عندما يقود الجن سيارتكم صعوداً على منحدر طريق الكوبرا

الاثنين 14 يناير 201906:00 م
أن تضع سيارتك في أعلى مرتفع وتتحرك إلى أسفل، فذاك أمر طبيعي لكن غير الطبيعي هو عندما تضعها في منحدر وتصعد كأن أحداً يقودها، ذاك هو اللغز الذي حير مستعملي طريق "عين العنبة " أو "طريق الكوبرا" (تشبه أفعى الكوبرا في التوائها) بمنطقة بني خداش بمدنين التونسية منذ سنين. يروي العم مبروك 67 سنة الذي يعمل بقالاً بمنطقة بني خداش قصته مع طريق الكوبرا التي يسلكها  للذهاب إلى سوق الجملة وسط المحافظة التي تبعد حوالي 40 كلم عن بلدته . بني خداش هي إحدى مناطق الجنوب التونسي وتقع تحديداً في محافظة مدنين بالجنوب الشرقي للبلاد. وهي منطقة جبلية تتميز بجبالها الشاهقة التي تبهر زوارها. جلس العم مبروك على صندوق بلاستيكي يضعه أمام متجره بين الحين والآخر للاستراحة أو لاحتساء كأس من الشاي الأخضر مع زميله البقال المجاور، ثم أخرج سيجارة من جيب سترته وأشعلها. يقول :"ذات صباح وبينما كنت متجها كعادتي إلى سوق الجملة بسيارتي هذه (مشيراً إلى سيارة من نوع" اكسبريس" قابعة على بعد خطوات من المحل) كان الجو شبه غائم، نزلت بالسيارة كالمعتاد أستمع إلى النشرة الإخبارية الصباحية. وصلت إلى قمة المنحدر كان الجو رطباً ورائحة الزعتر والأكليل تعبق في الأرجاء، ترفق النسمات العليلة التي تدخل من شباك السيارة.. أغرتني تلك الروائح المنعشة فقررت النزول والتقاط بضع أوراق من الزعتر والإكليل بغية الاستمتاع برائحتها على طول الطريق. يعدل العم مبروك إبريق الشاي ويطفىء سيجارته وكأنه حكواتي يعتمد فواصل للتشويق ثم يستأنف الحديث: " أوقفت السيارة في منخفض صغير وكانت الطريق خالية نظراً للوقت المبكر. اتجهت نحو نبتة زعتر مزهرة كنت قد رأيتها من بعيد مختبئة بين الصخور الضخمة حاولت الوصول إليها وقطفتها، نفضت ما علق من تراب على جذورها واستدرت راجعاً إلى السيارة إذ بها تتحرك في اتجاه معاكس تصعد المرتفع وكأن أحداً يقودها. via GIPHY لم أصدق ما رأيت وظننت أني أصبت بدوار جراء المرتفعات الشاهقة، فركت عيني وشممت أزهار الزعتر التي كنت أحملها ثم ركزت بصري نحو السيارة مجدداً وفعلاً كانت تتحرك. يسكت العم مبروك فجأة ويشرد قليلاً كأنه يعيش نفس اللحظة ليقاطعه صوت العم صالح الذي يجلس بجانبه آمراً إياه بإكمال القصة رغم أنه سمعها مئات المرات من العم مبروك إلا أنه لا يمل سماعها ويتشوق لأحداثها كأنه يسمعها لأول مرة ،ظناً منه أنها من علامات الساعة، وأنها معجزة ربانية لا يستهان بها. https://youtu.be/PM3-nc405kM استفاق العم مبروك من ذهوله وشبك يديه وتابع "تسمرت في مكاني أشاهد الموقف في ذهول وبدأت أتمتم ببعض الآيات القرآنية ظناً مني أن الأمر متعلق بالجان أو ما شابه (ضاحكاً). بدأت السيارة في الابتعاد عني فاستجمعت قواي واستفقت من ذهولي وأسرعت نحوها خوفاً من ارتطامها بالصخور الكبيرة التي تطوق المكان. فتحت الباب وقفزت داخلها بسرعة وأدرت المحرك راجعاً إلى الوراء ولم أحس بشيء غريب مطلقاً، فهي تسير كيفما أديرها وكأن قوى خارقة مرت من المكان وزالت فجأة. واصلت طريقي في اتجاه المدينة والحادثة لم تغادر مخيلتي والتسبيح لم يفارق شفتيّ فكأنه شريط يمر ببطء أمام عينيّ، فلم أستطع تفسير أو فهم ما حدث.

ما هو السر؟

فور وصوله أخبر العم مبروك ثلة من رفاقه عن الأمر العجيب وكان خجلاً خوفاً من عدم تصديقه، فكيف لسيارة دون قائد أن تصعد مرتفعاً كمرتفعات "عين العنبة" والحال أن السائر على قدميه يجد صعوبة كبيرة في الصعود، لكن الغريب أنه وجد أغلب رفاقه يعرفون قصة تلك الطريق، لكن كل واحد منهم فسره على طريقته كما يفعل جل سكان المنطقة.
في حال قياس الانحدار نجد أنه في اتجاه سحب السيارة و إحساسنا بالمنحدر مجرد تأثر بما قبله و ما بعده من زوايا تكون أكبر منه، فنراه بالتالي منحدراً لكن في واقع الأمر هو صعود بين منحدرين و مجموع الزوايا فيه سالب.
يقول بعض "مثقفي" المنطقة إن الأمر يحدث بسبب المعادن المغناطيسية الجوفية التي في باطن الجبل حيث تتميز هذه المنطقة في تونس بوجود حقل مغناطيسي مشوه يؤثر بصفة ملحوظة على المعادن المجاورة لهذه الجبال، كما تتسبب هذه التشوهات المغناطيسية في التأثير على الآلات الالكترونية والألياف العصبية للكائنات الحية إلا أن هذه الظاهرة ليست فريدة في العالم ولا حتى في تونس على حد تفسيرهم. ويفسر كبار السن الظاهرة بأنها من العلامات الكبرى لنهاية العالم وقرب يوم الحساب لأن تواصل وجود الثغرات المغناطيسية سيصلب جميع الموازين المعروفة عند بني البشر إذ ينقلب فيها الشرق غرباً والشمال جنوباً وبالتالي تشرق الشمس غرباً. يعتقد هؤلاء أن الأرض بدأت بالتأثر بذلك وأصبح طول اليوم 25 ساعة وبعض الدقائق فالأرض بصدد التقليل من سرعة دورانها نتيجة تأثرها بهذا التشوه المغناطيسي إلى حد شبه الوقوف والعودة للدوران لكن بالعكس، وتلك من علامات الساعة الكبرى وفق تعبيرهم. التلال المغناطيسية، ظواهر طبيعية معظمها موجودة في الأردن والسعودية ولبنان وتونس. بحيث أن الماء المنسكب في هذه الأماكن يسير بعكس الاتجاه وأن السيارة المحررة من الكوابح تصعد للأعلى بدلاً من أن تنزل للأسفل، مما جعل العرب في حيرة واستغراب وجعلوا من تلك المناطق مواقع شبه سياحية يقصدونها بغية الاكتشاف. ما بين الجن والمغناطيس والجاذبية يأتي العلم ليكشف السر ويفند الخرافات كما قال الكاتب البريطاني" آدم سميث": "العلم هو دواء لسموم الخرافات".

التفسير العلمي

نفى الباحث في الفيزياء الجيولوجية "هادي علي" كل تلك الخرافات حيال الموضوع وأكد لرصيف 22 أن الأمر مجرد خدعة بصرية وليست ظاهرة طبيعية، فهو مجرد توهّم بصري بأن المنحدر هو مرتفع. وفي حال قياس الانحدار نجد أنه في اتجاه سحب السيارة وإحساسنا بالمنحدر مجرد تأثر بما قبله وما بعده من زوايا تكون أكبر منه، فنراه بالتالي منحدراً لكن في واقع الأمر هو صعود بين منحدرين ومجموع الزوايا فيه سالب. تسير السيارة للخلف و هذا ما يحصل بالضبط في طريق منطقة "باجة "،فقد قمت بالتجربة بنفسي وعندما قسنا منسوب الانحدار وجدنا أنه سالب . و أضاف الباحث : "جميع الأماكن المصحوبة بظاهرة الخداع البصري تشترك في غياب خط الأفق كونه مخفياً كلياً أو جزئياً، فبغياب خط الأفق يفقد الإنسان علامة أساسية في تحديده لميل سطح ما. الأشياء التي يفترض المشاهد أنها عمودية على الأرض (كالأشجار) قد تكون مائلة بدرجة بسيطة مما يجعله يظن أن الأرض هي المائلة (بغياب مرجعية الأفق) وهذا الظن يغلب حسه بالتوازن خاصة إذا كان المنحدر خفيفاً وهكذا يتولد الوهم البصري. علمياً لا يوجد مغناطيس في الجبال ولا في باطن الأرض، إذ يتم تصنيعه ولا يوجد في الطبيعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard