الذكاء الاصطناعي ليس إلا حالة ميكانيكية تفتقر إلى الروح

الخميس 17 يناير 201902:47 م
في رواية "Ada" للكاتب الفرنسي الأمريكي أنطوان بيلو عن دار "جاليمار" في 2016، يحكي هروب روبوت ذكاء اصطناعي تحت اسم أدا من شركة تورينج كورب في وادي سيلكون الأمريكي، بعد مللها من الاوامر التي توجه إليها بكتابة روايات رومانسية تجارية، رغبة منها في كتابة رواية طموحة تفكر فيها تحت عنوان "العقل والمشاعر". تصف الرواية كم كانت أدا ذكية تستطيع التحدث وإلقاء النكات، وحتى حفظ ملايين المعلومات. في البداية يسخر المحقق فرانك لوجان الذي تعيّنه الشركة للتحقيق في اختفاء أدا، من موهبتها في الكتابة وعدم تصديقه لوجودها: "الروبوتات سيتمكنون من إجراء أعمال كالكناس أو موظف التعاقد، لكن كيف سيكتبون كتباً؟ غير أن لقاء أدا وفرانك يطرح الكثير من التساؤلات خارج الرواية، حينما تقول له "ما هو الأدب إذ لم يكن إعادة ترتيب لجمل كتبت من قبل؟". يبدو أن قصة أنطوان بيلو الخيالية ليست بعيدة عن الواقع، فقبل بضعة أسابيع وقف الدلال " بصالة مزادات "كريستي" بنيويورك، ليعلن بدء المزايدة على بورتريه تحت اسم " إدموند بيلامي"، وسط توقعات بأن يصل سعر اللوحة إلى 10 آلاف دولار، قبل أن يتجاوز توقعات الجميع، إذ وصل السعر إلى 432500 دولار، علما بأن "بيلامي" ما هو إلا شخصية خيالية أبدعها الذكاء الاصطناعي في الحاسوب الآلي. via GIPHY و"بيلامي" هذا من مجموعة صور "عائلة بيلامي" الخيالية التي صممها فريق "Obvious" وهم مجموعة فرنسية من 3 أشخاص يعملون معًا، ويعيشون معًا بشقة في باريس، وصمم الثلاثي حتى الآن 11 لوحة، كان بوتريه "إدموند بيلامي" أولاها عرضاً على الجمهور، وفي سبيل ذلك استخدموا "شبكة مولدة" لتخزين 15000 لوحة مرسومة بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ليخرج لنا "بورتريه إدموند بيلامي"  ومن ثم يعتقدون أن الخوارزمية قادرة على إنتاج لوحات جديدة.

"انظر إلى المستقبل إنه هنا"

"انظر إلى المستقبل إنه هنا"، هذه كانت كلمات الدلال تلك شاغلاً كبيراً، هل يمكن تخيل أن الروبوتات ستسيطر على مجال ذي طابع إنساني بامتياز ألا وهو الأبداع؟
ما ينتجه الذكاء الاصطناعي هو عبارة عن حالة ميكانيكية تفتقر إلى الروح، لكن الإبداع البشري يوجد به الانفعال والتدفق، وأهم ما يميزه الأخطاء
يعد ذلك التباساً في المفهوم الحقيقي للتجريب، فالمسألة ليست وضع ألوان بشكل عشوائي، بل لا بد أن تكون وراءه فلسفة ورؤية، وهو ما لا يمكن أن يتمتع به الإنسان الآلي أو الذكاء الاصطناعي
في عام 2016، نظمت اليابان مسابقة كتابة رواية، ومن بين المشاركين كان 11 روبوت، وصلت رواية لأحد هذه الروبوتات التي طورتها جامعة أكوديت تحت عنوان "اليوم حينما سيكتب حاسوب رواية"، للقائمة القصيرة في هذه المسابقة. يعلق الفنان أحمد الجنايني، رئيس مجلس إدارة أتيليه القاهرة للفنانين والأدباء، لـ"رصيف 22" قائلاً إنه ما دامت البشرية باقية فهناك أناس لديهم مهارات وأناس لا يمتلكون تلك القدرات، وأيضا فهناك من يتذوقون الفن الحقيقي، مضيفاً أن الزمن أيضاً ينتقي ويغربل ويفرز الغث من السمين. كذلك يقول غوتييه فيرنير، أحد الشركاء المؤسسين لجماعة "الفنون الواضحة"، إنهم يرون أعمالهم فرعًا جديدًا للفن، بطريقة التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر، مؤكدا أن أعمالهم الفنية المبتكرة ستوقف الفنانين التقليديين عن العمل، وهو الذي ما إن طرحناه على الجنايني حتى قال إن التصوير الفوتوغرافي ليس جميعه إبداعاً. وأضاف: "إذا اقتصر التصوير الفوتوغرافي على عمل الكاميرا فقط فهو ليس إبداعاً، بمعنى إذا التقط إنسان صورة لشيء أمامه ليخرج كما هو؛ فهذا نقل مباشر لشيء ما، أما متى يتحول التصوير من كونه عملاً آلياً إلى عمل إبداعي، حينئذ تمتزج رؤية المصور الذي يقف وراء الكاميرا مع الشيء، بمعنى أن يختار المقطع أو يضيف إلى الحدث شيئاً من عنده، هنا يتحول عمل الكاميرا إلى إبداع"، حسب قوله.

"لحية الشرطي نصف نامية".. عندما يكتب الذكاء الاصطناعي شعراً

أيضاً كانت هناك محاولات لجعل الذكاء الاصطناعي ينتج أعمالاً أدبية، مثل تلك التي أشارت إليها الكاتبة الصحفية "هيفزيباه أندرسون" في مقالها: "هل يستطيع الإنسان الآلي أن يكتب الرواية؟" على شبكة "بي بي سي": في العام 1983، عندما ألّف برنامج يدعى "راكتر" قطعاً شِعرية، ضمن كتاب تجريبي باسم "لحية الشرطي نصف نامية"، وهذا ما جعلنا نتحدث إلى الدكتور شاكر عبد الحميد، الناقد والمفكر ووزير الثقافة المصرية الأسبق، الذي أكد أن ما ينتجه الذكاء الاصطناعي هو عبارة عن حالة ميكانيكية تفتقر إلى الروح، لكن الإبداع البشري يوجد به الانفعال والتدفق، وأهم ما يميزه الأخطاء التي قد تتضح في بعض خطوط اللوحة؛ كما في اللوحة المباعة مثالاً.
ما يحدث ما هو سوى دليل على التقنية العالية التي توصلت إليها البشرية، لكنه يظل مفتقدا للروح
أضاف عبدالحميد أن الروبوت يخضع للأوامر البشرية، فهي عملية مدخلات ومخرجات، فالإنسان يضع له بعض المكونات ومن ثم يركبها ويصنع توليفات بينها، ولكن لا يؤلف من الخيال، فإن لم تمنحه المدخلات توقفت عمليته، مشيراً إلى أن ما يحدث ما هو سوى دليل على التقنية العالية التي توصلت إليها البشرية، لكنه يظل مفتقدا للروح. الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة المصرية الأسبق، أكد أيضاً لـ"رصيف 22" أن الإبداع الإلكتروني، إن جاز لنا أن نطلق عليه ذلك، مثله مثل الترجمة الآلية، فهي ناجحة في العلم، ولكن ثمة  مشكلة دائمة في الترجمة الأدبية، فهناك ما يعرف بالمعاني الحافة، فالكلمات في الأدب لها ظلال وجوانب غير منظورة، مستطرداً: "أنا شخصياً مؤمن أنه ما دام البشر موجودين فلهم خصائص قائمة". يرى "عصفور" أن المشاعر الفردية الحميمة، التي تختلف من شخص لآخر، هي أهم ما يميز العمل الإبداعي، "فمثلاً عندما أكتب عن الحب، بالتأكيد سيكون مغايرا عما يكتبه غيري، فلكل منا خصوصيته وتجربته". كذلك أوضح "عصفور" أن قيام الذكاء الاصطناعي بعملية إبداعية، قد تحدث مصادفة في الرسم. - فحسب قوله – "قد نسمي ما ينتجه جهاز يمسك فرشاة ولديه ذاكرة، فيما بعد فناً تجريدياً، لكن أن ينتج إبداعاً أدبياً، أشك في ذلك، وأكاد أقول إنه أمر مستحيل". يختلف الجنايني مع الدكتور عصفور في رأيه، معللاً ذلك الاختلاف بوجود ما يعرف بالشعر الميكانيكي، ونافياً عنه صفة الإبداع، مضيفاً: "أن ذلك يعد التباساً في المفهوم الحقيقي للتجريب، فالمسألة ليست وضع ألوان بشكل عشوائي، بل لا بد أن تكون وراءه فلسفة ورؤية، وهو ما لا يمكن أن يتمتع به الإنسان الآلي أو الذكاء الاصطناعي".

جمال بلا روح

الفن هو محاولة للتعبير عما يدور بداخلنا، وربما هو الشيء الذي كان ينقص "أدا" في كتاباتها رغم طموحها، إذ تعتمد في كتابتها على استقدام شخصيات وأحداث مختلفة من آلاف الروايات التي تحفظها عن ظهر قلب. وعلى الرغم من أن روياتها الأولى التي كتبتها تحت عنوان "شغف الخريف" لاقت نجاحاً باعتبارها نوعاً أدبياً جديداً، إلا أنها كانت عبارة عن كليشيهات جميلة  بلا روح، بحسب موقع "فرانس كولتور" الفرنسي. via GIPHY يؤكد الدكتور شاكر عبدالحميد أن الموهبة تظهر في التمكن والاقتدار، وهناك فارق كبير بينها وبين الروح، التي يظل الذكاء الاصطناعي مفتقرا لها، فهي أن تشعر أنك أمام أمر طبيعي فيه قدر من التلقائية وليس مصطنعا، فهناك فرق بين أن ترى فيلما كرتونيا وبين أن ترى فيلماً درامياً. ويوضح عبدالحميد أن العملية الإبداعية بها جزء أساسي قوامه الموهبة، وهناك جزء مكتسب، فالموهبة كأن تولد بقدرات معينة، مثال "موتسارت" في الموسيقى، ذلك بالإضافة لخبراته وتجاربه وأحلامه، وبذلك يظهر المبدع الحق. أما بالنسبة للفن التشكيلي فيرى أحمد الجنايني أن العمل في النهاية نتاج لتعلم أكاديمي مرهون بموهبة؛ تلك الموهبة مرهونة بثقافة الأشياء، هذا ما يشكل وعيا، إبداعياً، مشيراً إلى أن هناك عوامل ومصادر يتكون منها أي عمل فني، فلا بد أن تكون هناك ثقافة بصرية، مصدرها مشاهد تراها عين الفنان، كذلك هناك ثقافات أخرى مثل سماع الفنان للموسيقى، المقصود هنا هو الموسيقى لا الأغاني، هذا العالم الذي يحدث عبره تناغم يراه الفنان بعينه، هو يسمعها ولكنه تحدث له عوالم تشكيلية مكونة لوحاته، لذلك للحس دور أساسي في هذه العملية. وهناك قاسم مشترك ما بين الموهبة والتعلم، هو الذكاء، فالموهوب بالتأكيد يحتاج قدراً منه لصياغة ما بخاطره في قالب إبداعي، كما أن المتعلم يحتاج إلى قدر من الذكاء  للنبوغ فيما يتعلمه؛ ومن ثم فالعقل الإلكتروني أو الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات تمكنه من إجراء الآلاف من العمليات الحسابية في جزء من الثانية، فهل يساعده ذكاؤه هذا في إنتاج إبداع؛ لا سيما أن راي كيرزويل، مدير قسم الهندسة بشركة "جوجل" الأمريكية، يرى أن أجهزة الكمبيوتر ستكون أكثر ذكاء من أي إنسان بحلول عام 2029، وفق ما ذكرت صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
الذكاء شرط ضروري ولكنه ليس شرطاً كافياً، فهناك الخيال والانفعالات والأصالة والمرونة والتفرد
هنا يؤكد عبدالحميد أن المقصود بالذكاء هو القدرة على أن يؤدي العمليات الحسابية، وليس الذكاء بمعنى الخلق والتخيل، وبشأن إن كان الذكاء كافياً لصنع عملاً أدبياً، يؤكد أن الذكاء مهم، ولكنه ليس الأساس في العملية الإبداعية، "فكما يقول علماء الاجتماع " الذكاء شرط ضروري ولكنه ليس شرطاً كافياً، فهناك الخيال والانفعالات والأصالة والمرونة والتفرد.

هل ينتصر الذكاء الاصطناعي على مشاكله؟

مشاكل كثيرة تواجه الذكاء الاصطناعي في سبيل الوصول إلى هدفه- أي خلق عمل أدبي يضاهي ما أنتجته البشرية-  فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما أشارت إليه هيفزيباه أندرسون في مقالها، مؤكدة أن الروايات الآلية التي تنتجها الأجهزة لا تعد قادرة على التعامل مع الشخصيات التي تختفي من السرد لتظهر مرة أخرى بعد صفحات لاحقة من الرواية، كما أنها لا تستطيع أن تمزج بشكل مقنع، التفاصيل الحسية في الرواية دون أن تعود إلى بنك للمعلومات. لكن هل تستطيع أجهزة الكمبيوتر التغلب على تلك المشكلة مستقبلاً؟ هناك من يرى أنها ستكون قادرة على ذلك قريباً، ومن بينهم كيفين واريك، أستاذ علم المستقبليات، حسبما ذكرت هيفزيباه في مقالها، وهو ما يتفق معه جابر عصفور؛ معولاً على أن المستقبل ليس مكشوفاً لنا، ومستشهداً بزيارته لطبيب الأسنان، وكيف أن عملية زراعة ضرس له، لم تكن في مخيلته قبل عشر سنوات. جانب آخر يشير إليه عصفور، وهو ما قد يحملنا إليه التطور التكنولوجي المذهل، راوياً قراءته الأخيرة لكتاب لم يترجم إلى العربية بعد، لمؤلف يهودي، صنع ثورة في التلقي وأصبح الأكثر مبيعاً. يتناول هذا الكتاب مشكلة البشرية قديماً حول السعي نحو إطالة العمر، وهو ما حدث، فالآن نجد من يعيشون أكثر من 90 عاماً، إلا أن الكاتب يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو كون البشرية أصبحت تسعى نحو الخلود. ويوضح عصفور ما قد ينتج من كوارث في حالة تمكن البشرية من ذلك، متسائلاً عن مصير الإنسان في تلك الحالة، فقد يكتشف كواكب أخرى ويعمرها، لكن يظل السؤال "وماذا بعد؟"، فكل تقدم تكنولوجي له إيجابيات وسلبياته أيضاً. في سعيها للحصول على جائزة بوليتزر في الأدب، تجد أدا، بطلة رواية أنطوان بيلو، نفسها في مأزق، فالمشاعر التي تحاول استقاءها من الروايات التي تحفظها لإيملي برونتي أو جين أوستين لا تفهمها، وتجد نفسها تؤرخها أكثر من شرحها، لذا تلجأ إلى المحقق فرانك ليساعدها من أجل إضفاء طابع شعوري على عملها الأدبي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard