بيرام ولد أعبيد... من طفولة تحت خيمة إلى مرشح للرئاسة الموريتانية يحمل قضية تحرير العبيد

السبت 19 يناير 201901:56 م
انتظر الحقوقي والنائب الموريتاني بيرام ولد الداه ولد أعبيد عقداً من الزمن ليحقق الخطوة الفارقة في حياته: دخل البرلمان الموريتاني كمشرّع. انتقل بيرام إلى البرلمان من محبسه الذي قضى فيه نحو خمسة أشهر، منذ اعتقاله في السابع من أغسطس 2018، بتهمة السب والقذف والمس المتعمد بحياة وحرمة الأشخاص، إثر شكوى قدّمها ضدّه الصحافي الموريتاني دداه عبد الله، قبل أن يمثل أمام المحكمة في 31 ديسمبر، ويصدر بحقه حكم بالسجن لمدة ستة أشهر، أربعة منها غير نافذة، ويتم الإفراج عنه. وكان بيرام قد شكك بدوافع اعتقاله، قبل أيام من الانتخابات التشريعية التي ترشح فيها، واتهم الرئيس الموريتاني بأنه لم يتحمّل مشاركته في التنافس على أصوات الموريتانيين وهو حر طليق فعمد إلى اعتقاله "سنداً على مخطط النصب والاحتيال". فمَن هو هذا النائب المثير للجدل والذي كُتبت سيرته الذاتية بعدة لغات أجنبية في أكثر من عشرة كتب حول العالم؟

طفولة تحت خيمة

يقول النائب بيرام لرصيف22: "وُلدت في الجنوب الموريتاني، في منطقة زراعية في منطقة شمامة، عام 1965. أبصرت النور في منطقة يُرسَل إليها الفائض من العبيد الذين تملكهم القبائل العربية البربرية"، قاصداً قبائل البيظان التي يتحدر بعضها من أصول عربية ويتحدر بعضها الآخر من أصول أمازيغية قبل أن يتعرّب، والتي تتحدث باللهجة الحسانية وعرف تاريخها ممارستها للاسترقاق. يشرح بيرام أن "كل أسرة (أرستقراطية) تنتقي شخصاً أو أشخاصاً للقيام بمقتضيات الأعمال المنزلية، لأن جميع الأعمال اليدوية، بما في ذلك الأعمال المنزلية من طبخ وجلب ماء وعناية بالأطفال، تُعتبر أعمالاً مهينة، وغير جديرة بالاحترام، بحسب قاموس الشرف عند المجموعات العربية البربرية الموريتانية". ويضيف أنه "لا بد للأسرة من عبد أو عبدة أو عبيد يقومون بالأعمال المنزلية يومياً. وبما أن القبائل العربية البربرية كانت تملك الكثير من العبيد، كانت ترسل الفائض عن حاجتها منهم إلى مناطق زراعية للعمل فيها، ويتردد عليهم أسيادهم الذين يعيشون في الأراضي البيضاء في الشمال". كان "الأسياد" يذهبون إلى "العبيد" في مواسم الحصاد، كي يأخذوا الغلة الزراعية، "لأنه بمنطق القانون العرفي الاستعبادي الموجود، عمل العبيد لأسيادهم"، حسبما يؤكد بيرام. ويروي لرصيف22 أنه في منطقة شمامة حيث ترعرع، يعيش خليط من العبيد والمحرَّرين، ويزرعون الأرض السوداء (الخصبة،( و"لكن نظام السيد مع العبد والمحرر في مجال الزراعة هو نظام موحَّد"، يسميه بـ"العبودية العقارية". ويضيف: "أبي عبد محرر، ولكن تنطبق عليه دفع الأتاوات المجحفة من المحصول الزراعي لأسياده السابقين على غرار العبيد الذين ما زالوا مملوكين". في تلك الظروف وُلد بيرام، ويقول: "في هذه البيئة وُلدت، تحت خيمة قابلة للطي والنقل إلى مكان آخر خلال أقل من 15 دقيقة، ونشأت بين مجموعة من العبيد والعبيد السابقين، تتنقّل حسب المواسم الزراعية والمطرية".

الوعي بنير العبودية

يغوص النائب والحقوقي بيرام في ثنايا ذاكرته ويروي لرصيف22: "هنالك حادثة هي التي قادتني إلى اختيار طريق محاربة العبودية، فقد استدعاني والدي ذات مساء وأنا في سن العاشرة تقريباً، وقال لي: هل تعرف لماذا أدخلتك المدرسة؟ أجبته: لكي أكون إنساناً متعلماً. قال لي: لا. أريدك أن تتعلم ما في الكتب، ما قاله الله بالضبط في قضية العبودية، لأني أظن أن القيّمين على الدين كذبوا في هذه النازلة، وزورا على الله، ولأن جدتك بيعت من طرف زعيم دين يقال له ‘الساموري توري'، وهو مقاوم جاهد ضد الاستعمار الفرنسي، ولكنه باع أمي، أي جدتك أنت، وأنا حُرّرت من العبودية عندما كنت في بطن أمي". يروي بيرام أنه خلال مرحلة دراسته الإعدادية والثانوية كان متأثراً بالنهضة الزنجية التي كان من زعمائها الروحيين ليوبولد سيزار سنغور، أول رئيس للسنغال، وإيمي سيزير، الفرنسي من أصل مارتينيكي ورائد تيار الزنجية في النثر الفرانكفوني وآخرون من الأمريكيين من أصل إفريقي، وكاريبيون". لم يتأثر الشاب القادم من الجنوب البعيد، بـ"حركة الحر"، وهي منظمة تأسست عام 1978 في موريتانيا وتُعنى بقضايا العبودية في البلاد لأن ممثلها في مدينته كان من ملاك العبيد، رغم أنه يتحدر من شريحة العبيد السابقين، و"كانت مواقفه من العبودية تماثل مواقف البيض"، بحسب بيرام. لهذه الأسباب ناهض الشاب الأسمر "حركة الحر" العداء، رغم أنها، حسبما يقول، كانت "أول منظمة طالبت بحقوق شريحة العبيد السابقين". يصمت النائب لبرهة خلال حديثه لرصيف22 وكأنه يشاهد شريط حياته يمرّ أمامه ثم يتابع: "حصلت على الباكالوريا عام 1985 من مدينة روصو في جنوب موريتانيا، وتوقَّفت دراستي الجامعية بسبب الفقر، لأني كنت عاجزاً عن دفع تكاليف الانتقال إلى الكلية. كنت مقيماً عند قريب لي يبعد مسكنه كثيراً عن الجامعة، وأسرتي فقيرة فقراً مدقعاً وتنتظر مني حل مشاكلها". عام 1985، انخرط بيرام في العمل النقابي في الاتحادات النقابية الجامعية، وسجل مواقفه للنهوض بواقع شريحته، "لكن عوزي دفعني للتقدم إلى مسابقة لشغل وظيفة ‘كاتب ضبط’ في قلم محكمة". هكذا، دخل بيرام الوظيفة العمومية عام 1987 واستمر فى عمله حتى عام 2000 متنقلاً بين مدن النعمة ونواذيبو في الشمال حيث عمل لمدة 12 عاماً. وعام 1996 تحسنت أوضاعه المادية وعاد إلى الجامعة من جديد وحصل على شهادة في القانون قبل أن يتابع دراسته لاحقاً في العاصمة السنغالية ويحصل على شهادة في الدراسات المعمقة في التاريخ. كما حاز أيضاً على شهادة في القانون الدولي من المركز العالمي للقانون الانتقالي وشهادة أخرى في القانون الدولي من جنيف. أثناء عمله ككاتب ضبط في المحاكم، تأثر مساره المهني بمواقفه المناهضة للعبودية، فتم نقله "تعسفياً" إلى نواذيبو، ومن هنالك أسس سراً حركة حقوقية تهتم بمنطقة شمامة، في جنوب موريتانيا.

عشرية الجمر

تعلق في ذاكرة بيرام "أحداث إينال"، وهي إبادة وقعت في ثكنة عسكرية ضد مجموعة ضباط وجنود من أصول زنجية حاولوا القيام بانقلاب عسكري في 28 نوفمبر 1987. بكثير من المرارة، يروي أنه "لم يعلم بهذه الإبادة أحد، لأنها وقعت في الثكنات العسكرية، وعلم بها العالم لاحقاً عندما فرّ ضابط صف يدعى الشيخ فال إلى باريس وحكى للمنظمات الحقوقية عن فظائع النظام الموريتاني آنذاك. وبعد ذلك بسنوات صدر كتاب في العاصمة الفرنسية لأحد الناجين تكلم فيه عن ‘جحيم إينال’". حفرت هذه الواقعة فى وعيه أهمية الوضع الحقوقي في موريتانيا، وظلت حاضرة فى كل إطلالاته الإعلامية، ويحمّل مسؤولية "إبادة" الضباط والجنود إلى النظام الموريتاني الحاكم، حتى أنه نظّم مسيرة في ذكراها قبل أعوام.

المسار الديمقراطي

لا ينظر النائب بيرام إلى المسار الديمقراطي في موريتانيا بكثير من التقدير، ويتساءل بمرارة: "ماذا قدّمت أحزاب المعارضة لقضايا الحراطين )العبيد المحررين("، ويجيب: "لا شيء"، فهو يرى أن هذه الأحزاب لم تضع في صدارة برامجها السياسية ملف العبودية. ويقول: "للتاريخ، راودني مؤسسو الحزب الحاكم للانضمام إليهم، وأرسلوا إلي الأمين العام لوزارة الداخلية عام 1991. كنت حينها أعمل في العاصمة الاقتصادية نواذيبو. ولكني رفضت".

تأسيس حركة إيرا

في الخامس من نوفمبر 2008، ظهرت حركة إيرا ("مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية") التي أنشأها بيرام والتي ستلعب منذ تأسيسها دوراً مهماً على الساحة السياسية والحقوقية في موريتانيا.
"قال لي والدي: أريدك أن تتعلم ما في الكتب، ما قاله الله بالضبط في قضية العبودية، لأني أظن أن القيّمين على الدين كذبوا في هذه النازلة، وزورا على الله، ولأن جدتك بيعت من طرف زعيم دين"... قصة المناضل الموريتاني ضد العبودية بيرام والد الداه ولد أعبيد
في أبريل 2012، أقدم زعيم حركة "إيرا" الموريتانية بيرام ولد الداه ولد أعبيد على إحراق مجموعة من أمهات كتب المذهب المالكي، واصفاً إياها بـ"فقه النخاسة"، وبرّر حرقها بأنه "دعوة لتجاوز الفهم الخاطئ للإسلام والعودة إلى الإسلام الصحيح الذي جاء ليحرر الإنسان"
وعن أسباب تأسيسها، يتحدث بيرام عن إهمال الطيف السائد حينذاك لقضايا حقوق العبيد السابقين. يرى أنه لم يجد لديهم أيّ اهتمام بقضايا المهمشين والمتأثرين بالعبودية. ويقول: "من هنا حاولت أن أبعث من جديد الحركة الانعتاقية التي أعترف أنها وُلدت قبلي ولكنها اضمحلت وأجعل من انبعاثها من جديد إشارة إلى انبعاث حركة الحر و’نجدة العبيد’، وكذلك حركة ‘أفلام’ الزنجية". وحركة "أفلام" المذكورة هي حركة سياسية زنجية موريتانية، تأسست عام 1986 للدفاع عن حقوق الزنوج الموريتانيين، واتهمها النظام بالوقوف وراء محاولة الانقلاب العسكري عام 1987 فقمعها بقوة طوال ربع قرن، ثم تحوّلت عام 2014 إلى حزب سياسي. أما "نجدة العبيد" فتأسست في فبراير 1995، وهي منظمة حقوقية مهتمة بالدفاع عن حقوق المستعبَدين، وكشفت العديد من حالات العبودية فى موريتانيا، وسُجن مؤسسها المهندس بو بكر مسعود عدة مرات. وعرفت موريتانيا تاريخياً ظاهرة العبودية، قبل أن يُلغى الرق بمرسوم رئاسي صدر عام 1981، بناء على فتوى دينية أصدرها عدد كبير من رجال الدين، وتلاحق صدور القوانين المجرّمة له، وآخرها حزمة قوانين صدرت عام 2011، كما تم تجريم العبودية بنص الدستور. بموجب ذلك، أنشأت موريتانيا محاكم خاصة بقضايا الاستعباد، وأسست هيئة لمعالجة آثار العبودية ولمساعدة العبيد السابقين على الاندماج مجدداً في المجتمع. لكن الناشطين الحقوقيين في قضايا العبودية يتهمون السلطات بالتغاضي عن محاربة الظاهرة وبإلهاء المجتمع الدولي بسن القوانين. وعدا عن اعتبار مراقبين أن الآثار الاقتصادية والثقافية للعبودية ما زالت مؤثرة في البلد، تتكشّف بين فترة وأخرى قصة أشخاص يُمارَس عليهم الاستعباد بالفعل لا بصورة مقنّعة.

الصدمة

في أبريل 2012، أقدم زعيم حركة "إيرا" على إحراق مجموعة من أمهات كتب المذهب المالكي، واصفاً إياها بـ"فقه النخاسة"، وبرّر حرقها بأنه "دعوة لتجاوز الفهم الخاطئ للإسلام والعودة إلى الإسلام الصحيح الذي جاء ليحرر الإنسان من كل أنواع العبودية". وعلى مدار السنوات الماضية، تعرّض قادة الحركة للكثير من المضايقات التي بلغت حد الاعتداء عليهم بالضرب من قبل الشرطة في مسيراتهم المناهضة للعبودية. تتغيّر ملامح بيرام عندما يتذكر تجاربه في السجن. من كتيبة الدرك الوطني في روصو إلى السجن المدني في نواكشوط، مروراً بسجن روصو ثم ألاك، رحلة خاضها زعيم حركة "إيرا"، وكأنّه تحوّل إلى نزيل دائم على سجون موريتانيا، مرة بتهمة الاعتداء على قوة عمومية ومرات بتهمة المس بالوحدة الوطنية أو التحريض على العصيان المدني وقيادة منظمة غير مرخصة. تطغى لمسة مرارة على صوته ويُغيّر وضعية جلوسه، ويقول: "تصوّر أن آخر مسيرة ضد العبودية تنظم في موريتانيا كانت عام 1979، ونظمتها ‘حركة الحر’، ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد الجمهورية أية تظاهرة ضد هذه الظاهرة المقيتة. من هنا قررنا في إيرا تنظيم مسيرة ضد العبودية في 13 ديسمبر 2010، وكنّا نركز على رمزيتها وأطلقناها من مقاطعة عرفات، أكبر بلديات العاصمة".

نضالات انتخابية

حصل بيرام عام 2011 على جائزة مدينة فايمر الألمانية التي تُعتبر من أرفع جوائز حقوق الإنسان في ألمانيا، كما حصل عام 2013 على جائزة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان. وظلت حركة "إيرا" تمارس نشاطها، فرشحت رئيسها بيرام للانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو 2014، وحل ثانياً في الترتيب، حائزاً على نسبة 8،67% من أصوات المقترعين. من "عبد آبق" من وجهة نظر غلاة "البيظان" إلى "مُخلص" من وجهة نظر أحفاد العبيد السابقين، يدخل بيرام برلمان موريتانيا حاملاً هموم مَن أوصلوه إلى المجلس التشريعي، رغم أنه لم يشارك في حملة انتخابية ولم يلقِ خطباً في مهرجان انتخابي، لأنه ببساطة كان وراء القضبان. تحوّل بيرام إلى ملهم لآلاف الحالمين بغد أفضل. واليوم ينظر إلى الانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو القادم والتي سيخوضها كمرشح مدعوم من "حزب الصواب" ذي الميول البعثية والذي تحالف معه قبيل الانتخابات. يتحدث بيرام بتفاؤل كبير عن هذه الانتخابات ويقول: "لن أرضى فيها بغير الفوز".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard