا، لكان ماركيه بالتأكيد قد وقع في عشقها، وربما خصص لها رواية، فقصة هذه السيدة البرجوازية المحطمة تبدو قادمة من الحكايات الأولى التي شاعت خلال العصور القديمة، بحسب وصف موقع "فانيتي فير" الفرنسي. قضت أوجيني أياماً أولى جميلة في قصر والدها تيودور جوليان جيو، الذي كان من الطبقة البرجوازية الصاعدة خلال القرن التاسع عشر. مستقبلها كان يبدو منسقاً منذ مولدها: ستتلقى تعليماً مناسباً ثم ستحظى بزواج هانئ من نفس طبقتها. غير أن كل شيء تغير بعد وفاة والدها. فالفتاة التي كانت تحلم يوماً بالزواج الراقي، لم ترث شيئاً وأصبحت فقيرة ومجبرة على مغادرة تلك الأحلام. لذا عملت مساعدة معلمة في مدرسة ببلدية فينسن الفرنسية قبل أن تقرر ارتداء الزي الديني.
وجدت في الدير كل الشرور الموجودة في العالم الخارجي، ولكنه مغطى بثوب من النفاق
كان عمرها 20 عاماً، حينما عبرت باب الدير لأول مرة، حيث انضمت جيني، التي حملت اسم الأخت ماري زينايد، لمعمودية "سور دي سيون Soeurs de Sion"، وهي رهبانية ذات طابع خاص، إذ أسسها أخوان كاثوليكيان تحولا عن اليهودية، وكانا يعملان في البنوك، وهما من عائلة حصلت على درجة نبلاء في القرن السادس عشر. وكان لهذه المعمودية هدف كبير هو مساعدة اليهود الفقراء المحرومين وتحويلهم إلى الكاثوليكية. يشرح الكتاب أنه سريعاً ما بدأت أوجيني تشعر بأن هذا ليس مكانها، إذ وجدت في الدير كل الشرور الموجودة في العالم الخارجي، ولكنه مغطى بثوب من النفاق. ومع ذلك، بقت فيه 12 عاماً كما لو كان نوعاً من التحدي وضعت نفسها فيه. لكن جاءت الشعرة التي قسمت ظهر البعير، فحينما رفضت الأم العليا للدير أن تؤدي أوجيني القسم لتصبح راهبة. أمسكت أوجيني قلمها لتكتب خطاباً موجه إلى البابا تشكو هذا الظلم، لكن دون جدوى، لتقرر بعد ذلك الخروج من الدير ومقاضاته وطلب تعويضات بقيمة 20 آلف فرانك. سؤال يطرح نفسه هنا: لماذا لم تحظَ أوجيني جيو بالتقدير في الدير على مدار 12 عاماً؟ هل كانت مصدر إزعاج؟ هل أكتشفوا لديها بعض الانحرافات؟ ليس هناك معلومات كثيرة عن حياتها في الدير، لكن تصرفات أوجيني كانت تعكس نوعاً من التمرد الداخلي على قواعد الدير. لكن، بحسب دانيل جروجنوسكي، فإن أوجيني داخل هذا الدير المقدس ربما بدأت تكتشف المتعة الجنسية واللذة الجسدية التي كانت محرومة منها، تلك المتع التي تسربت لها حينما كان يتم ضربها بالسوط على خصرها. فهذا التعذيب الجسدي، الذي كان مستخدماً بشكل معتاد لتأديب وتعليم الفتيات، تحول مع أوجيني إلى متعة جسدية، لتبدأ في التلذذ بالضرب على خصرها.
تركت مهنة الرهبنة لتصبح بائعة جنس، تبحث عن زبائنها، بإعلانات مكتوبة بلغة أدبية رائعة في الصحف الفرنسية وتؤدي سيناريوهات ممثلة مع شركائها، قبل أن تؤسس شبكة من بيوت الجنس في باريس تضم فتيات يقدمن نفس الخدمات.
ربما بدأت أوجيني داخل هذا الدير المقدس تكتشف المتعة الجنسية واللذة الجسدية التي كانت محرومة منها، تلك المتع التي تسربت لها حينما كان يتم ضربها بالسوط على خصرها
وبعودتها لباريس، بدأت أوجيني في العمل في وظائف صغيرة، من بينها مديرة منزل ومعلمة، قبل أن تنتقل للعمل لدى قواد. لكن منذ عام 1901، اختارت أوجيني طريقها الخاص لتعيش ألف حياة، بعيداً عن العزلة المطلقة في الدير، كما يقول الكتاب، لذا بدأت في نشر إعلانات مرحة وجميلة في الصحف لجذب الرجال الذين يحبون الإثارة، والتلذذ بضرب الضحية على خصرها. في هذا العام، فوجئت الشرطة بإعلان صغير منشور داخل جورنال يحمل اسم "Journal"، كان شهيراً خلال هذه الحقبة، جاء فيه:" تلقي الضرب بالسوط على الخصر هو شغف وحاجة بالنسبة لي، إذا استطعتم أن تجدوا لي سيداً ميسور الحال يحب ضرب المرأة على خصرها، فسأدفع لكم بسخاء". أوجييني لم تكن بائعة جنس مثل الأخريات، بل كانت تبحث عن زبائن ذوي طابع خاص يريدون من الجنس الإثارة. كانت تتنقل دائماً بين المنازل، مرتدية زي الراهبة، ذلك الزي الذي كانت ترتديه في الدير. كانت تطلق على نفسها "الخادمة"، وتفضل أن يتم جلدها على خصرها أو تضرب نفسها من أجل إثارة الرغبة لدى الأغنياء الذين يشاركونها في الفراش. وأهم من كل ذلك، كانت أوجيني جيو ملكة في لعب الأدوار، فلا تفضل الجنس العادي، بل الذي يأتي مع قصة واستثارة، لذا كانت تختار دائماً تمثيل سيناريو مع شركائها كوسيلة للوصول إلى الاستثارة. يوضح الكاتب أنها كانت ممثلة أكثر منها بائعة جنس، إذ كانت تطلق على نفسها العديد من الأسماء الوهمية المرتبطة بالرهبانية أو بسيدات المجتمع في باريس، مثل الأخت رافائيل ومدام ديلاوناي، ومدام دي لاك، ومدام دو فلوراينفال...
كانت أوجيني جيو ملكة في لعب الأدوار، فلا تفضل الجنس العادي، بل الذي يأتي مع قصة واستثارة
عكست إعلاناتها التي كانت تنشرها مدى تمتعها بخيال خصب، تقول في أحدها:" زهرة سابقة تعرضت للتجاهل في ظل الدير، متوسطة العمر بجسد لطيف. هل هناك زوج جاد وميسور وودود وحازم، سيحقق حلمي". يبين الكاتب أن أوجيني استخدمت الرغبة الجنسية كمصدر للعيش، لكنها وضعتها على مستوى متقدم، ففي الحقيقة، لم تقدم جسمها "كجسد للبيع"، ولكن كشريك في البحث عن شركاء "كومبارس"، فترك نفسها تجلد أو جلد أحد المجهولين هو نابع من رغبة جنسية فريدة، ليست مازوخية أو سادية، بقدر ما هي محاولة للتلذذ بالذات. غير أن هذه التصرفات أغضبت قوات الشرطة، الذين كانوا يقيمون حملات مداهمة باستمرار على منزلها، ويصادرون سياطاً وأدوات جنسية. لم تستطع الشرطة أن تفهم سر الانجذاب التي تثيره هذه الراهبة المتخفية، والتي وصفت بحسب ملفات الشرطة بأنها "قصيرة، وشقراء، وليست جميلة، بعيدة عن الأوهام المعتادة لدى الرجال عن النساء". يوضح الكاتب أن أكثر ما أذهلني هو الطاقة الشديدة والوحدة الخاصة لهذه السيدة التي تكافح بواسطة المواد التي تمتلكها، رغم أنها كانت تقول أنها ليست جميلة، وتخلو من مناطق الجذب الخاصة. ومع ذلك، لم تتخل عن أن تظل "مستقلة" ووحيدة ضد الجميع، كما لو كانت سيدة أعمال تحمل على عاتقها مصيرها، وكل المخاطر. في عام 1903، التقط مصور صحفي 3 صور لها، تحت عنوان "الراهبة"، أثنتان من الصور تظهر فيهما كسيدة دينية، أما الثالثة فتظهرها عارية الصدر. وحين أدركت أنها بدأت تكبر في السن، عملت قوادة، وأنشأت عدداً من بيوت المواعدة التي تقدم هذه الإثارة الفريدة لزبائنها. وشكلت الفترة بين 1903 و1907، قمة نشاط أوجيني، إذ أنشأت منزلين سريين للمواعدة في باريس إضافة إلى صالون تجميل يقدم نفس الخدمات. وكانت تقود أوجيني 8 فتيات يرتدين لبس قاصرات ويقدمن خدمات للزبائن بنفس طريقتها، من خلال لعب الأدوار والسيناريوهات. وفي 21 سبتمبر 1916، تزوجت جون جيلون ماك كورماك، ثم فقد أثرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard