نيرفانا التأمُّل أم أورجازم الجنس... أيُّهما أَمتع وألذّ؟

الاثنين 7 يناير 201903:53 م
كانت سنة حافلة لصديقي أ.ع فهو يدخل عقدًا جديدًا من عمره، الثلاثين، ولأول مرة في حياته يُجرِّب الجنس كاملًا، والتأمُّل، يقول أنَّه بعد ممارسة لمدة أسبوع لتقنية من تقنيات التأمل، أحسّ بعودة "روحه" التي كانت له عندما كان في بداية شبابه، قبل قدومه من قريته الريفية إلى القاهرة، وأنّه بدا وكأنّه يشمّ الأشياء، ويستطعم الأكل، وبعدها ببضعة أسابيع قرّر أن يمارس الجنس. "ممكن يكون الموضوع له علاقة بالتأمل، إنّه ادّاني تقدير لنفسي كبير وإني استحق إني انبسط"، ولكنّه كان يريد أن يزيح من على كاهل روحه ضغطًا نفسيًا، "كل ما افتكر إنّي وصلت للتلاتين وأنا لسّة "بكر" بازعل قوي". يقرُّ صديقي بعجزه عن وصف الفرق بين جمال التجربتين، يقول أنَّه دائمًا ما يشعر بعجز في التعبير إذا ما أحسَّ بالراحة والفرَح.

التأمل: "أعياد جنسية" في العقل

"أعياد جنسية" هكذا وصفت باميلا مادسن، وهي طبيبة في مجال العلاقات الجنسية، نشوتها أثناء التأمُّل، وتُفسّر ذلك بأنَّها شعرَت أنَّ النّشوة الجنسية تشبه التأمل، في مقال لها على موقع "سايكولوجي توداي". تقول باميلا مادسن أنَّها حصلت على ورشة تأمُّل اعتبرتها"رحلة شفاء" في مركز شوبرا في سان دييغو مع الدكتور ديباك تشوبرا، وتؤكد أنَّها مارست الجنس في عقلها طوال الوقت، لأنَّها في كلِّ ممارسة للتأمُّل تعيش عيدها الخاص، تمامًا مثل الجنس. وفكَّرَت كم سيكون رائعًا أن تستخدم التأمُّل كأداة علاجية للصحة الجنسية، ولاحظَت أنَّ معظم معلمي الجنس يفعلون ذلك كجزء من إبطاء حركة الأورجازم، فالتأمُّل، كما توصي قرّاءها، هو مدخل مثالي لاختبار الجنس العميق، التأمُّل الناجح والجنس الناجح يبدآن بثلاثة مداخل رئيسية: استرخِ، كن بطيئًا، تواصل مع نفسك. تقول مادسن لو تمكنَّا من مقاربة الجنس مثل التأمُّل بدون سرعة، لو استطعنا أن نلمس بعمق حالة النشوة سنحصل على تغيّرات في "الإدراك الجسدي"، و”نقصان في الوعي الذاتي”، بحسب تعبيرات الباحث جيما أو برين. كيف ذلك؟
التأمُّل هو مدخل مثالي لاختبار الجنس العميق، التأمُّل الناجح والجنس الناجح يبدآن بثلاثة مداخل رئيسية: استرخِ، كن بطيئًا، تواصل مع نفسك.
تجربة التأمل الروحانية أو الجنس الشهوانية تتشاطران حالات متشابهة، نقصان الوعي الذاتي، تغيّرات في الإدراك الجسدي، وانخفاض الإحساس بالألم، وهذا يعني أنها تجارب تؤدي إلى توقف مؤقت للتدفق المستمر لثرثرتنا الداخلية.
تشرح مادسن مقاربتها لنشوتها الجنسية والتأملية، في البداية كلَّما مارسَت التأمُّل أكثر، كانت أكثر قُدرة على الشعور بأنَّها “تذوب”، شخصيتها ووعيها بنفسها يتلاشى، وتعوم في منطقة صافية، لا كلمات فيها، ولا ذكريات ولا آمال ولا مخاوف، عرفَت بعد ذلك من خبراء التأمُّل أنَّ هذه المنطقة يُسمّونها “الفجوة”، وكلما لامَسَت هذا الفراغ، حيث تفقد شعورها بالمكان والزمان يؤدّي إلى “نقصان الوعي الذاتي”، و “تغيُّر الإدراك الجسدي”. وعندما راقبت مادسون حركة الخلايا في العقل أثناء التأمُّل والجنس، صادفَت أنّ نصف الدماغ اليسار يصبح نشطًا في التأمُّل، وعندما تنخرط في ممارسة الجنس ينشط الجزء الأيمن، وكلا الجزئين، اليسار واليمين، إذا نشط وتحرَّك يحدث تأثيرًا مشتركًا، يوقف عقلك عن التفكير، وهذا هو السرّ، عقلنا في حالة ثرثرة طوال الوقت، إن لم يكن مع الآخرين فمع أنفسنا، وعندما نمارس التأمل أو الجنس يتوقف، ممَّا يساعدك على السباحة في "الفجوات"، حالات الوعي العليا، حالات النشوة الجنسية، ممَّا يجعلك مهيّأً في النهاية على أن يتحرَّر إدراكك من حدودك العقلية والجسدية، هنا يحدث ما يُسمّيه البوذيون "الاستنارة"، والمتصوّفة حالة "الفناء". ولفتت الكاتبة إلى أنَّ علم الأعصاب فقير في فهم تلك الحالة، لأنَّه يتجنَّب المناطق “المشبوهة”، يريد أن يبدو منطقيًا وعلميًا ولا يُنعت بالترويج للخرافات، ولكن الآن بات تصوُّرنا عن المتعة أوضح، البركة، المُقدَّسة في التأمّل، أو الآثمة في الجنس، يتشاركان في إدخال حالات سامية وصحية إلى عقلنا.

التأمل والجنس يحررانا من شقاء "الوعي الذاتي"

تجربة التأمل الروحانية أو الجنس الشهوانية تتشاطران حالات متشابهة، نقصان الوعي الذاتي، تغيّرات في الإدراك الجسدي، وانخفاض الإحساس بالألم، وهذا يعني أنها تجارب تؤدي إلى توقف مؤقت للتدفق المستمر لثرثرتنا الداخلية، ولو لدقائق معدودة، نكون قادرين على رؤية أنفسنا بدون الأنا، هكذا تأخذنا نادية ويب، أخصائية في علم النفس العصبي المزدوج، في مقال لها بموقع "ساينتفيك أمريكان". تأخذنا نادية إلى طبقات أعمق في رؤية ما يحدث داخل "أرواحنا" عندما ننتشي بالجنس أو التأمل، تقول أنّ نصف المخ الأيمن، الأكثر نشاطًا بين الناس الذين لا يعانون من الاكتئاب، هو الذي ينشط أثناء التأمل، وكذلك إذا كان الدماغ أبسط وأكثر تعاونًا كعضو حي، أما الشق الأيسر من الدماغ فيضيء أثناء النشوة الجنسية، ما عدا ذلك فهو صامت بشكل مدهش.
ترتبط المتعة في الجنس والتأمل بفقدان الوعي بحدود جسمنا، الأورجازم والتأمل يُذوّبان الإحساس بالحدود المادية، ولكن لكلّ منهما طريقته الخاصة.
سِرُّ الانتشاء الذي نشعر به هو أنّنا تخلّصنا من وعينا بأنفسنا، وتضع نادية يدها على ما تعتبره سر تعاستنا، والقيود التي نشعر بها أثناء الاستمتاع، "الوعي الذاتي". الوعي الذاتي يحوّل أحداث حياتنا المتبعثرة والعشوائية إلى قصص متماسكة وذات مغزى، دائمًا ما نحكيها لأنفسنا أو للآخرين، هو تجربة منظمة واعية وناقدة، ولكنه ليس نزهة، فطوال الوقت تنقسم نفسنا إلى قسمين بسبب الوعي الذاتي، الأول "تيار الوعي"، نختبر الحياة بمختلف ألوانها، والثاني "الملاحظ الداخلي" نقيم تجاربنا، نشعر بالذنب، نقارن أنفسنا بالآخرين، وما عدا ذلك لحظات نادرة نعيشها عندما نذوب ونسمو إلى حالة من "الغموض الصوفي". الوعي الذاتي بات عبئًا ليس فقط في مجتمعاتنا المعاصرة فقط ولكن في معظم الثقافات، يتمّ تخدير العقل بالمخدرات، والكحول، والطقوس المنوّمة مغناطيسيًا، وأحيانًا يصل الأمر إلى الانتحار في الأوقات العصيبة، والتأمّل يوفّر راحة وتحررًا من الوعي الذاتي، ويُعزّز سلوكيات نابعة من "السعادة" بشلّ مناطق المخ المتعلقة بإلقاء الأحكام على الآخرين، والمقارنة، والتخطيط، والتدقيق الذاتي. تلك المتعة العلنية البادية على وجوه المتأمّلين يصحبها تغير عاطفي في النظر إلى أنفسنا، ككائنات بريئة منفصلة عن أفكارنا ومشاعرنا، ممّا يحدّ من أثرها السيىء على مشاعرنا. وترتبط المتعة في الجنس والتأمل بفقدان الوعي بحدود جسمنا، ويتشارك هذا جانبا الدماغ الايمن والأيسر، الأورجازم والتأمل يُذوّبان الإحساس بالحدود المادية، ولكن لكلّ منهما طريقته الخاصة. ما يقوم به التأمل هو أنّه يؤثر في بنية دماغنا، ممَّا يُغيِّر الوعي الذاتي بالجسد عبر تعزيز نشاط في مناطق معينة من الدماغ، تلك المناطق التي تكون نشطة جدًا في محاولات تأمّل أنفسنا بعيون غريبة، أو أثناء التجارب الروحانية المعروفة باسم "الطرح الروحي"، أو الخروج من الجسد، وفي اضطراب غامض عصبي يفتقر فيه المرضى إلى الوعي بشللهم أو عجزهم الجسدي. أمّا نشوة الأورجازم فتعزِّز إحساسك بكونك داخل جسد آخر، وبأن روحك خرجت من جسمك إلى جسم شريكتك أو شريكك، أنت منغمس في التجربة، وبعلاقتك مع الآخر، على عكس نيرفانا التأمّل التي تعزز تجربة التحرر من الجسد، إذ تنطلق روحك في أماكن غامضة ورائعة متحررة من جسدك وعقلك.

أوشو: النشوة الجنسية بداية التأمل

يضع ريد شاه، مدرس في جامعة جواهل ال نهرو بنيودلهي، يده على فرق آخر بين التأمل والجنس في مقال له على "هافنجتون بوست"، فبالنسبة له يعزّز الجنس عافيتنا العاطفية، ولكن النشوة الجنسية تجعلنا جائعين لتجربة "التعالي المستمر"، ولكنّها لا تشبعها، التأمّل هو الطريق الوحيد لتحقيق ذلك، ويقتبس للمعلم الهندي الشهير في الغرب بأنه مرشد الجنس، أوشو، كلامًا يؤكد فيه على القيمة الباطنية لنشوة الجنس، يقول: "اختبار الأورجازم في حد ذاته تجربة غير جنسية، إنه لا يحوي الجنس في ذاته"، ويضيف أوشو: "فهمي الشخصي هو أنّ التأمل خرج ونما من تجربة الأورجازم".
"فهمي الشخصي هو أنّ التأمل خرج ونما من تجربة الأورجازم" أوشو
ويصف الفرنسيون نشوة الجنس بـ" la petite mort  "، وتعني "الموت الصغير" في إشارة لفترة هدوء، وصفاء الوعي، واختبار التجاوز لفترة قصيرة من ذروة التجربة الجنسية. ولايزال هناك تقليد هندي صوفي حول استخدام الجنس كطريقة لتحقيق التنوير، أو الفهم الكلي للكون في نهاية المطاف، ولا تزال النشوة الجنسية أمرًا  لا يُنظَر إليه هناك باعتباره بديلًا عن التأمل.

ما الذي يمنح السعادة بشكل أكبر، الجنس أم التأمل؟

طُرح هذا التساؤل على موقع التواصل المعرفي "كورا"، يجيب بريم بيارا، مُدرّب تأمّل، على هذا التساؤل من خبرته كمدرس دولي لـ"تأمل النفس" لمدة تصل إلى 35 عامًا، يقول أنّه ساعد العديد من الناس من دول مختلفة مثل دبي وبريطانيا وألمانيا والنيبال. يقول أنّ الإجابة هي التأمّل الذي يمنحك سعادة أكبر، التأمّل هو فنّ تحقيق النفس العليا، فأنت عندما تمارس التأمل لا يمكن أن تمارس الجنس، ولكن وأنت تمارس الجنس يمكن أن تمارس التأمل في نفس الوقت، إذا مارست الجنس من أجل المتعة الجسدية، فستمنحك السعادة لبضع ثوانٍ، ولكن إذا أّديت الجنس، وسخرت كل لحظة للتأمل، فإنّها ستحول اللحظة بشكل سحري، وتمنحك سعادة دائمة. أمَّا صديقي أ.ع فله رأي آخر، يقول أنّ الجنس والتأمل يلعبان في منطقة مختلفة في عقله وشخصيته، كلاهما ممتع، ويصيب جسمه بالخدر اللذيذ، ولكن "جرعة الفرحة والمتعة" في التأمّل أعلى، ولكنّه قرر أن يستمر في ممارسة الجنس بشكل منتظم، وأن ينقطع تمامًا عن التأمل ويعود إليه عندما يشيخ، مُبرّرًا ذلك بأنّه يحتاج إلى أن يعيش نمط حياة ضاغطة، ويحتاج إلى الشعور بالتنافس والغيرة، كل تلك المشاعر تلاشت أثناء ممارسته للتأمل، لأنه في النهاية يتولّى مهام إدارية عليا في المؤسسة التي يعمل بها، حيث يسود جو التنافس والضغوط العملية. وتضعنا تلك الكلمات أمام تحدٍ آخر: هل حقًا نريد الاستمتاع، ونسعى إلى الانتشاء؟ هل أنتم قادرون على دفع فاتورته؟ وهل منظومة الحياة التي نعيش فيها تدعم تلك الحالات الإيجابية؟، أم أنَّها تتعارض معها، وتُهدّد نيرفانا التأمّل ونشوات الجنس تلك المشاعر السلبية، من عدم الرضا والسخط الاجتماعي، التي لها مفعول الدينامو في التحقق الاجتماعي والنجاح في أجواء شديدة التنافسية والعداوة. العديد من أصدقائي وصديقاتي الذين تحدثتُ معهم خبروا الجنس كحالة مبهجة من "تخفيف الضغوط" التي تضعها التحديات الاجتماعية، ومهامهم الوظيفية على كاهلهم، وكما قالت لي صديقة، باحثة اجتماعية،33 عامًا، أنّها لا تريد من الجنس أكثر من ذلك، ولا تمارس التأمّل إلّا بالقدر الذي يُخفّف الضغوط من أجل سلامتها الذهنية، ولا تريد الذهاب إلى أبعد من ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard