حكايات نساء هربن من بين جدران لا تعرف الرحمة إلى بيوت الأمان

الأربعاء 23 يناير 201906:39 م
هروب مثير من السجن الكبير الأكثر قسوة إلى سجن صغير أكثر إنسانية. هكذا كان الحال مع مجموعة من الفتيات والسيدات اللاتي ـ رفضن ذكر أسمائهن ـ تعرضن لعنف كبير، أجبرهن على ترك "الجمل بما حمل" والخروج طوعاً من بين جدران لا تعرف الرحمة إلى بيوت آمنة فتحت لهم الأبواب والقلوب لتزيل عنهن كل ملامح المعاناة وتمنحهن الثقة والأمان وقبل كل ذلك الحرية.

من رحم المعاناة

تقول "ر. ف" 25 سنة، إنها منذ الصغر وهي تتلقى شتى صنوف العذاب. تضيف لرصيف 22: "توفيت أمي وأنا في سن العاشرة، وكان لي من الإخوة 6 تكفلت بهم رغم صغر سني، وأجبرني والدي الذي كان يعمل كهربائياً على ترك الدراسة لأتفرغ لرعايتهم وإدارة شؤون المنزل". تواصل: "حُرمت من كل شيء، فرصتي في الحصول على قدر محترم من التعليم، اللعب مع صديقاتي، وأصبحت محبوسة بين جدران البيت لا وظيفة لي سوى المطبخ والغسيل وترتيب البيت، استيقظ في الخامسة صباحاً، لأعد لإخوتي الإفطار، وبعد مغادرتهم البيت، كل إلى مدرسته وعمله، أبدأ في العمل بالبيت إلى الساعة التاسعة مساء. استمر بي الحال على هذا الوضع 9 سنوات، كنت فيها الأم والأخت، أمارس كل الأدوار، دون عناء أو مشقة، ففي النهاية هم إخوتي، غير أن المشكلة كلها كانت في والدي الذي كان يعاقبني على أقل غلطة، وكان هناك سلك كهربائي مخصصاً لضربي. ومن يدافع عني من إخوتي كان يتلقى نصيبه هو الآخر من الضرب".
النساء الأميات أكثر عرضة للعنف البدني على يد أزواجهن بنسبة 37%.
توضح الدراسة أن الأب هو في معظم الحالات مرتكب العنف البدني ضد المرأة، وأن أغلب 86% من النساء قد عانين من مشاكل نفسية نتيجة تعرضهن للعنف على يد الزوج.
تؤكد: "لا أعرف كيف كنت أتحمل كل هذا العناء، في الصغر، ربما كانت حاجتي إلى وجود إخوتي إلى جواري، لأنهم سندي الوحيد في الدنيا، المهم أني عندما كبرت قررت الهرب، وفي أحد الأيام، تسللت في الصباح الباكر، وركبت القطار لأهرب إلى القاهرة، في البداية كان الوضع مأسوياً، فالمدينة لا ترحم، وكان لا بد أن أجد أي عمل في أسرع وقت ممكن، خصوصاً أن الأموال التي هربت بها، كانت قليلة للغاية. عملت في أحد المصانع، ومنه إلى الخدمة في البيوت، وبها تلقيت أيضاً صنوفاً من العذاب دفعتني إلى اللجوء إلى أحد البيوت الأمنة. صحيح أنني هربت من سجن إلى سجن، غير أني وجدت من يعاملني بإنسانية لم يعرفها أقرب الناس لي". أما "م. عبدالله" 31 سنة، فتقول: "طلبت الطلاق بعد شهور قليلة فقط بسبب العنف الذي رأيته". تتابع لرصيف 22: "جوازي كان جواز صالونات لا كنت أعرفه ولا هو كان عارفني، حد من جيراني عرفنا بيه وقدمه لنا على إنه ابن حلال وطيب ويعرف ربنا، ووقتها أمي رحبت لأنها كانت نفسها تشوفني عروسة، وأنا حسيت أنه فعلا زي ما سمعت". تواصل: "بعد الجواز اتغير 360 درجة، كل يوم ضرب وشتيمة وإهانة بسبب ومن غير سبب، لدرجة إني حسيت أنه بقى يضربني عشان يتلذذ ويكون مبسوط. كان يستغل إني كنت عايشه لوحدي أنا وأمي، وبما أن مفيش راجل يقف لنا كان يضربني بلا رحمة ويهيني لأنه عارف أن محدش هيقوله أنت بتعمل إيه، المأساة بقى أن أمي ماتت بعد جوازي بشهرين وأصبحت بلا أي سند، وبدل ما يحتويني زادت جرعة تعذيبي. وهنا طلبت الطلاق وحمدت ربنا أنه مكنش في بينا أولاد، لكنه رفض، فقررت أتنازل عن كل حقوقي فوافق، وحصلت أخيرا على حريتي، والتحقت بأحد البيوت الأمنة عشان تنسيني كل اللي عيشته وترجعني تاني بني أدمه من أول وجديد، وبالمناسبة أنا قعدت في البيت الأمن 3 سنين، وخرجت منه في أفضل حال والحمد لله".

لو كان الفقر رجلا لقتلته

الخبير النفسي عادل عبد المغني يقول: الغالبية تتحدث عن العنف الجسدي الواقع على المرأة وتتغاضى عن العنف النفسي رغم أنه أكثر قسوة من العنف الجسدي. يتابع لرصيف 22: "كلما زاد الفقر انتشر العنف ضد المرأة، من الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن، ولا ننسى هنا فكرة الهيمنة الذكورية التي تزداد يوماً بعد آخر بسبب الموروثات الاجتماعية، والتي تدفع البعض إلى ممارسة العنف ضد المرأة على اعتبار أنها وسيلة لإثبات الرجولة". يضيف: "المرأة التي تتعرض للعنف، تعاني الكثير من المشكلات النفسية، وإذا لم نوفر لها العلاج اللازم فقد تُصدر العنف للأخرين كنوع من الانتقام أو التعويض، كما يمكن أن تفكر في الانتحار، ومن هنا تأتي أهمية البيوت الآمنة، كونها تعمل على إعادة دمجهن في المجتمع من جديد وتأهيلهن لحياة جديدة، غير أننا لا يصح أن نعتمد عليها بشكل كامل لحل المشكلة، وكما نحتاج إلى إقامة المزيد من تلك البيوت، نحتاج أيضاً إلى سن تشريعات وقوانين جديدة تشدد عقوبة العنف ضد المرأة مع الاهتمام بقضية تعليم الإناث والقضاء على الأمية".

بيوت الأمن والأمان

تعمل دور ومراكز الاستضافة على استقبال المرأة التي تعرضت للعنف، وتوفر لها مأوى وتخضعها لجلسات مع أطباء نفسيين واجتماعيين كما توفر لها فرصة عمل، وهناك 8 مراكز في محافظات القاهرة والجيزة والدقهلية والقليوبية والمنيا وبني سويف والفيوم والإسكندرية. وبحسب تقارير وزارة التضامن الاجتماعي، تأسس أول بيت عام 2003 ضمن سلسلة مشاريع تابعة لوزارة التضامن، وممولة من قبلها. وهناك ثلاثة أنواع من البيوت، الأولى "طويلة المدى" تسمح بالبقاء مدة غير محددة لتلقي العلاج، و"قصيرة المدى" تسمح بالتواجد فيها لمدة لا تتجاوز العام، وأخيراً "بيوت الطوارئ" وتختص بتقديم الخدمة السريعة والمباشرة لمدة ثلاثة أيام. والإقامة في البيت مجانية، إذا كانت المرأة بلا دخل مادي، وإذا كانت عاملة تساهم بثلث راتبها مقابل استضافتها.

أرقام مفزعة

يبلغ عدد النساء اللاتي يتعرضن للعنف في مصر سنويا نحو 8 ملايين، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بالتعاون مع صندوق اﻷمم المتحدة للسكان، والمجلس القومي للمرأة، والذي أشار إلى أن 2.5 مليون امرأة أصبن بنوع واحد أو أكثر من الإصابات على يد الزوج أو الأهل، كما تعاني 2.3 مليون امرأة سنوياً نفسياً نتيجة لعنف تعرضت له. وبحسب الدراسات التي أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول ظاهرة العنف ضد المرأة ودورها داخل الأسرة المصرية.. إصدار "يونيو 2017" قال الجهاز إن العنف النفسي أكثر شيوعاً من العنف البدني أو الجنسي، وبلغت نسبة النساء اللاتي تعرضن للعنف النفسي 42.5%، كما جاء بالدراسة أن النساء من 20 عاماً حتى  50 عاماً هن الأقل تعرضاً للعنف من جانب الزوج، مقارنة بالنساء في الفئات العمرية الأخرى. وقالت الدراسة إن نسبة النساء اللواتي أعمارهن من 25-29 سنة وتعرضن للعنف النفسي بلغت 47.5%، بينما وصلت نسبة من تعرضن للعنف البدني إلى 35.1%، و 14.5% تعرضن للعنف الجنسي، وتأتي هذه النسب بالترتيب 34.3%، 25.2%، 7.4% في فئة العمر من 60-64 عاماً، وأن النساء الأميات أكثر عرضة للعنف البدني على يد أزواجهن بنسبة 37%. وأوضحت الدراسة أن الأب هو في معظم الحالات مرتكب العنف البدني ضد المرأة، وأن أغلب 86% من النساء قد عانين من مشاكل نفسية نتيجة تعرضهن للعنف على يد الزوج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard