التأمُّل في العالمِ الحديثِ: بوذا في خِدمَة "غوغِل" وإيفانكا ترامب

الجمعة 11 يناير 201906:15 م
التأمُّل هذا الطقس الذي يَتضمَّن معاني الزهد ونكران العالم المادي، والذي فَلسفَه "بوذا" في القرون الغابرة، وبعد أن استحال لإحدى ممارسات التيار المعادي للحضارة في ستينات وسبعينات القرن المنصرم، يتبنَّاها الهيبّيون الذين تمردوا على عائلاتهم، وناهضوا القيم المادية والاستهلاكية، هذا التأمل باتَ اليوم ما يشبه "طقسًا دينيًا" يمارسه رجال الأعمال والنُّجوم والنَّاجحون في الولايات المتحدة، وتُجرى محاولة تعميمه ليُمَثّل بديلًا جديدًا للأديان والعقائد القديمة. في خضمّ انعدام اليقين، والاكتئاب، والروابط الاجتماعية المُفَكّكة، وغياب وجود الدولة في الرفاه والرعاية الاجتماعية، وتنامي الإحساس بالغربة والهشاشة، يتم الترويج للتأمُّل في أوساط جميع الطبقات بالولايات المتحدة، وكأنّه "دين" جديد يؤدّي دوره في تعزيز القيم التي تسيطر عليها الشركات التكنولوجية الكبرى، الفعالية والإنتاجية، ويُخَفّف من حِدّة الشعور بالغربة، والانسحاق الفردي أمام الشركات العملاقة. [one_third][/one_third] يروي سوبوجوتي، أحد الهيبّيين الذين جمعوا بين التأمل البوذي واستخدام "عقاقير الهلوسة" لدعم عالمه الروحاني، في مقال  بموقع "أوشو نيوز" سيرة نيك ساند "سماه أوشو بافاسي"، وهو الوجه المعاكس لستيف جوبز. يقول سوبوجوتي أن ساند انضم إلى طائفة تتبنى "قوة الزهور" في السبعينات تابعة لأوشو، وكان يرتدي أزياء غريبة، وتناول "إل إس دي" عدة مرات، يُعلّق على حالته "أحببتُ أن أُصدِّق أنّي أيضًا جزء من جيل الثورة، بقيم جديدة تغير العالم". وبينما جوبز ورفاقه منهمكون في إنشاء العالم التكنولوجي، كان ساند يقضي جزءًا كبيرًا من حياته هاربًا من القضاء، بسبب طبخه عقاقير الهلوسة، واخترع له أكثر من هوية، وانضم لجماعة السانياسيين لأوشو، وارتدى الزيّ البرتقالي، وهو لون الحركة الرسمي، وعَمِلوا في مزرعة لعدة سنوات، يقول ساند عن تأثيرات التأمل والأسيد: "إذا كان بإمكاننا أن نُغيّر الجميع في العالم، حينها ربّما يكون لدينا عالم جديد من الحب والسلام".
تحاول نخبة أمريكية جديدة إبراز التأمل باعتباره حلًا "علميًا" و"سحريًا" لكل مشاكلنا، من إنهاء الحروب والحد من ارتفاع مستوى الجريمة، مرورًا بتعزيز الفعالية والإنتاجية، مستخدمة "سلطة" النجوم والناجحين للتأثير على الفقراء والمهمشين
أنبياء هذا الإنجيل الجديد" هم شركات التكنولوجيا التي تدعم الكثير من حياتنا، وهذه الشركات جيدة في تحويل الأفكار المتخصصة إلى أشياء يتوق إليها مئات الملايين.
لا تقرأ كلمة لسوبجوتي أو ساند عن تعزيز الانتاجية، والكفاءة في العمل، وتخفيف التوتّر الناجم عن مثالب الحياة الحديثة، ولكن معاني كلمات مثل: مغزى وجودنا على الأرض، ماذا تريد منا الحياة؟ مقاومة التملك ومراكمة الثروات والسعي إلى السلطة، نشر المحبة و "الوعي" والسلام، وذلك في الوقت الذي كان العالم يتغيّر جذريًا بعد ثورات الاتصالات والعالم الرقمي، خالقًا أمراضًا نفسية وتوترات عصبية، جائعًا إلى "دين جديد" يحلّ محلّ "العقائد" التقليدية التي عكست ثقافة مجتمعات ما قبل التكنولوجيا.

عصر التكنولوجيا: ثراء مادي واكتئاب نفسي

أحد أبرز ملامح هذا العصر الرقمي أشار إليه عالم الاجتماع البولندي زيجموند باوند باسم: "الحداثة السائلة"، وهو يرصد، في كتاب يحمل الاسم ذاته، تغيرًا هامًا في بنية العالم الحديث، وهو "السيولة" حيث يفتقد كل شيء التماسك، والمأسسة، إذ لم تعد للمؤسسات الدينية سلطة على الناس، ولا النظم الحاكمة، تاركًا المجال للنجوم والمشاهير والناجحين وشركات التكنولوجيا. ويمكن أن نسحب تلك الظاهرة على كل شيء، الروابط القوية العميقة بين الأفراد كأعضاء أسرة أو نقابة أو طبقة اقتصادية، باتت تلك التجمعات طقسية جوفاء لا تعكس شعورًا بالترابط أو الحميمية أو المصلحة المشتركة، ممّا خفف من تأثير المؤسسات الدينية والإعلامية والأسرة على تبنّي "الأخلاقيات العامة". ربما يكون التأمل هو الحل، إذ تحاول نخبة أمريكية جديدة إبرازه باعتباره حلًا "علميًا" و"سحريًا" لكل مشاكلنا، من إنهاء الحروب والحد من ارتفاع مستوى الجريمة، مرورًا بالتغلّب على القلق والاكتئاب، انتهاءً بتعزيز الفعالية والإنتاجية، مستخدمة "سلطة" النجوم والناجحين للتأثير على الفقراء والمهمشين، ومرتكزة على اكتشافات فيزياء الكوانتم، كأساس "علمي" للحالة التي يختبرها المتأملون.

"التأمل التجاوزي" دين "غوغل" و البيت الأبيض

"التأمل التجاوزي" هو ممارسة تعلّمتُها منذ عدة سنوات، لا أستطيع أن أقوم بنصف ما أقوم به الآن بدونه. عشرون دقيقة مثالية لتهدئة العقل، والقضاء على مُشَتّتات الانتباه، وتعزيز الانتاجية"، هكذا كتبت إيفانكا ترامب ابنة الرئيس الأمريكي في كتابها الجديد. وكانت إيفانكا قد انضمَّت  لمؤسسة "ديفيد لينش"، المختصة بتعليم "التأمل التجاوزي" ومقرها نيويورك، والتي لفتت الانظار في حفلها الذي عقدَته في مركز كيندي بالعاصمة واشنطن العام الماضي، جذبَت حشدًا من النُّجوم، مثل الكوميدي جيري سينفيلد، ومارغريت تشو، والمغنية كاشا، ومستشاري البيت الأبيض غاريد كوشنر، وإيفانكا ترامب، إذ نشر الأخيران كتابًا يتضمن مديحًا في فوائد "التأمل التجاوزي"، بحسب تقرير مطول نشرته "ديلي بيست" الأمريكية، واستندنا إليه فيما يتعلق بـ"التأمل التجاوزي". يقول مسؤولو "التأمل التجاوزي" أنّ عشرة مليون شخص تقريبًا تعلّموا هذه التقنية، وهذا يعني السيطرة على القلق، والحدّ من التوتر، وزيادة الرفاهية بشكل عام، وقد وعدَت مؤسسة "ديفيد لينش" بتقديم تعاليم لـ"التأمل التجاوزي" حتى يتمكَّن الأطفال المحرومون، والمحاربون العسكريون، والناجون من الصدمات من الاستفادة من هذه الممارسة، وقال زعيم ممارسة التأمل التجاوزي والمدير التنفيذي مؤسسة "ديفيد لينش" لصحيفة أمريكية: "سنُقدّم هذا لأيّ شخص، أو كلّ شخص يعتقد أنّه يحتاج بعض المساعدة".
"التأمل التجاوزي" أسَّسه ماهاريشي يوغي في عام 1955، وكان موضوع لأغنية "سيكسي سادي" لفرقة "البيتلز"، التي تعتبر أول من أثار اهتمامًا جماعيًا بـ"التأمل التجاوزي" بين الجمهور، وإثرها صرح المنتج الأسطوري، يك روبين، أنّه تعلّم "التأمّل التجاوزي" لأنّه أراد أن يتعلّم أيّ شيء ينخرط فيه "البيتلز"، وظهر في عام 1975 مهاريشي كما لم يظهر من قبل في برنامج ميرف غريفين مع كلينت إيستوود، بعد أن تعلَّم "التأمل التجاوزي"، ودعاه غريفين ليكون مشاركًا له في البرنامج، ممَّا اعتبره خبراء نقطة تحول كبرى بين النجوم والمشاهير في توجههم للتأمل. ولكن في أواخر السبعينات فقدت تقنية "التأمل التجاوزي" بعضًا من بريقها، ووعدت تقنية مهاريشي بمزايا غريبة للغاية، فتحَت "مسارات روحية" بديلة مثل القدرة على الطيران، ولكن التأمّل بدأ يحوز القبول بالولايات المتحدة في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة؛ لذا بدأ "التأمل التجاوزي" في إعادة تسمية نفسه مرة أخرى، من التقنية "الروحية" إلى الترويج لتقنية "الاسترخاء العلماني"، هذه هي الطريقة التي يتم فهمها في كثير من الأحيان. ظاهريًا لا يختلف "التأمل التجاوزي" عن أشكال التأمل الأخرى، إذ يطلب من الممارسين تكرار مانترا سرية، وعادة تتكوّن من مقاطع قصيرة لمدة عشرين دقيقة مرتين في اليوم، ليشعروا بتوتر أقل وتركيز أعلى، وقد امتدح نجوم ومشاهير هذه الحالة. جيري سينفيلد أشار إلى "التأمل التجاوزي" باعتباره محفزًا إبداعيًا، وقارن المنتج وكاتب الدراما راسل سيمونز تأثيراته بالسحر. وقالت المغنية كاتي بيري: "التأمّل التجاوزي هو إحدى الأدوات الرئيسية في حياتي، بالنسبة لي يجعلني مركّزة في المنزل والطريق معًا"، وذلك في تصريح لصحيفة "ديلي بيست" بعد تعلّمها التأمل من روث عام 2011.
تبنّى رجال الأعمال تقاليد قديمة منذ آلاف السنين، وأعادوا تشكيلها لتلائم ثقافة "وادي السليكون"
ويقول مدير "ديفيد لينش"، أنّه لم يفوّت جلسة واحدة منذ أكثر من 40 عامًا، وحصل في عام 2002 على "دورة تنوير" مع مهاريشي في هولندا، ودفع مليون دولار، وعاد إلى أمريكا عاقدًا العزم على نشر تقنياته التأملية في العالم، وأسّس مؤسسته مع روث بعد بضع سنوات. أمّا روث فقد تعلَّم "التأمل التجاوزي" وهو طالب في جامعة بيركلي، وأصبح "مُحرّضًا" على التأمل، والهاوون المُحرّضون بات يُطلَق عليهم لقب "معلمين"، وبات روث الواجهة المعروفة اليوم لـ"التأمل التجاوزي" بعد دراسة مهاريشي في إسبانيا لمدة ستة أشهر؛ فهو الذي قدَّمه لنجوم مثل سينفيلد، توم هانكس، أوبرا وينفري، بيري، إيفانكا، غاريد، وأحيا ندوات لموظفي "غوغل"، و"آبل"، وألّف كتاب "التأمل التجاوزي... القوة في الهدوء" وكان من أكثر الكتب مبيعًا هذا العام. ويعيش روث في نيويورك ولكنّه يسافر باستمرار، عندما يكون في المدينة يعمل في مكاتب وسط مؤسسة "ديفيد لينش" بالقرب من "الأمم المتحدة"، وهي تأسَّست في 2005 لضمان أنّ كل طفل أمريكي يرغب في تعلم التأمل، ولديهم مكاتب في لوس أنجلوس، وواشنطن، وفي حرم جامعة مهاريشي الإدارية. يبدو روث، بحسب "ديلي بيست"، أصغر بعشرات السنوات من عمره "67 عامًا" رغم شعره الأبيض، ويبدو كأنّه مدير مبدع في وكالة إعلانية، ويشير كثيرًا إلى أن ديانته هي اليهودية في أكثر من محادثة.

التأمل "مانترا" مديري التكنولوجيا

والآن، بحسب تقرير نشره موقع "بيزنس إنسايدر"، تنتشر بين مكاتب "وادي السليكون"، موطن الشركات العالمية التكنولوجية، كلمات طنّانة مثل "التأمل". مديرو وادي السليكون يمارسونه بانتظام، المدير التنفيذي لموقع "تويتر" يلجأ إلى التأمل البوذي، منتجعات صحية في المدن الكبرى تُثبّت "التأمل" كشعار لها، وربح تطبيق التأمل "هيد سبيس" 75 مليون دولار، كل سنة مئات من رجال "وول ستريت" الأثرياء يدفعون ما يقرب من ألف دولار لتعلم "التأمل التجاوزي". وصرّح مؤلّف الكتاب الأكثر مبيعًا "النجاح! كيف فعلتها" تيم يفريس أنّ جميع الأشخاص الناجحين في الكتاب، ما يقارب من 140 شخصًا ناجحًا في كتابه الأخير  يمثّلون "قبيلة المنصحين"، يمارسون عادة من عادات التأمل. وتقول العشرات من الأبحاث التي تدعمها منظمات مثل "الوكالة الفيدرالية الأمريكية"، والمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة بوجود علاقة بين التأمل المنتظم وتغيّرات جسمية في الدماغ، يمكن أن تؤدّي إلى تحسين التركيز، والتحكّم العاطفي، ممّا يؤدّي إلى خفض ضغط الدم.

من "هراء" الهيبية والبوذية إلى الاستثمار وتعزيز الإنتاجية

ويبرز هنا التساؤل: ماذا يفعل المعلمون الروحانيون بالضبط مع مديري التكنولوجيا، أي قيم ينشرونها بين موظفي تلك الشركات؟ يحاول تقرير نشره موقع "ويرد" أن يضع يدنا على شكل تلك الممارسات، وكيف تخلص التأمل من معانيه "الثورية" القديمة، يذكر التقرير أنّ ما تفعله هذه الشركات أكثر من مجرد "الاستيلاء" على الممارسات البوذية، إذ يتبنّى رجال الأعمال والمهندسون تقاليد قديمة منذ آلاف السنين، ويعيدون تشكيلها لتلائم ثقافة "وادي السليكون"، التي توجهها البيانات، ويريد مجتمع التكنولوجيا في شمال كاليفورنيا الاستثمار في التأمل.
معظم الذين شكلوا صناعة الكمبيوتر الشخصي والانترنت كانوا في الماضي أعضاء في ثقافة الهيبي
يقول كينيث فولك، معلم تأمل مؤثر في سان فرانسيسكو، "كلّ هذه الأشياء الصوفية الجذابة، هي حقًا رجعية، إنّها "أي ممارسات التأمل" عبارة عن تدريب العقل، وإثارة الحساء الكيميائي داخله". ويلفت تقرير موقع "ويرد" النظر إلى أنّ هذه الممارسات القديمة ليست مجرد موضة روحانية عابرة، إذ إنّ "أنبياء هذا الإنجيل الجديد" هم شركات التكنولوجيا التي تدعم الكثير من حياتنا، وهذه الشركات جيدة في تحويل الأفكار المتخصصة إلى أشياء يتوق إليها مئات الملايين. معظم الذين شكلوا صناعة الكمبيوتر الشخصي والانترنت كانوا في الماضي أعضاء في ثقافة الهيبي، بحسب التقرير، لذا الاهتمام بالعقائد الشرقية لا يزال ماثلًا في عالم التكنولوجيا الحديثة، وأشهر مثال على ذلك هو ستيف جوبز الذي بحث عن معلمين في الهند، وتزوّج من قبل كاهن في "بوذية الزن"، حتى أصبح من أكبر الدعاة إلى البوذية في الولايات المتحدة. ويوضح سوهاج شوكلا، مدير مؤسسة أمريكية هندية لممارسة التأمل، في مقابلة عام 2016 مع "بيزنس إنسايدر" أنّ ممارسة نسخ علمانية من هذه التقنيات القديمة ليس تدنيسًا، يجب أن ننظر إلى الممارسة بدلًا من ذلك على أنها ممارسة صحية للجسم والعقل، ومن الأفضل ان تكون مع معلّم، ولكن إذا كنت تريد أن تفعل ذلك يمكن القيام بذلك بنفسك وبدون إنفاق أي أموال. هذا هو التأمل، الذي قصد به بوذا التوقف عن التفاعل مع الـ"المايا"، العالم الزائف، للوصول إلى السعادة القصوى "النيرفانا"، والذي ارتكز عليه البوهيميون والهيبيون في ثورتهم على مادية الحضارة الغربية، بات الآن مساعدًا ومعززًا لتلك الحضارة، ومعينًا لها على الإنتاجية والفعالية، وبديلًا لعالم فقد ترابطه وتماسكه ومعناه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard