عندما تستيقظون في سرير الآخرين... لماذا يُصاب بعض الأشخاص بالـBlackout بعد الكحول؟

الجمعة 11 يناير 201907:02 م
بصعوبةٍ بالغةٍ استيقظت "ريم" من سباتها العميق وأصيبت بالدهشة حين رأت نفسها مرة أخرى في غرفة نوم صديقتها، وبالإضافة إلى الدوار والصداع الشديد لاحظت أن ذاكرتها عن الليلة السابقة كانت مشوّشة إلى حدٍّ بعيٍد: كلّ ما تتذكره أنها قضت سهرةً ممتعةً احتست خلالها الكثير من المشروبات الكحولية ورقصت حتى بزوغ الفجر، أما كيف إنتهى بها الأمر في سريرٍ غير سريرها فهو لغزٌ لم تتمكن من حلّه. هذا النوع من التشويش الذهني ليس الأول بالنسبة إلى هذه الشابة اليافعة، فهو أمر اختبرته عدة مرات منذ أن بدأت تسهر وتشرب بكثرة، ففي معظم الأحيان كانت تجد نفسها غير قادرة على تذكر ما حصل لها في الليلة السابقة: مع من رقصت بالضبط؟ هل سددت بنفسي الحساب؟ من أوصلني إلى المنزل؟ كيف انتهى بي المطاف في بيت صديقتي؟ ما يحصل مع "ريم" قد يختبره العديد من الشبان والشابات بعد احتساء كمياتٍ كبيرةٍ من الكحول، وهو يعرف بـ Blackout أي فقدان أجزاء من الذاكرة المؤقتة وبالتالي تتحول كل ذكريات الليلة الماضية إلى ظلامٍ وفراغٍ بعد حدثٍ معيّنٍ، ولكن هل يختبر الناس كلهم هذه الحالة بنفس الطريقة وكيف يمكن احتساء الكحول من دون الشعور بالسَكر الذي يصل لحدّ التشتت الفكري وفقدان الوعي والذاكرة؟

حالة شائعة بين الشباب

في حال اختبرتم بدوركم هذا النوع من فقدان الذاكرة والوعي بعد شرب الكحول، إعلموا أن هذه الحالة شائعة ومنتشرة بشكلٍ كبيرٍ خاصة لدى الإناث والمراهقين: يشير تحليل إلى أن أكثر من نصف الطلاب الجامعيين الذين يحتسون في العادة المشروبات الكحولية اعترفوا بأنهم اختبروا البلاكاوت. وقد أظهرت دراسة استقصائية أٌجريت على أكثر من 2000 مراهق أن 20% منهم عانوا من التشتت الذهني جرّاء الإفراط في شرب الكحول في الأشهر الستة السابقة. وتعليقاً على هذا الموضوع، قال "آرون وايت"، من المعهد الوطني للإدمان على الكحول وهو قضى معظم حياته المهنية يدرس آثار السكر:" قبل 15 عاماً، كان من غير المقبول اعتبار هذه الظاهرة شائعة، أما الآن فنحن ندرك أن الكثير من الناس يفقدون الوعي بعد شرب الكحول". هذا الموضوع شكل صلب اهتمام العلماء الذين أجروا العديد من الدراسات بهدف معرفة ما يحصل بالضبط في عقول الأفراد بعد احتساء الكحول.
بعد احتساء كمياتٍ كبيرةٍ من الكحول، يمكن للدماغ أن يتوقف عن التسجيل في "مخزن الذاكرة"، ولهذا السبب يمكن الاستيقاظ في اليوم التالي مع "فراغ" حول ما قلتم أو فعلتم أو حتى عن مكان وجودكم.
ليس نوع المشروب هو الذي يسبب فقدان الوعي بل مستوى الكحول في الدم ومدى السرعة في الوصول إلى هذه الحالة.
ففي أواخر الستينات من القرن الماضي، قام باحث يدعى "دونالد غودوين" بتوظيف بعض المدمنين على الكحول في المستشفيات ومراكز العمل لتحديد ما يحدث عندما يفقد الشخص الثمل ذاكرته. ووجد "دونالد" أنه من بين مدمني الخمور البالغ عددهم 100، فإن أكثر من 60 منهم تعرض لفقدان الوعي بشكلٍ منتظم، والمفارقة أن بعض الأفراد الذين يعانون من هذه الحالة اتضح أنه بامكانهم أن يتصرفوا بطريقةٍ متماسكةٍ بشكلٍ ملحوظٍ، حتى أن البعض منهم نجح في إجراء عمليات حسابية بسيطة ولكن بعد مرور 30 دقيقة لم يعد هؤلاء الأشخاص يتذكرون شيئاً مما حدث. وبعدها قام "غودين" بإعطاء المدمنين على الكحول مشروب "الويسكي" (نصف ليتر تقريباً في 4 ساعات) وطلب منهم مشاهدة بعض المواد الإباحية، ليعمد بعدها إلى طرح أسئلةٍ مفصلةٍ عمّا شاهدوه، وفي اختبارٍ آخر مماثل حمل الباحث في يده مقلاة وسأل الأفراد عما إذا كانوا يشعرون بالجوع وعندما حصل على أجوبتهم أخبرهم أنه في داخل المقلاة يوجد فأر ميّت. النتيجة: نسي المشتركون هذه الذكريات بعد مرور 30 دقيقة ولم يتمكنوا من تذكر تلك الأحداث في اليوم التالي، مع العلم أن ذاكرتهم القصيرة المدى كانت تعمل بشكل جيّد إذ تذكروا ما حصل بعد دقيقتين من الاختبار.

الدماغ وفقدان الوعي

يصاب المرء بفقدان الوعي عندما يصل تركيز الكحول في الدم إلى مستوياتٍ عاليةٍ، مما يعني أنه كلما ارتفع مستوى استهلاك الكحول، زادت فرصة الوقوع في فخ البلاكاوت. ولكن ماذا يحصل على مستوى الدماغ؟ ومن هم الأشخاص الأكثر عرضةً للسكر؟
في حال كان صديقكم قادراً على شرب معدلٍ معيّنٍ من الكحول من دون أن يؤثر ذلك على أدائه فهذا لا يعني أنه بإمكانكم فعل الأمر عينه
عند السكر، يتوقف الدماغ عن "التسجيل" وبالتالي حتى وإن كان الفرد يتجول ويتحدث لا يصنع ذكريات، وفق ما أشارت إليه صحيفة "المترو" البريطانية. يعتقد الخبراء أن مسألة فقدان الذاكرة والوعي بعد الكحول مرتبطة ب"قرن آمون" أو "الحصين" hippocampus وهو جزء رئيسي من الدماغ البشري والمسؤول عن الذكريات، من هنا توضح منظمة Drink Aware للتوعية حول الكحول:" بعد احتساء كمياتٍ كبيرةٍ من الكحول، يمكن للدماغ أن يتوقف عن التسجيل في "مخزن الذاكرة"، ولهذا السبب يمكن الاستيقاظ في اليوم التالي مع "فراغ" حول ما قلتم أو فعلتم أو حتى عن مكان وجودكم"، هذا وقد شددت الصحيفة على أن هذا القصور بالذاكرة القصيرة المدى لا يعني أن خلايا الدماغ قد تضررت ولكن الإفراط في تناول الكحول يمكن أن يلحق ضرراً بكيمياء الدماغ  ووظائفه. من ناحيةٍ أخرى من الملاحظ أن بعض الناس الذين هم أكثر عرضةً لفقدان الوعي من غيرهم، بغض النظر عن كمية الكحول المستهلكة، وذلك يعود لوجود إختلافات في عقول الأفراد، وفق ما توصل إليه العلماء من جامعة كاليفورنيا. وتعليقاً على هذا الموضوع، قال الباحث "ريغان ويذيريل":" تشير نتائج دراستنا إلى أن بعض الناس أكثر عرضةً للإصابة بالبلاكاوت من غيرهم، بسبب الطريقة التي تؤثر بها الكحول على نشاط الدماغ في المناطق التي تنطوي على المراقبة الذاتية والتركيز والذاكرة العاملة"، بعبارةٍ أخرى أوضح "ريغان" أنه في حال كان صديقكم قادراً على شرب معدلٍ معيّنٍ من الكحول من دون أن يؤثر ذلك على أدائه فهذا لا يعني أنه بإمكانكم فعل الأمر عينه.

خرافات حول البلاكاوت

كشف موقع self عن بعض الشائعات التي يتداولها الناس حول فقدان الوعي بعد الكحول: -الذكريات المفقودة سوف تعود من جديد: لا عودة لها على الإطلاق. فالكحول تقلل من كمية المعلومات التي تصل إلى الحصين وتغلق الخلايا العصبية التي تصنع الذكريات مما يخلق فراغاً مؤقتاً في نظام حفظ التسجيل"، وفق ما أوضحه الباحث "هارون وايت"، مشدداً على أن الذكريات المفقودة لن تعود على الإطلاق وذلك لأنه لم يتم تخزينها في المقام الأول. وقد تحدث "وايت" عن وجود نوعين من التشتت الذهني نتيجة الكحول: brownout (ذكريات غامضة وتفاصيل مفقودة كأن تتذكر مثلاً وصولك إلى المنزل دون أن تتذكر السيارة التي نقلتك...) وblackout (تعطيل الذاكرة تماماً). -أنواع معيّنة من الكحول تسبب تعطيل الذاكرة: ليس نوع المشروب هو الذي يسبب البلاكاوت بل مستوى الكحول في الدم ومدى السرعة في الوصول إلى هذه الحالة، بحسب قول "وايت":" في العادة، إذا كان الشخص يحتسي الكحول ببطء فإن دماغه يبدأ على الفور في التكيّف مع الكحول للتقليل من آثارها على وظائف الدماغ، أما إذا كان الشخص يشرب بسرعة، فإن دوائر الذاكرة ليس لديها وقت للتكيف ويمكن أن تغلق بسهولةٍ أكبر". -أصحاب الوزن الخفيف هم فقط ضحايا فقدان الوعي: إن الجميع معرض لاختبار هذه الحالة بمعزل عن حجمه ووزنه، فالمسألة متعلقة بعدة عوامل، من بينها: السرعة في احتساء المشروبات الكحولية، شرب الكحول على معدةٍ فارغةٍ، نقص الماء في الجسم...). بالإضافة إلى هذه المفاهيم الخاطئة حول فقدان الوعي بعد الكحول هناك بعض الناس الذين لا يقدّرون خطورة هذه الحالة وعواقبها المحتملة، فالمرأة قد تكون عرضةً للجنس غير المحمي أو للاغتصاب، خاصة أنها لا تكون قادرة على حماية نفسها تماماً، أما الرجل فقد ينخرط في قتال، ناهيك بحوادث السير التي قد تحصل لكلا الطرفين، وبالتالي لتجنب حدوث ذلك يمكن ببساطة إتّباع الإرشادات التالية: تناول الطعام قبل شرب الكحول، شرب الكثير من الماء قبل استهلاك المشروبات الكحولية، إبطاء سرعة شرب الكحول، أخذ قسطٍ كافٍ من النوم قبل تناول الكحول، الانتباه إلى تفاعل بعض الأدوية مع الكحول...

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard