عقد اجتماعي، عدل في الإرث، وبُعْدٌ عن الإيذاء الجسدي: العُرف الأمازيغي الذي قدّم منظومته القانونيّة للمذهب المالكي

الثلاثاء 8 يناير 201903:25 م
في الفترة الممتدّة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين، في منطقة جزولة والسوس الأقصى التي تقع جنوب المغرب، على سواحل المحيط الأطلسي، حدثت تجربةٌ فريدةٌ وسط قبائل الأمازيغ المغاربة الذين كانوا يسكنون تلك المنطقة، وذلك عندما وقع الاقتران والتشابك بين الدين والعُرْف، لينتج عنهما استحداث منظومةٍ قانونيةٍ حضاريّةٍ فريدة، تقترب نتائجها في الكثير من المواضع مع التجليّات القانونيّة الحديثة التي أفرزها عصر الحداثة.

ابحثْ عن المالكية!

استطاع المذهب المالكي، الذي يُنسب إلى الإمام مالك بن أنس الأصبحي (تـ 179هـ)، أن ينتشر في مساحات واسعة من العالم الإسلامي، وكانت بلاد المغرب والأندلس من الأقاليم التي تفشّى فيها العمل بالمذهب المالكي عبر تاريخها الطويل. كثيرةٌ هي الأسباب التي تفسّر انتشار المالكيّة في المغرب، من أهمّها اختياره من قِبل الأمويين الذين حكموا الأندلس وبعض مناطق المغرب الأقصى، عَقِبَ انهيار دولتهم في المشرق، ونقل دولتهم إلى قرطبة في عام 138هـ، على يد الأمير عبد الرحمن الداخل، المعروف بصقر قريش. من تلك الأسباب أيضاً، تشابه الطبيعة الصحراوية للمغرب مع مثيلتها في بلاد الحجاز، وهي الموطن الأصلي لظهور مالك وفِقْهِه، كما أنه من المهم ألا ننسى أن بلاد المغرب كانت المأوى الذي أوى إليه العديد من علماء المالكية وفقهائها بعد مالك، حتى صارت مع مرور السنين، معقلاً للمالكيّة وحصناً حصيناً لها. من الممكن أن نعتبر أن تجربة المزج والدمج بين الشريعة الدينيّة الإسلاميّة والأعراف الوضعيّة الأمازيغيّة، كانت في حقيقتها نتاجاً شرعياً لسيادة المذهب المالكي الذي يهتمّ بالعُرف والعادة ويجعل منهما أحد المصادر المعتبرة في التشريع، فبحسب ما يذكر الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "مالك: حياته وعصره" فأن "العُرف أو العادة، يعتبران أصلاً من أصول الاستنباط عند مالك، وقد انبنت عليهما أحكام كثيرة؛ لأنهما في الكثير من الأحيان يتفقان مع المصلحة".

ألواح جزولة: قوانين شخصيّة جريئة وتأسيس لعقد اجتماعي

في الفترة الممتدّة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين، قام فقهاء المالكيّة بمنطقة جزولة بتدوين بعض القوانين الشائعة في مجتمعهم، وسُمّيت تلك القوانين باسم الألواح، كما كانت عادة الأمازيغ في تلك الفترة. هذه الألواح كانت تُكتب في مَحْضَرٍ من زعماء القبائل المختلفة، وكان جميع الحاضرين يوافقون عليها قبل تدوينها، وتكون قراراتها محلّ شورى وأخذٍ وردّ قبل إقرارها، وكان من المعتاد أن يتمّ تدوينها في المسجد أو في منزل أحد النقباء المجتمعين، بواسطة أحد الفقهاء المشهود لهم بالعدالة والدين، كما كان لها طرق وصيغ متعارف عليها، بحيث تبدأ بديباجة حمد الله والصلاة على الرسول، ثم تتناول الموضوع الرئيس الذي اجتمع الحضور للتشاور فيه، وتنتهي بالضوابط والتنظيمات والعقوبات المقترحة، وفي ذيل اللوح تأتي توقيعات الحاضرين والشهود.
حدث بين قبائل الأمازيغ في المغرب اقتران وتشابك بين الدين والعُرْف، لينتج عنهما استحداث منظومةٍ قانونيةٍ حضاريّةٍ فريدة، تقترب نتائجها في الكثير من المواضع مع التجليّات القانونيّة الحديثة التي أفرزها عصر الحداثة.
في كتابه المهمّ "ألواح جزولة والتشريع الإسلامي"، يعرّف الباحث المغربي أ. محمد العثماني بتلك الألواح على كونها "عبارة عن قوانين وقواعد وضوابط صارمة، تشتمل على إجراءات تتعلّق بعقوبات ماليّة يعاقب عليها كل من صدرت منه مخالفة ما.. تمسّ شرف الإنسان أو ماله أو بدنه، أو عرّض الأمن الداخلي أو الخارجي للخطر وما إلى ذلك". ويعلّق العثماني على ما ورد في تلك الألواح من قوانين، بقوله "توافر في الألواح ما توافر في القوانين العصريّة الحديثة من قواعد عامّة سليمة المغزى، ومن مُثُلٍ ديموقراطيّة عليا، بل سبقتها إليها، كما صينت بها الكُليّات الخمس التي تأمر بصيانتها جميع الشرائع". الباحث المغربي الدكتور محمد عبد الوهاب رفيقي، المتخصّص في الدراسات الإسلاميّة ورئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات والإعلام، سلّط الضوء في بحثه المعنون بـ"الأعراف المحلية كمدخلٍ لتطبيق القوانين"، على التجربة العرفيّة الأمازيغيّة، معتمداً على ما ورد في تلك الألواح، من تشريعات وفتاوى تمّ تطبيقها في المجتمع السوسي. يذكر رفيقي لرصيف 22، أن ألواح جزولة قد قدّمت رؤيةً تشريعيّة في غايةً في التحضّر والتطوّر إذا ما قورنت بالمنظومات الفقهيّة الإسلاميّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فعلى سبيل المثال، يستحضر الباحث المغربي الفتوى الشهيرة التي أفتى بها القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن بن يوسف الشهير بابن عرضون الكبير في القرن العاشر للهجرة، والتي اشتهرت تحت مسمى "الكدّ والسعاية".

في فتوى "الكدّ والسعاية"، يقول ابن عرضون من القرن العاشر الهجري، إن المرأة اذا مات زوجها تأخذ نصف التركة ثمّ الباقي يقسّم إرثاً، وذلك بحكم مشاركتها وسعيها وكدّها في تحصيل هذه الثروة.

بحسب ما يذكر رفيقي، فأن الواقع والعُرف الأمازيغي الذي كانت فيه المرأة تشارك زوجها في جميع أعباء الحياة، وتقاسمه في المشقة والجهد، قد انعكس على الرأي الفقهي السائد، من خلال فتوى ابن عرضون التي قال فيها إن المرأة اذا مات زوجها تأخذ نصف التركة ثمّ الباقي يقسّم إرثاً، وذلك بحكم مشاركتها وسعيها وكدّها في تحصيل هذه الثروة. ورغم أن تلك الفتوى قد أثارت الكثير من الاعتراضات من جانب بعض الفقهاء وقتها، إلا أن المجتمع الأمازيغي السوسي قد تقبّلها، ووضعها موضع التطبيق، بحيث صار معمولاً بها، ونُقلت أحكامها إلينا عبر ألواح جزولة. من بين الفتاوى الشهيرة التي تعود لتلك الفترة ويظهر فيها تأثير العرف الأمازيغي، فتوى الفقيه المكناسي الحافظ أبو عبد الله القوري (تـ 872هـ)، والتي تابع فيها العادة المغربيّة السائدة التي تُقِرّ للزوجة بمساهمتها في أي عملٍ يدرُّ بدخلٍ مالي على بيتها، وهو ما ظهر في قوله: "بأن لا شيء على الزوجة من غزل ونسج وغيره، فإن قامت بذالك متطوّعة فإن للزوج حقّ الانتفاع بذلك وبثمنه، وإن صرّحت بالامتناع عن الخدمة إلا على وجه الشركة في الغزل والنسج أو فيهما معاً وأباح لها زوجها ذلك فلا إشكال في اشتراكهما في ذلك المعمول، أما إذا سكتت وقامت بالعمل دون أن تصرّح بأي وجه من الوجهين قامت به، لا على وجه التطوع أم على وجه الشركة، ثم طالبت بعد ذلك بنصيبها في ما أنجزته على أساس أنها قامت بذلك على وجه الشركة أو الرجوع بقيمة العمل، وأنكر الزوج ذلك، حلفت أنها ما غزلت ولا نسجت إلا لتكون على حظها في المعمول، وإذا حلفت قوم عملها في الكتان والصوف فيكون الثوب بينهما مشتركاً، وكذلك الغزل"، وذلك بحسب ما يذكر محمد المهدي في كتابه "النوازل الصغرى".

استبدال العقوبات المؤذية للجسد بعقوبات ماديّة

وينبّه رفيقي في دراسته، على واحدةٍ من الجوانب المهمّة في فتاوى وتنظيمات الألواح، وهي تلك المتعلّقة بموضوع العقوبات البدنيّة، حيث يلاحظ أن العديد من المقاطع الواردة، قد عملت على تعطيل شتى أنواع العقوبات المؤذية للجسد، واستبدلتها بعقوبات ماديّة، بحيث يؤدّي الجاني مبلغاً من المال لتلافي أثار الأضرار التي تسبّب في إحداثها. فعلى سبيل المثال، ورد أن في بعض الألواح أن "من‭ ‬سرق‭ ‬داراً،‭ ‬نصافه‭ (‬أي‭ ‬عقوبته‭) ‬مائة‭ ‬مثقال‭ ‬للشيخ‭ (‬شيخ‭ ‬القبيلة‭) ‬ولرب‭ ‬الدار‭ ‬خمسون‭ ‬مثقالاً‭ ‬ويردّ‭ ‬ما‭ ‬سرق‭ ‬ويخرج‭ ‬السارق‭ ‬من‭ ‬البلاد‮، ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬السارق‭ ‬غير‭ ‬بالغ‭ ‬‮‬وثبتت‭ ‬عليه‭ ‬السرقة،‭ فيعطي ‬عشرين‭ ‬مثقالاً ‬للشيخ‭ ‬ولربّ‭ ‬الدار‭ ‬عشرة‭ ‬مثاقل‭ ‬ويردّ‭ ‬ما‭ ‬سرق‭ ‬ولا‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬البلدة‮"‬، كما ورد في نصّ أخر أن عقوبة القتل العمد هي مائة مثقال. الآثار التي خلّفتها الألواح لم تقتصر على الجوانب التشريعيّة والقانونيّة فحسب، بل أن بعض الباحثين، قاموا بدراسة بعض تلك الألواح من منظور سياسي، وعقدوا مقارنة فيما بينها من جهة وبين بعض الدساتير الغربيّة الحديثة من جهة أخرى.  على سبيل المثال قام الصافي مؤمن علي، وهو باحثٌ متخصّص في التاريخ والثقافة الأمازيغيّة، بتحليل لوح دوّنته قبيلة "أيت ودريم" في عام 1235هـ/ 1811م، وقد ورد فيه: "الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلاة تدوم بدوام جودك وعطفك، وعلى آله وصحبه الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائك يا رحمن الرحيم، فبحول الله وقوته وتوفيقه عقدنا عقداً ومؤاخاة ومسالمة ومتاركة ومتابعة بين بني وادريم من حد أقطار القبيلة ومن انتسب إليها وانضاف إليها وانتصر إلى أربابها، عقداً يوجب لهم حفظ الدماء والأموال والأعراض، ويوجب رجوع كل شارد إلى وطنه بلطف الله وشفقته على عباده الضعفاء، وأن يقبض الأعيان القريب والبعيد والجانب والأخ بيد واحدة، ويوجب بحول الله أن يكون الجميع يداً واحدة يتواصلون ويتزاورون ويتراحمون ويتوامنون ويتشاورون في محدثاتهم، ويسلكون في مشورتهم الأصلح، ويتصابرون ويتواصون على الفلاح، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويثوبون ويندمون على ما سلف أن صدر منهم من الكبائر والسيئات وقبائح المنكر، ويتعاونون في أمور دينهم ودنياهم على أن يكون اعتماد أمور القبيلة في يد الله ويد أعيانها الآتي أسماؤهم، واتفق رأيهم على ما سيذكر من الأنصاف في كل حادثة، لا قديم إلا الله، وعلى ذلك يكون عرفهم وعرف أعقابهم إن شاء الله، ويكون الأنصاف الآتي على الأثلاث الثلث للمصالح، والثلثان للأعيان، فالله يجعل البركة في رأيهم".

يجب اعتبار التشريعات الأمازيغيّة "تراثاً إنسانياً نادراً، ذا أهميّة كبرى، يجدر المحافظة عليها والعناية بها، بل وتدريسها في كليات حقوق العالم، لكونها تؤرّخ لواقعة تأسيس البشر في حياتهم مجتمعات سياسيّة مدنيّة بالتراضي والإرادة المشتركة، وليس بالسلطة الماديّة أو المعنويّة كما يعتقد أو كما تحكيه الكثير من كتب التاريخ".

بحسب ما يذكر علي، فأن صيغة العقد السابق تقترب كثيراً من الصيغة التي اختارها المهاجرون الأوائل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عقب وصولهم إليها قادمين من إنجلترا، عندما عملوا على إيجاد صيغة لتأسيس مجتمعهم السياسي الأول، ومن هنا يؤكّد الباحث على أن اللوح الأمازيغي قد احتوى على نفس فكرة العقد الاجتماعي التي تمّ التأطير لها في أوروبا على يد جان لوك وجان جاك روسو ومونتسكيو، وذلك على الرغم من البعد المكاني بين أوروبا وبلاد السوس الأقصى. ويعلّق على ذلك التشابه بقوله "ومن هنا تغدو هذه التشريعات الأمازيغيّة "ئمقن" تراثاً إنسانياً نادراً، ذا أهميّة كبرى، يجدر المحافظة عليها والعناية بها، بل وتدريسها في كليات حقوق العالم، لكونها تؤرّخ لواقعة تأسيس البشر في حياتهم مجتمعات سياسيّة مدنيّة بالتراضي والإرادة المشتركة، وليس بالسلطة الماديّة أو المعنويّة كما يعتقد أو كما تحكيه الكثير من كتب التاريخ".

قوانين متحضرة، لكن خاضعة للسلطة الأبويّة؟

مما لا شك فيه أن ألواح جزولة، تمثّل تجربة فكريّة مختلفة في تاريخ الإسلام، حيث استطاع مدوِّنو تلك الألواح أن يدمجوا بين الأعراف والشريعة في صيغةٍ واحدةٍ ذات أبعاد حضاريّة تقدميّة راعت الكرامة الإنسانيّة، ولكن يبقى السؤال المهمّ حاضراً، هل يمكن أن نعتبر أن ما ورد في تلك الألواح، قد عبّر عن روح حداثيّة شبيهة بتلك التي تأثّر بها الغرب في عصور النهضة وما بعدها؟ في الحقيقة، فأن الاعتقاد بكون ألواح جزولة، قد حملت طابعاً حداثياً، هو أمر يحتوي على قَدرٍ كبيرٍ من المبالغة، ذلك أن القراءة العميقة لظروف تدوين تلك الألواح، تبيّن أنها قد كُتبت في ظلّ مجتمع قبلي بعيد كل البعد عن الظروف والتطورات السيسيولوجيّة التي واكبت عصر الحداثة الغربية، فلم تصاحبها ثورة صناعيّة أو فكرية أو علميّة كما وقع في القارّة البيضاء.

"أهم شيء في الأعراف الأمازيغيّة أنها كانت متطوّرة جداً عن محيطها، وفي كونها قد تحرّرت من سلطة النصّ واستيعابها له"

بالإضافة إلى ذلك، فأن إعادة تحليل خطاب تلك الألواح، من شأنه أن يشير بوضوح للسلطة الأبويّة/ البطريركيّة التي استلزمت خضوع جميع الأفراد إليها، وانقيادهم لها بسهولة ويسر، وهو ما يتبيّن في القوانين التي تُلزم السارق أو القاتل بدفع مبالغ ماليّة مخصوصة إلى شيخ القبيلة، رغم عدم كونه من المتضرّرين من الجريمة. كما ينبغي أن نلاحظ أنه ورغم الحقوق الممتازة التي حازتها المرأة السوسيّة والجزوليّة من جرّاء تطبيق قوانين الكدّ والسعاية ومشاطرة الزوج في أموال الأسرة، فأن ذلك لم يحرّرها من حالة الخضوع للمجتمع الذكوري، حيث بقيت المرأة على حالها كعنصر مهمّشٍ في القبيلة الأمازيغيّة. ومن هنا فأن الدكتور محمد عبد الوهاب رفيقي يرى أن الموضوعيّة تقتضي بأن تتمّ دراسة تلك القوانين والألواح في ظلّ سياقها ومقارنتها بما كان حولها في نفس الشروط، لا بما عليه الوضع اليوم وما بلغته القيم اليوم من تطور "نحن نتحدّث عن القرن التاسع عشر، ربما حتى أوروبا لم تحصل على بعض الحقوق... أهم شيء في الأعراف الأمازيغيّة أنها كانت متطوّرة جداً عن محيطها، وفي كونها قد تحرّرت من سلطة النصّ واستيعابها له".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard