حوار مع غالية بن علي، الممثلة والكاتبة والثورية والعاشقة

الأربعاء 9 يناير 201907:45 م
كعادتها الغجرية المتمردة، تنطلق غالية بنت الريح بروحها المتجددة الحرة لتشارك في بطولة فيلم "فتوى" بدور شديد الاختلاف عن شخصيتها الفنية والإنسانية، لتلعب دور ناشطة سياسية (الدكتورة لبنى) وهي التي تكره السياسة وتحلق بغنائها على المسرح، هي غالية بن علي التي تطل بثوب فني جديد بعمل سينمائي يُمثل وثيقة حية لعام دموي شهدته تونس بالاغتيالات السياسية وصعود الجماعات السلفية المتطرفة. فاز "فتوى" بجائزة التانيت الذهبي بمهرجان قرطاج في دورته ال29، وجائزة أفضل فيلم عربي بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته ال40. من المقرر عرض الفيلم في عدة دول أوروبية منها بلجيكا، هولندا، مطلع مارس 2019، وتونس في أبريل من نفس العام. لم تتوقف غالية عند التمثيل ولكنها تخوض تجربة جديدة وهي نشر أول كتبها بعنوان "روميو وليلى"، بل إنّها تحوّل النص لعمل مسرحي قامت بإخراجه وتصميم ديكوره.
رصيف22 في مقابلة مع غالية بن علي، الممثلة، المخرجة، الكتابة والمغنية أيضاً. لنبدأ بزغرودتك على السجادة الحمراء بمهرجان القاهرة السينمائي بعد فوز "فتوى" بأفضل فيلم عربي؟ (تضحك)، قبل فرحي بالجائزة كانت سعادتي غامرة بمشاركة الفيلم بمهرجان عريق كالقاهرة السينمائي الدولي، والحضور الجماهيري الكبير الذي شهدته قاعة العرض، وهو أمر علمت إنه لا يحدث مع الأفلام الأجنبية ولكن فقط المصرية. "فتوى" خامس أفلامك.. هل نعتبر الممثلة أصبحت تُنافس غالية المُغنية؟ لم يخطر على ذهني التمثيل يوماً، وأتذكر أول فيلم (موسم الرجال) 1999، ذهبت للمخرجة مفيدة التلاتلي وصرخت فيها "مبحبش التمثيل" لأني دخلت عالم الموسيقى أساساً لأجد نفسي، ومفهوم التمثيل بعقلي آنذاك كان يعني اقتباس الدور وأن تلبس شخصية أخرى، فكان ذلك صعباً عليَ.
تفهمت أن الممثل يُمثل نيابة عن الشخصية، يَحكي عنها ويجعلها حاضرة، وتعاملت مع التمثيل من منطلق استحضار الأرواح ووصل الشخصيات، وأن نجاحك كممثل يكمُن في قدرتك على الوصل مع الشخصية التي تلعبها.
أنا أرفض فكرة خلط الدين بالسياسة وكسب التعاطف من هذا الباب، واللعب على مشاعر المواطنين، من يريد لعب السياسية فليمارسها بشكل واضح، نعلم جميعاً حزب النهضة على عكس خطابه.
ولكن بعد مشاركتي بعدة أفلام لاحقة؛ سوينج، طيور الليل وخاصة (على حلة عيني) والذي أدركت معه أن التمثيل استحضار لمشاعر وانفعالات عاشها الممثل، وكلما مر بتجارب صعبة في حياته، كلما كان أداؤه ناجحاً، وتفهمت أن الممثل يُمثل نيابة عن الشخصية، يَحكي عنها ويجعلها حاضرة، وتعاملت مع التمثيل من منطلق استحضار الأرواح ووصل الشخصيات، وأن نجاحك كممثل يكمُن في قدرتك على الوصل مع الشخصية التي تلعبها. ولكن أيهما أصعب التمثيل أم الغناء الآن؟ التمثيل أصعب من الغناء، لأنك تَستحضرين شعوراً معيناً، ومطلوب الاحتفاظ به وإعادة إنتاجه لفترة طويلة، بسبب إعادة تصوير المشهد أكثر من مرة واحدة، وهو ما يقُتل الإحساس في التمثيل، عكس الغناء، فالإحساس يخرج مرة واحدة قوياً متوهجاً خاطفاً بدون إعادة. "لبنى" ناشطة سياسية.. ما الذي حفزك للموافقة على هذه الشخصية؟ أولها محمود بن محمود، هو من أكبر المخرجين التوانسة، وتحمست لهذه المغامرة السينمائية وقضاء وقت مع موسوعة مِثله تاريخية وسياسية ودينية، وعندما قرأت الشخصية "اترَعبت"، هي ناشطة سياسية علمانية وعضوة بالبرلمان، وأنا أكره السياسة، فلا أُشاهد نشرة الأخبار أساساً (تضحك)، ولكنها شخصية مركبة، مستفزة مثل سياسيين كُثر بمجتمعنا. بأي معنى مستفزة مثل سياسيين مُجتمعنا؟ بإنها غير متفهمة للمجتمع الذي تعيش فيه، مُتكبرة عليه، ترفض تقاليده، وكثيراً ما يفعل ذلك السياسيون بالواقع، وكأنهم في عالم ثانٍ، ولكن عليهم النزول للشارع وعليهم أنْ يأكلوا نفس الطعام، وأنْ يعيشوا نفس ظروف الناس، وألا يتعَالوا على الشعب الذي انتخبهم ووضعهم على الكراسي. الفيلم رصد بجرأة ملامح صعود الإسلاميين بالمجتمع التونسي، هل واجهتم صعوبات؟ لم يتم حذف مشاهد، ولكن عندما طلبنا التصوير في مجلس النواب، وكان مشهداً هاماً حيث تُلقي "لبنى" فيه خطاب هجومي ضد الإسلاميين، واجَهنا مماطلة ورفضاً غير مباشر للتصوير، من جانب حزب النهضة الإسلامي، وبالفعل تحايل المخرج على المشهد درامياً من خلال صوت (لبنى) في الراديو وهي تُلقي الخطبة، للتغلب على الرفض. ماهي أكثر مشاهدك صعوبة؟ مشهد الخُطبة، كنت خائفة جداً منه، لأن محتواه هام ودقيق عن وضع الاسلاميين بعد الثورة، وأيضاً كنت أخشى مشاهد البكاء، ولكي استحضر هذه الحالة الحزينة كنت أغُني قبل تصوير المشهد: "كنا نصطاد القصائد الجيدة بصنارة، او شكت علي.." تُذكرني هذه الاغنية بأصدقاء، وأحباب، خضنا معاً مِحناً صعبة. أثارت نهاية الفيلم جدلاً بأن ذبح الأب على يد المتطرفين كأنه اعتراف بانتصار الإرهاب.. ما رأيك؟ لم أرَ نهاية أخرى غير القتل، أتذكر مُشاهد بلجيكي سأل المخرج بعد عرض الفيلم "ليه عايز ترجعنا بيوتنا مُحطمين"، أتفهم ذلك، ولكن ذبح الأب (احمد الحفيان) الذي يرمز لأي مواطن تونسي أو عربي، أي المسلم العادي المعتدل، على يد هؤلاء المتطرفين، هو بمثابة إعلان لقتل هؤلاء الوحوش وليس العكس، لأن لو هناك متفرج واحد فقط كان مازال عقله يتأرجح ويرى أن هذه الجماعات تُحافظ على الإسلام وتنشر الدعوة، يتأكد تماماُ إنه خاطئ. وهل نجحت تونس فى حربها على الإرهاب؟ إلى حد كبير، والدليل هو ذاك الحادث الذي وقع قبل أيام من مهرجان قرطاج اكتوبر 2018، لم يتعاطف أحد مع الفتاة الانتحارية، وتم استكمال أعمال المهرجان بهدوء. كيف تابعت صعود حزب النهضة الإسلامي في تونس بعد الثورة؟ ليس حزباً إسلامياً هو حزب سياسي، لم أنتخبهم، ولو كان لديهم حل اقتصادي كنت أول من انتخبهم. لا أؤيدهم ولم أتورط في الغناء بحفلة كان يرعاها حزب النهضة وراشد الغنوشي. أنا أرفض فكرة خلط الدين بالسياسة وكسب التعاطف من هذا الباب، واللعب على مشاعر المواطنين، من يريد لعب السياسية فليمارسها بشكل واضح، نعلم جميعاً حزب النهضة على عكس خطابه.
&list=PLBITN0_XsJiJU3A2u8QAs0Qv3bfONHPMC  (لبنى) أم لطالب بالفنون الجميلة ينتمي لجماعات متطرفة.. وتونس رغم كونها بلد تنويري تأتي على رأس الدول التي انضم شبابها لداعش... لماذا برأيك؟ سؤال وجيه، لأن هؤلاء المتطرفين يمتلكون خطاباً ساحراً يؤثر على مشاعر الشباب والمراهقين، ويجذبهم له، ورغم ارتفاع معدلات التعليم في تونس، إلا أن الإسلام في تونس حر أكثر، ويعيش المجتمع التونسي بنمط الحرية والفردية مثل الأوربيين، لا يتعاونون أو يعملون مع بعض في جماعات. وفي نفس الوقت الشباب رغم حبه لهذه الفردية إلا إنه يرغب في الانتماء لجماعة وأيدلوجيا معينة، ولكن للأسف الأيدولوجيات الثقيلة انهارت منذ التسعينيات مع سقوط الماركسية، ولم يبق سوى التنظيمات وجماعات المتطرفين، التي تأخذ من الدين الاسلامي شعاراً لها. وكيف ترين تونس الآن بعد 8 سنوات من الثورة؟ المجتمع التونسي عقلاني جداً وكشف هذه التيارات المتشددة، ويمتلك حركة مدنية قوية حافظت على مدَنية الدولة، وأثِق أنّ تونس تسير على الطريق الصحيح. وقت اندلاعها، كانت الثورة انتفاضة غضب، بلا ترتيب أو تنظيم، كانت مجرد صوت عالٍ فقط، أما الآن تونس تعمل على تحقيق أهداف الثورة، ليس هناك قائد حتى الآن، وهذه مشكلة تونس، الفرد ثم الفرد، حتى إني غنيت ذات مرة (إذا الفرد أراد يوماً الحياة لابد أن يستجيب القدر! وليس الشعب) ولكن لو كل فرد أصبح مسؤولاً، ووقف الجميع أمام القانون سواسية سوف نتقدم للأمام.
هو قصة حب بين غالية القديمة والجديدة، كتابة خيالية، عن ليلى ورميو، ثمّ تكتشف أن ليلى هي روميو والعكس
صرحت من قبل أن هناك جُرح ما في علاقتك ببلدك.. الروحانيات.. أنا روحانية زيادة على تونس، ولا أستطيع التعميم، هناك جمهور في تونس يحُبني، ولكن جمهوري بجد في مصر، لأننا في منطقة مشتركة من الروحانيات، وهذا ما يعجبني بالقاهرة، ويطير روحي، وهذا ما أعجَب المصريين. غالية ليست مغنية أو ممثلة بل كاتبة.. متى قررتِ أن تكتُبي؟ كانت صدفة، عمرنا ما نقرر حاجة معينة. أُحب الرسم أيضاً، وأساساً عندما سافرت إلى بلجيكا كان سفري من أجل دراسة الفنون التشكيلية، واستمريت في الرسم حتى شاركت بمعرض عام 2003 في بلجيكا بعدد من اللوحات، التي احتفظت بعدد منها، لم أرغب في بيعها، وعدت بها إلى المنزل، ووضعتها بجانب بعض، فالأمر كان بالصدفة حدث كولاج بين هذه الرسومات، وبدأت الحكاية من ذلك الوقت. حدثينا عن تجربتك الجديدة "روميو وليلى" هو عبارة عن سيرة ذاتية، رحلتي الشخصية التي بدأت كتابتها منذ 2003، استلهمتها من تجربتي بالعيش في بلجيكا، تحكي عن قصة حب بين روميو الأوروبي الغربي وليلى الشرقية، الكتاب لا يناقش الحلال والحرام في زواج المسلمة من أجنبي، بل شعرت بضرورة أن أقول "مفيش فروقات"، هي أشبه برحلة لاكتشاف الذات، تضم تجارب، رحلة طويلة تكتشف في النهاية أن ليلى هي أنا عندما غادرت تونس وروميو هو الذي أردت الوصول إليه.  
هل تم تحويله لمسرحية؟ الكتاب هو قصة حب بين غالية القديمة والجديدة، كتابة خيالية، عن ليلى ورميو، ثمّ يكتشف مُشاهد المسرحية أنّ ليلى هي روميو والعكس، لأني حولت النص لعمل مسرحي من إخراجي تم عرضه في بلجيكا وبدأنا مؤخراً في تصويره لتحويله لفيلم. ما هي خلاصة التجربة التي تم استعراضها بالكتاب؟
الحب تجربة يجب أنْ تعطيها نفسك تماماً، لابدّ أن تدخل فيها وتتوجع لكي تُكملها وتكتشفها بشكل حقيقي
أن هناك نقاط التقاء تجمع أي شخصين بقصة حب أو بالحياة رغم الحواجز التي تواجهها؛ أولها تقبّل الذات، عندما يعرف الشخص نفسه ويفهم اختلافه، يستطيع أن يتقبل المختلف عنه. ثانياً، الحفاظ على أحلامك، مفيش جدال أو تفاوض على أحلامك، لا تتخلي عن حلمك من أجل شخص حتى لو كان حبيبك، الحب تجربة يجب أنْ تعطيها نفسك تماماً، لابدّ أن تدخل فيها وتتوجع لكي تُكملها وتكتشفها بشكل حقيقي، وأخيراً أن تتخلى عن الأفكار المسبقة لأنها عائق يمنع الناس من قبولها لبعض. "موصول" ألبومك الأخير.. ما الذي يُميزه عن الألبومات السبع السابقة؟ هو ألبوم متنوع يضم موسيقى الجاز مع المقامات الشرقية وأنغام العود الثرية، والمزاج العربي عموماً يميل للجاز، لأن الموسيقى العربية تتشابه جداً مع الجاز، فكلاهما يعتمد على الأسلوب الحر والارتجالي، وهذا ما كانت عليه الموسيقى العربية قديماً قبل تدوينها الآن في نوت موسيقية، وكان التعاون مع فريق "ماك سبيريت" الأوروبي ممتعاً وثرياً.
&list=PLBITN0_XsJiKX_C6-zKwe8_lgcnkVcGoR عن أي وصل كنت تبحثين في ألبومك؟ ربما الوصل بين حاجتين ميتوصلوش، مع بلجيكا التي شعرت بكراهية لها آنذاك، ورغبة بالعودة للوطن تونس، وأيضا الوصل بين نصوص لشعراء شباب عرب من مصر، فلسطين، تونس. صرحت بأنك لست مطربة ولا تنتمين للأندرجراوند.. لست مطربة لأني لا أرغب في وضعي بمقارنة مع مطربين كبار مثل أم كلثوم، عبد الوهاب، وغيرهم من الأسماء الكبيرة، اللي شغلتهم الغناء بجد، يمتلكون أصواتاً ومقامات ودراسة جادة، ولكن أنا لست مغنية مثلهم، لأنك لو عرّفتني بالمغنية سوف تُحددني. كما أني لا أغنّي تحت الأرض، فلم أختبئ من سياسة أو مجتمع، بل بدأت على أهم مسارح بلجيكا، أمام جماهير لا تفهم اللغة العربية، لذا لم أنتمي للأندجراوند، أنا غنيت في الشمس والنور، وشباب الأندرجراوند يحبون أن يسمعوني لأنهم يحبون الاختلاف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard