تصريح زيارة أو لمّ شمل: إسرائيل حاجز بيني وبين زوجي

الجمعة 11 يناير 201908:27 ص

لم أكن أفكر في القضية الفلسطينية منذ فترة مثلما أفكر الآن، لقد تحوّلت بالنسبة لي من قضية وجود وأحقية في المكان، إلى قضية تتعلق بخط سير حياتي الإنسانية والطبيعية كامرأة متزوجة من شاب فلسطيني مقيم في البلاد، وتريد العيش في بيتها ومع عائلتها الجديدة، هذا لم يحصل حتى اللحظة؛ لأنني ما زلت أنتظر التصريح لدخول فلسطين، الذي تتحكم بإصداره أو رفضه دولة الاحتلال الإسرائيلي.

التردد في طرح القضية

منذ فترة أفكر في الكتابة عن هذا الموضوع، إلا أن هواجس كثيرة كانت تحول دون ذلك؛ أفكر أحيانًا أنني إذا كتبت فسأكون قد دوّنت بيدي وبإرادتي الكاملة سببًا يحرمني فرصة انضمامي  لزوجي، أتصوّر أن تكون الإجابة من "وزارة الشؤون المدنية"، التي تعرّف نفسها بأنها (مجرد بريد) بيننا وبين إسرائيل، هي هذا المقال عند السؤال عن سبب رفض التصريح، أو أن أُرفض من قبل اسرائيل رفضًا أمنيًا كوني خضت في تفاصيل التصاريح وصعوبة استصدارها، وتناولت واقع النساء اللواتي اخترن حياتهن مع أزواجهن في فلسطين وإن كان ثمن الخيار هو صعوبة التنقل والانعزال شبه الأبدي لحيواتهن السابقة في الدول التي كُنّ فيها، أو أن لا يأتي ردّ لأن الملفات "مجمّدة" كما قرأت في كل المواد الصحفية التي تناولت موضوع تصاريح الزيارة وملفات لمّ الشمل.

 تقدّم إسرائيل نفسها كدولة قانون وحكم ديموقراطي، وتتعامل معها دول كثيرة في العالم على هذا الأساس، كما أنها دولة مصادقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومع ذلك من الصعب إيجاد طريقة لمخاطبتها أو لمحاولة الفهم عليها، أي إسرائيل. البند السادس عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في نقطته الأولى يقول : "للرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، حقُّ التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله."

فكرة غريبة أن لا يستطيع الواحد منا أن يتصوّر سيناريو حياته، جميعنا كنساء متزوجات من رجال فلسطينيين لا نعرف كيف ستسير أمورنا في الفترة القادمة، وما هي المعايير التي ستتم مراجعتها من قبل إسرائيل في الموافقة على تصاريحنا أو رفضها، والأهم أننا لا نستطيع تقدير  الوقت المناسب لتقديم التصريح، ولا نفهم إن كان ما سيتحكم في طلبنا هذا يتعلق بقانون الاحتلال أم بمزاجه.

ربما عليّ أن أشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه تحوّل تفكيري من قضيتي الأمّ وأحقيتي في العودة لوطني كفلسطينية لاجئة، إلى المرأة التي تطمح للعيش مع زوجها في وطنه، لذا أبرر في الغالب لنفسي أن القضايا الكبيرة والصعبة تتحوّل لتفاصيل صغيرة محيّرة إذا انتقلت من الهمّ الكبير والشعور الجمعي إلى واقع شخصي إنساني، يتعلق باستقرار الشخص الواحد منا من عدمه.

الخوف من الأحداث شبه العادية

حدثت مؤخرًا مواجهات في رام الله، بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، وقام الاحتلال بعدة مداهمات لمواقع مختلفة في الضفة الغربية، كنت أتابع مع زوجي الأخبار وأسأله بين ساعة وأخرى عما يحدث، وإن كانت هذه الأحداث ستحول دون حصولي على التصريح، ولم نصل إلى إجابة، بدأنا الاتصال بكل من وعد بتقديم إجابة لنا بشأن التصريح، أو بمن لديه قدرة على دعم تصريحي الذي قدِّم منذ أربعة أشهر ولا إجابة حتى الآن، إننا بشكل ما أصبحنا مستعدين لاسقبال الرفض؛ ليتسنى لنا أن نقدّم مرة ثانية.

واقع النساء المتزوجات من فلسطينيين في معاملة لمّ الشمل والحصول على تصريح الزيارة فوضوي وغير واضح، وخاضع في الغالب لأسباب فضفاضة واحتمالات مفتوحة، ولا يستطيع الإجابة عنها الزوج؛ باعتباره المراجع الدائم لوزارة الشؤون المدنية.

في وضع كهذا وبعد تقديم التصريح يبدأ البحث عن شخص يساعد في الحصول على إجابة فيما يخص التصريح، وعن أشخاص آخرين يمكنهم تقديم الدعم – إن كان بالأمكان أصلًا- ليُقبل التصريح، هذه الفكرة بحدّ ذاتها مزعجة، إن ظروف حياتنا تتطلب منا البحث عن الواسطة، وتجعلنا نكثر من السؤال عن موضوع التصاريح حتى لمن نعرف أنه لا يملك الإجابة؛ أثناء كتابتي لهذا المقال اتصلت بزوجي لأسأله عن الشخص الذي وعد أنه يتعامل مع تصريحي "كأولوية"، أين هو الآن وما الذي حدث معه؟ وكيف سيكون تصريحي أولوية ما دام الموظف في وزارة الشؤؤن المدنية يجيب بأن:"ما إجانا إشي من اسرائيل لسا"، والموظف في وزارة الداخلية الفلسطينية يصرّح لمجلة الحياة الجديدة في تحقيق أجرته في العام 2017 : " نحن مجرد بريد يوصل لكم رسائل الاحتلال"، والسيناريو ذاته يتكرر في كل مرة أن لا إجابة من الجانب الإسرائيلي، علمًا بأن فترة أعيادهم، ورأس السنة والكريسماس انتهت أيضًا.

فكرة غريبة أن لا يستطيع الواحد منا أن يتصوّر سيناريو حياته، جميعنا كنساء متزوجات من رجال فلسطينيين لا نعرف كيف ستسير أمورنا في الفترة القادمة، وما هي المعايير التي ستتم مراجعتها من قبل إسرائيل في الموافقة على تصاريحنا أو رفضها
ربما عليّ أن أشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه تحوّل تفكيري من قضيتي الأمّ وأحقيتي في العودة لوطني كفلسطينية لاجئة، إلى المرأة التي تطمح للعيش مع زوجها في وطنه، لذا أبرر في الغالب لنفسي أن القضايا الكبيرة والصعبة تتحوّل لتفاصيل صغيرة محيّرة
قضية كهذه لا تتعلق في وجود فردي تتحكم به إسرائيل بطريقة لا نفهمها، القضية حقوقية تمامًا، تتعلق بالوجود الطبيعي لأسرّ كثيرة عالقة على السياج بين الأردن وفلسطين، ولا تعرف قانون الجهة المسؤولة قبل أن تدخل فلسطين

لا مراجع كافية للبحث في القضية

أبحث منذ فترة عن مواد صحفية وتحقيقات وفيديوهات تتعلّق في موضوع تصاريح الزيارة أو إقامة النساء في فلسطين من دون لمّ شمل وهويات، وجدت بعض المواد القصيرة وبعض المقالات التي تتعلق في الغالب بواقع النساء الغزيّات المتزوجات في الضفة أو الأجنبيات المتزوجات من فلسطينيين، ومقال واحد يتعلق بواقع الأردنيات في الضفة الغربية، ولم يتوافر فيه أي شروط أو معايير تتعلّق بأسباب رفض التصاريح أو منعها، المشكلة الأكبر أن المادة الأخيرة التي قرأتها في موقع  "البوابة" كانت الأحدث،  وهي تتناول موضوع قانون سوف تتم المصادقة عليه خلال شهر كانون الثاني/ يناير 2019 حول إلغاء التصاريح لدخول الضفة الغربية نهائيًا للأردنيين غير الحاملين للهوية الفلسطينية، واستبدالها بجوازات سفر فلسطينية، مما يعني أن دخول المرأة الأردنية إلى فلسطين عند زوجها، يعني استغناءها عن جنسيتها الأردنية، ويتعارض هذا مع النقطة الثانية من البند الخامس عشر للإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لا يجوز، تعسُّفًا، حرمانُ أيِّ شخص من جنسيته ولا من حقِّه في تغيير جنسيته".

إذا كانت القضية تتعلّق بمسؤوليتنا كنساء اخترنا شريكًا يحكمه ظرف سياسي خاص وغير مفهوم، فنحن مسؤولات عن اختيارنا، كما أننا كنا نعي بشكل أو بآخر أن خطوة الارتباط بفلسطيني يمكن تسميتها اشتباكًا مع إسرائيل بشكل مباشر للدفاع عن الشخصي أولًا والحصول على الحق الفردي قبل أي شيء، لكن ظروفًا مثل التي تحدث الآن تعني أن التنازلات أكبر مما كنا نظن، وأن الثمن الذي سندفعه أكبر من طاقتنا ومن طاقة أهالينا الذين وافقوا على خيارات زواجنا هذه؛ إن الأسئلة تتشعب وتصعب الإجابة عنها، كانت الأسئلة فيما مضى عن قدرة الواحدة منا على العيش بعيدًا عن أهلها، وكان من السهل عليّ أن أجيب: "مثل لو هاجرت على كندا أو ألمانيا، رح أغيب أقل إشي 5 سنين"، وأسئلة أخرى كانت عن المدة التي ستمر قبل أن أحصل على لمّ شمل يعيد لي حريتي في التنقل من وإلى فلسطين، وكان الجواب أن كل من تقدم بمعاملة لمّ شمل سيحصل عليها يومًا ما، بعيدًا عن الخوض في حقيقة أن آخر بطاقة هوية صدرت عن معاملة لم شمل كانت في العام 2009 وأن الملف "لا جديد" فيه حتى اللحظة.

وثِّقت حالات كثيرة لنساء أردنيات يعشن في فلسطين، ويتعرضن للابتزاز من قبل محامين إسرائيليين وعرب، يطالبونهن بمبالغ مالية مقابل الحصول على لمّ الشمل، وبعض النساء دفعن مبالغ كبيرة للحصول على الهوية، هذا يعني أن الفوضى قائمة حتى في واقع القانون المتعلق بالتصاريح ولمّ الشمل في إسرائيل، وأن قضية النساء المتزوجات من فلسطينيين تتطلب منا بحثًا حقيقيًا في واقعها السابق والحالي، وفي ملفاتها التي نتعامل معها حتى اللحظة على أنها سرية، كيف يمكن أن يكون وجود إحدانا في فلسطين بعد انتهاء مدة تصريحها ممكنة وعادية وقد حصلت مع أغلب النساء اللواتي يعشن حتى اللحظة مع أزواجهن وأولادهن، وأن إسرائيل لا تبحث في المسألة؟ إذن قضية كهذه لا تتعلق في وجود فردي تتحكم به إسرائيل بطريقة لا نفهمها، القضية حقوقية تمامًا، تتعلق بالوجود الطبيعي لأسرّ كثيرة عالقة على السياج بين الأردن وفلسطين، ولا تعرف قانون الجهة المسؤولة قبل أن تدخل فلسطين، ولا الإجراءات التي يمكن أن تتخذ في حقها عند اكتشاف إقامتها غير القانونية هناك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard