بإيعاز إيراني وتنفيذ مغربي... جريمتا هولندا وتطورات ملف "اليد الإيرانية" في أوروبا

الثلاثاء 15 يناير 201904:33 م

في العام 2015، قُتل المهندس الكهربائي علي مُعتمد أمام منزله في أمستردام الهولندية. كان الوقت صباحاً حين خرج في موعده المحدّد متوجّهاً إلى مكان عمله في الشركة الهولنديّة "إينيكو". حينها، تقدّم منه شاب وأطلق النار على رأسه قبل أن يفرّ هارباً مع رفيق له في سيارة من طراز "بي أم".

بيّنت صور الكاميرات لاحقاً أن شابَي الـ"بي أم" هما أنور بوشة (29 عاماً) وموريو مينسو (36 عاماً)، فألقت الشرطة القبض عليهما. في ذلك الوقت، كانت غالينا - زوجة معتمد - تُصرّ على أن أمر التصفية أتى من الحكومة الإيرانيّة، لكن نظريتها بقيت مجرّد افتراض، إلى أن بدأت محاكمة الشابين هذا الأسبوع في هولندا.

بحسب التقرير الأول للشرطة، فقد تبيّن أن الشابين هما قاتلين مأجورين تمّ اللجوء إليهما من قبل زعيم العصابة المعروف نوفل فسيح، المُلقّب بـ"نوفل في الشارع" أو "الكرش" أو "الكسكس"، وهو هولندي من أصل مغربي يُمضي عقوبة سجن تصل إلى 18 عاماً بتهم قتل (أبرزها تصفية منافس له في عالم الجريمة) واتجار بالمخدرات.

وكان أُلقي القبض على فسيح (39 عاماً) في إيرلندا بالصدفة أثناء قيام رجال الأمن، في أبريل 2016، بعمليّة مداهمة بحثاً عن أفراد عصابة إيرلندية. أُلقي القبض عليه وقتها بسبب حمله أوراق هوية وجواز سفر مزورين. وعند أخذ بصماته، اكتشفت الشرطة أنه مطلوب خطير كان جارياً البحث عنه في أنحاء أوروبا.

نفى الثلاثة التهمة التي وُجهت إليهم بقتل معتمد. لكن الأكيد كان، وفق تقارير الشرطة، أن من شاركا في قتل معتمد لم يكونا على علم بهويته ولا لماذا ينبغي أن "ينام"، وهي الكلمة التي اعتُمدت في الرسائل المُشفّرة المتبادلة على أجهزة "بلاكبيري" للتخطيط للجريمة. وهكذا بقيت الشرطة في حيرة حول الدافع الحقيقي وراء عملية القتل.

تأكيد فرضيّة الزوجة

في الأيام الماضية، وخلال بدء محاكمة الشابين، أعلنت السلطات الهولندية أنها مقتنعة الآن برواية الزوجة آنذاك، وبأن أوامر القتل أتت من الجانب الإيراني.

لم تكن قصة معتمد الوحيدة من نوعها في هولندا، وفق ما أعلنت الشرطة، فقد كشفت التحقيقات الأوليّة عن تشابه كبير بينها وبين وجريمة أخرى حصلت عام 2017، وبالتالي حُكي عن "مؤشرات قاطعة" حول تورّط الاستخبارات الإيرانية في تصفية معارضين في البلاد بالاستعانة بقتلة مأجورين ينتمون لعصابات مغربيّة.

أصرّت غالينا، زوجة علي معتمد، أن تصفيته في هولندا كانت بأمر من الحكومة الإيرانيّة، لكن نظريتها بقيت مجرّد افتراض، إلى أن بدأت محاكمة المشاركين في القتل هذا الأسبوع...
بعد الاطلاع على ما كشفته الحكومة الهولنديّة، بدأت وكالة الاستخبارات المشاركة في جهود مكثفة مع دول أخرى للبحث في حجم التدخل الإيراني لتصفية المعارضين في أوروبا

وكانت الشرطة الهولندية أكدت، في العاشر من نوفمبر عام 2017، مقتل المعارض الإيراني الأحوازي البارز أحمد مولى نيسي مع نجله بخمس رصاصات من مسدس كاتم للصوت في مدينة لاهاي.

وقال، آنذاك، المتحدث باسم شرطة لاهاي سينترال مارجيس إن نيسي هو زعيم "حركة النضال العربي لتحرير الأحواز" المعارضة لطهران، شارحاً أن "الاغتيال سياسي بامتياز، لأن المقتول يرأس حركة النضال العربي، وهو مطلوب لإيران التي سبق أن طالبت الشرطة الدولية (الإنتربول) بتسليمه لها بهدف محاكمته".

أما بالنسبة لمعتمد، كما شرحت صحيفة "الغارديان"، فقد تبيّن للشرطة أن اسمه الحقيقي محمد رضا الصمادي، وكان يخفيه خوفاً على سلامته بعدما كان هرب من إيران عام 1981 إثر الحكم عليه بالإعدام غيابياً لتورطه - حسب اتهام السلطات الإيرانية - بالقيام بتفجير مقرّ تابع لعناصر "الثورة الإسلامية" قُتل فيه 73 شخصاً، كان بينهم مسؤول مقرّب من الخميني.

ولطالما أدرك معتمد أنه في خطر، وبالتالي فقد كان يتجنب الظهور علناً، أو مشاركة زوجته الأفغانية في أية مناسبة عائليّة. كانت هي تعرف قصته وتتفهم ظروفه. الصورة الوحيدة التي كانت متوفرة لمعتمد علناً تمّت مشاركتها على "فيسبوك" خلال حفل تخرّج ابنه. لم يهتم كثيراً لاعتقاده أنه قد تقدّم في السن وابيضّ شعره، وبالتالي لا يمكن تمييزه، حسب ما روت الصحيفة الهولندية "هيت بارول"، ولكن يبدو أن اعتقاد معتمد كان خاطئاً.

مسؤولية الغرب: الصمت

قال ديك شوف، المدير العام لجهاز الأمن الهولندي (AIVD)، إنه بعد الاطلاع على ما كشفته الحكومة فقد بدأت وكالة الاستخبارات المشاركة في جهود مكثفة مع دول أخرى للبحث في مدى التدخل الإيراني في أوروبا.

وأشار إلى أنه في الحقيقة، وعلى مدى أربعة عقود، ساد الاعتقاد أن إيران كانت وراء اغتيال العديد من أعدائها المعارضين في الخارج، محمّلاً الغرب مسؤوليته في الصمت عن ذلك.

ولفت إلى أن الأهداف المشتبه بتورط إيران في تصفيتها في أوروبا هي من الأكراد المنشقين ومن قادة من الأحواز وأعضاء من منظمة "مجاهدي خلق". أما أبرز الدول التي يُعتقد أن عمليات الاغتيال حصلت فيها بأمر من الاستخبارات الإيرانية فكانت فرنسا وألمانيا واليابان والسويد وسويسرا وتركيا والولايات المتحدة.

توتر أوروبي وردّ إيراني

يوم الثلثاء الماضي، أعلن وزير الخارجية الدنماركي أندرسن سامويلسن أن الاتحاد الأوروبي أقرّ عقوبات على جهاز الاستخبارات الإيراني لتخطيطه لعمليات اغتيال في أوروبا. ونقلت "رويترز" عن سامويلسن قوله إن "الاتحاد الأوروبي اتفق على فرض عقوبات على جهاز الاستخبارات الإيراني لتخطيطه لاغتيالات على الأراضي الأوروبية".

وكانت عدة دول أوربية قد اتخذت  عدة قرارات بطرد دبلوماسيين إيرانيين يعملون في سفارات طهران، عقب التأكد من ضلوعهم بالتخطيط والتدبير لتنفيذ عمليات في هذه الدول. كما أعلن الاتحاد الأوروبي إنه "أدرج إيرانيين اثنين وإدارة الأمن الداخلي التابعة لوزارة الاستخبارات الإيرانية في قائمته للإرهاب، في إطار رده على هجمات إيرانية أُحبطت مؤخراً على أراض أوروبية".

وكان وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أكّد، في المقابل، أن دول أوروبا وبينها الدنمارك وهولندا وفرنسا تقوم بتقديم الإيواء لـ"الإرهابيين"، وأن "اتهام إيران لن يُعفي أوروبا من مسؤولية إيوائهم (الإرهابيين)".

وأدّت التطورات الأخيرة إلى تعثر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران في وقت تواجه فيه بروكسل ضغوطاً أوروبية للحفاظ على الاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أساساً، واصفاً إياه بـ"الصفقة الفاسدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard