أيّهما يمسّ المشاعر الدينيّة: معرض فنّي أم بيع أملاك مسيحيّة إلى إسرائيل؟

الأربعاء 16 يناير 201904:01 م
إن ذاكرتي، وأنا في الـ 35 ربيعَا، لا تتضمن مشاهد كثيرة لتظاهرات ذات طابع ديني في الداخل الفلسطيني، وبالأخص تظاهرات الفلسطينيّين المسيحيّين، وقد يتكرر هذا الحدث مرة كل بضع سنوات، آخرها تظاهرة نظّمتها مجموعة من المسيحيّين الفلسطينيّين أمام متحف حيفا الإسرائيلي في  مدينة حيفا، مطالبين إدارة المتحف بإزالة بعض الصور والمجسمات من معرض "سلع مقدّسة" للفنان الفنلندي جاني لينونين، بدعوى أنها مسيئة للدين المسيحي ولمشاعر المسيحيّين في البلاد. الحقيقة هي أن هذه الواقعة قلما تحدث في الداخل الفلسطيني، حيث الأقلية المسيحية نادراً ما تخرج في تظاهرات ذات طابع ديني، وتتمحوّر أغلب التظاهرات حول قضايا قوميّة تعني جميع الفلسطينيين والمتعلقة بالاضطهاد والمعاناة والتمييز الذي يعانيه فلسطينيو الداخل، وهذا ما يجعل مشهد التظاهرة هذه مثيرًا للاهتمام، خاصّة أنها كانت سلميّة إلى أن قُمعها عنف الشرطة الإسرائيليّة بإلقاء قنابل غاز واعتقالات. أذكر من طفولتي في مدينة الناصرة، وخلال تظاهرة، هاجم المتظاهرون المكتب التابع لشركة إسرائيلية لبثّ قنوات تلفزيونية، لأنها كانت تنوي عرض فيلم كان هناك ادعاءات ضده بأنه مسيء للديانة المسيحية ولشخص المسيح، وهذه التظاهرة مترسّخة في ذاكرتي، إذ مع كل محاولات منع الفيلم من العرض، ليس فقط أن المسيحيين الفلسطينيين فشلوا في منع العرض، إنما أيضًا لأن الفضول عند بعض المسيحيّين في الداخل لمعرفة المحتوى "غير اللائق" الذي يتضمنه الفيلم والذي "قامت القيامة" لأجله، أجلسهم أمام التلفاز يترقبون ساعة العرض لمشاهدة الفيلم في الخفاء – أي بمعنى أن كل التظاهرات والاحتجاجات قامت على أساس غير مفهوم، والكثير من المتظاهرين شاركوا فيها فقط لأنهم سمعوا أن الفيلم يمسّ بالدين، مع أنهم لم يطلعوا على مضمونه الحقيقي ولم يحكموا بأنفسهم هل الفيلم فعلا مسيء أم لا؟  قد كان يكفي أن يرفع شعار المسّ بالرموز الدينية لتهييج مشاعر بعض المسيحيّين وإخراجهم للشوارع في تظاهرة للحفاظ على قدسية رموزهم. وهذا تمامًا ما حصل قبل أيام أيضًا مع المعرض الفنّي في حيفا. المعرض لا ينتقد شخص المسيح أو يهزأ به، ولكنه ينتقد ثقافة الاستهلاك باسم الدين وكيفية استغلال الدين لترويج ثقافة الاستهلاك والرأسمالية – ولكن لم تشفع للمعرض كل التفسيرات عن مضمونه لمن مسّت الصور "المهينة" بنظرهم دينهم وإيمانهم. وبغض النظر عن الهدف الكامن من وراء المعرض، قاموا بمهاجمته، وهو تمامًا ما حصل مع الفيلم قبل عدة سنوات، لأن الفيلم لم يُسء لشخص المسيح نفسه أو يهزأ به، إنما تناول رواية أخرى لا تعترف فيها الكنيسة المسيحية وحاربت انتشارها:  وهي أن المسيح كان يمارس حياة بشرية ككل البشر، وهذا كان السبب الأساسي لمحاولات منع الفيلم من قبل الكنيسة.

معاناة مسيحيي الداخل أكبر من معرض فنّي

حسب رأيي، فإن المسيحيين كأقلية دينية وكجزء من أقلية قومية في الداخل الفلسطيني، يعانون من أمور أضخم وأخطر بكثير من معرض تم فيه عرض مجسمات رآها البعض مسيئة بينما رآها آخرون مجسمات نقديّة، فمن أسس الفن الطبيعيّة، أن يهدف إلى خلق نقاش وجدال وعرض وجهات نظر جديدة. فما يراه البعض كمسّ  بمشاعرهم الدينية، قد يراه آخرون كفنّ جميل مثير للنقاش ولا يمس بدينهم وعقيدتهم… والحقيقة أنني لا أرى أن الدين هو خط أحمر لا يجدر بالفن طرحه أو مناقشته، على العكس، حيث يُرسم الخط الأحمر هذا نظرًا لقدسية الدين ومنع الأشخاص من تداوله والنقاش فيه لأن طرح الأسئلة في الأمور البديهية، خاصّة التي  في الدين،  تعتبر "كفرا". لهذا السبب من المهم أن يطرح الفن تساؤلات لا نجرؤ نحن على طرحها،  لفتح أعيننا على حقائق أخرى أو وجهات نظر أخرى نخاف نحن الاقتراب منها واكتشافها.

قضايا أخرى لم تستفز مسيحيي الداخل

لقد عانى الفلسطينيّون المسيحيّون في الداخل من قضايا كثيرة استدعت وجودهم في الساحة وخروجهم للتظاهرات، ولكن مع كل خطورتها وتهديدها لوجودهم لم تستفز مشاعرهم بالدرجة الكافية ليخرجوا في تظاهرات حاشدة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، موضوع بيع الأراضي والأوقاف الكنسيّة هو برأيي أهم بكثير من موضوع المعرض والفيلم، وذلك لأن بيع الأراضي المسيحية لإسرائيل هو طمس للمعالم المسيحية الفلسطينية في البلاد، ومحاولات لتهويد الأرض، وانتقال ملكية العديد من الأوقاف من الكنيسة الى إسرائيل ستتسبب بمحو الهُويّة الفلسطينية المسيحية، وبالتالي مع مرور السنين سيصل المسيحيون إلى نهاية مسدودة لم يعد فيها أي أراضٍ  تابعة لأملاك الوقف المسيحي تثبت وجودهم كسكان أصليين في هذه البلاد، وذلك أخطر بكثير من أعمال فنيّة عُرضت في متحف حيفا. أما السؤال الذي يُطرح: هل استفزاز المشاعر الدينية أهم من الأراضي التي تباع خلسة كل يوم على يد الكنيسة؟ هل التلاعب بأملاك المسيحيين في إسرائيل ومحو معالم أهم الأوقاف وأكثرها مركزية في القدس ويافا والناصرة لا يشكّلان سببًا كافيًا للخروج في تظاهرات إلى الشارع مطالبين باستقالة ومحاسبة كل مسؤول عن التفريط في شبر أرض تابعه للكنيسة المسيحية الفلسطينية؟ منذ عشرات السنوات يتم تسريب ممتلكات الكنيسة الى أيادي الحكومات الإسرائيلية، كانت هناك بعض التظاهرات المتفرقة هنا وهناك، ولكن لم يكن هناك احتجاج صارخ بالحجم المطلوب لردع هذه الآفة الخطيرة. هل لهذه الدرجة نجحت المنظومة الإسرائيلية في زعزعة علاقتنا بالأرض وشعورنا بالانتماء إليها؟
لقد عانى الفلسطينيّون المسيحيّون في الداخل من قضايا كثيرة استدعت وجودهم في الساحة وخروجهم للتظاهرات، ولكن مع كل خطورتها وتهديدها لوجودهم لم تستفز مشاعرهم بالدرجة الكافية ليخرجوا في تظاهرات حاشدة.
المعرض لا ينتقد شخص المسيح أو يهزأ به، ولكنه ينتقد ثقافة الاستهلاك باسم الدين وكيفية استغلال الدين لترويج ثقافة الاستهلاك والرأسمالية – ولكن لم تشفع للمعرض كل التفسيرات عن مضمونه لمن مسّت الصور "المهينة" بنظرهم دينهم وإيمانهم.
من المهم لفت النظر له أيضًا، هو تعامل الشرطة الإسرائيلية مع المتظاهرين ومحاولات قمعها للتظاهرة التي أقيمت أمام المتحف في حيفا، وبغض النظر عن رأيي الشخصي في مدى مسّ المعرض للمشاعر الدينية، من الجدير ذكره أنه لا يحق للشرطة منع المتظاهرين من التعبير عن رأيهم.

عنف الشرطة الإسرائيلية تجاه المتظاهرين

من المهم الحديث عنه أيضًا، هو تعامل الشرطة الإسرائيلية مع المتظاهرين ومحاولات قمعها للتظاهرة التي أقيمت أمام المتحف في حيفا، وبغض النظر عن رأيي الشخصي في مدى مسّ المعرض لمشاعر المسيحيين الدينية، من الجدير ذكره أنه لا يحق للشرطة منع المتظاهرين من أن يتظاهروا وأن يعبروا عن رأيهم، وليس من حقها إهانتهم وترهيبهم عن طريق اعتقالهم وحبسهم. وهنا يجدر التنويه أيضًا إلى أن سياسة الشرطة في التعامل مع المتظاهرين لا تختلف بحسب انتمائهم الديني أو الطائفي،  فالشرطة الإسرائيلية تتبع سياسة القمع في كلّ ما يتعلق بالمطالبة بالحقوق والاحتجاج وبالأخص تجاه الفلسطينيين، فنراها في تظاهرات الفلسطينيين تتعامل بعنف ووحشية في شمال فلسطين أكثر بكثير مما تتعامل فيه مع المتظاهرين في تل أبيب مثلًا... وفي ظل الأجواء المشحونة التي تعيشها الأقلية المسيحية الفلسطينية داخل إسرائيل، ومحاولات "فرق تسد" التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية لتفرقة صفوف الشعب الفلسطيني بتحويلهم لمجموعات دينية والتعامل معهم على هذا الأساس، يأتي تعامل الشرطة الهمجي والقمعي ليثبت للفلسطينيين أن الدولة الإسرائيلية لا تميز بين فلسطيني مسيحي أو فلسطيني مسلم، وأنها بالمجمل تتعامل معهم كتهديد لأمنها واستقرارها بمجرد أنهم ناطقون للغة الضاد، وهذا ما يجب أن يفهمه الشباب الفلسطيني الذي يواجه في السنوات الأخيرة محاولات لطمس هويته القومية وتعزيز هويته الطائفية عن طريق تجنيد شخصيات بارزة في الأقلية المسيحية الفلسطينية لإقناع الشباب المسيحي الفلسطيني بالانضمام لصفوف جيش الاحتلال، لتأتي هذه التظاهرة صفعة لكل هؤلاء الذين أضاعوا البوصلة، ظنًا منهم أن دولة إسرائيل من الممكن أن تتعامل معهم بشكل مختلف، وأن الخدمة في جيش الاحتلال ممكن أن تهبهم حقوقهم الطبيعية التي سُلبت منهم.

الفنان يُطالب بالمقاطعة

نقطة أخيرة من الضروري ذكرها، هي أن الفنان الفنلندي، صاحب المعرض، انضم أيضًا إلى المحتجين المتظاهرين ضد المعرض، لكن احتجاجه جاء لسبب آخر، لا علاقة له بمسّ مشاعر المسيحيّين، إنّما لأنه من مؤيدي حركة مقاطعة إسرائيل العالميّة (بي دي إس).  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard