حسّان بن ثابت... قصة شاعر الرسول "المؤيَّد بروح القدس"

الأحد 6 يناير 201901:14 م
يختزل كثيرون حسّان بن ثابت بلقب "شاعر الرسول"، ويستشهدون بمنزلته عند النبي كدليل على موقف الإسلام المرحب بالشعر والشعراء، لكنهم يهملون الظروف التي أدت لصعوده إلى هذه المكانة دوناً عن باقي الشعراء المسلمين. وُلد حسّان بن ثابت في يثرب لأسرة ذات شأن. والده ثابت بن المنذر من سادة قبيلة الخزرج، أشهر قبائل المدينة مع الأوس، ونشأ نشأة مترفة بين اللهو والخمر وكتب فيهما شعراً، وتُقدر أغلب المصادر التاريخية ميلاده بقبل هجرة النبي إلى يثرب بستين عاماً. شهد حسّان على معارك ومنازعات بين قبيلته وبين قبيلة الأوس التي تنافسها على السيادة على يثرب. وفي هذا الجو من الصراع القبلي تشكلت موهبته الشعرية ليكون رأس حربة في المواجهة، يفخر بانتصارات الخزرج ويهجو الأوس ويدخل في سجالات مع شعرائهم، واتصل بملوك الغساسنة في الشام ونَظَم الشعر في مدحهم وحصل على أعطيات منهم، بل خصصوا له مرتباً سنوياً، ثم اتصل بملوك الحيرة في العراق، وفعل معهم الأمر نفسه. ذاع صيت حسّان ليصبح شاعر يثرب الأول ووصل شعره إلى الشام والعراق، حتى إذا ظهرت دعوة الإسلام وهاجر المسلمون إلى يثرب كان من أوائل أهلها دخولاً في الإسلام، خاصة أن أخيه أوس بن ثابت كان ممَّن بايعوا الرسول في العقبة، وآخى النبي بينه وبين عثمان بن عفان بعد الهجرة. سخّر حسّان شعره لخدمة الدين الجديد. دخل مضمار الصراع بين المسلمين وبين قريش مستخدماً سلاحه البتار الذي شحذه صراع الأوس والخزرج، والاتصال بملوك الحيرة والغساسنة، بين الهجاء والفخر والمدح.

الآلة الإعلامية للنبي

بعد هجرة الرسول وأتباعه من مكة إلى يثرب، كان القرشيون يهجونه، وهجاه كل من ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعمرو بن العاص وضرار بن الخطاب وعبد الله بن الزبعري. لذلك، ظهرت الحاجة إلى شعراء يردّون عنه. دعا الرسول المسلمين إلى هجاء قريش والدفاع عنه، وقال في حديث ورد في صحيح مسلم: "اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من رشق النبل"، وكان هناك ثلاثة شعراء من الأنصار مهيئين للقيام بتلك المهمة: كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت. ويشير مسلم إلى أن النبي أرسل إلى كعب وإلى ابن رواحة ولكن هجاءهم لم يرضِه حتى جاءه حسّان الذي أخرج لسانه من فمه وحركه، ثم قال: "والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم"، فرد النبي: "لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسباً حتى يخلص لك نسبي"، أي حتى لا يصيب هجاء حسّان لقريش نسب الرسول. فذهب حسان إلى أبي بكر وتعلم أنساب قريش وعاد فقال: "يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين". وأورد مسلم كذلك في صحيحه أن حسّان استأذن النبي في هجاء ابن عمه أبي سفيان بن الحارث فقال: "كيف بقرابتي منه؟"، فرد حسّان: "والذي أكرمك لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من الخمير". أصبح حسّان من خاصة الرسول، يهجو خصومه ويرد على شعراء وفود القبائل التي تأتي إليه، ويروي ابن إسحق في "السيرة النبوية" دور حسّان عند استقبال وفود القبائل التي جاءت تلتقي الرسول وتعلن إسلامها بعد دخوله مكة، ومنها قصة بني تميم حين أتوا إلى النبي وقال شاعرهم أبيات فخر، وكان حسّان غائباً فأرسل إليه النبي ودعاه ليجيب شاعر تميم، فدخل معه في مناظرة شعرية انتهت بأن قال أحدهم: "إن هذا الرجل (النبي) لمؤتى، ولخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا" وأسلموا.

هجاء حسّان للقرشيين

تعددت أغراض شعر حسّان بن ثابت بعد إسلامه بين المدح والفخر والرثاء والهجاء، إلا أن الأخير كان أهمها لأنه جاء بطلب وتشجيع من الرسول. وكما وعد حسّان النبي بأن يسله من القرشيين، ركّز في هجائه على صفات الأفراد إذا كانوا من أقارب الرسول، ولم يذكر أنسابهم. فوصف أبي سفيان بن الحارث ابن عم الرسول بـ"القُراد"، وهي الحشرة التي تلتصق بالحيوان، كتعبير عن التصاقه بآل الرسول، فقال: "فالصق مثل ما لصق القُرادُ"، وقال أيضاً عن علاقة أبي سفيان بن الحارث ببني هاشم أهل النبي: "وأنت منوط (متعلق) بهم هجين (غريب)". ورد على هجاء عمرو بن العاص للنبي، فناداه بـ"ابن النابغة" وهو لقب أم عمرو التي كانت من سبايا الحروب، وذلك ليُعيّره بها، وقال فيه: "زعم ابن نابغة اللئيم بأننا لا نجعل الأحساب دون محمد/ قوم ابن النابغة اللئام أذلة لا يقبلون على صفير المرعد (يخافون من صفير المرعوب)". كما استهدف بشعره رؤوس وكبار قريش ممّن عادوا النبي، فقال عن عمرو بن هشام (أبا جهل): "مشوم لعين كان قدماً مبغضاً يبين فيه اللؤم من كان يهتدي"، و"أبقت رياسته لمعشره غضب الإله وذلة الأصل". ونال الوليد بن المغيرة نصيبه، فقال فيه حسّان: "متى تنصب قريش أو تُحصَّل فما لك في أرومتها (أصولها) نصاب... وأنت ابن المغيرة عبد شول (راعي إبل).. وإذا عُد الأطايب من قريش تلاقت دون أنسبتكم كلاب (جد الرسول)". وذهب حسّان مذهباً آخر في هجاء هند بنت عتبة فجعلها "منحرفة تخون زوجها وتقتل الصبيان الذين تحمل بهم من غيره": "لمن الصبي بجانب البطحاء (السهل المنبسط) في الترب ملقي غير ذي مهد؟ نجلت به (أنجبته) بيضاء من عبد شمس صلتة الخد (ملساء الخد).. يا هند إنك صلبة الحرد (شديدة الغيظ)". واستخدم السخرية أيضاً، كما فعل مع قبيلة جذام فقال: "ما أبالي أنب التيس (صاح الماعز) أم نطقت جذام، إذا ما شاتهم ولدت تنادوا أجدي تحت شاتك أم غلام".

مكانته عند الرسول

صارت لحسّان بن ثابت مكانة كبيرة عند الرسول، وظل يشجعه دائماً، وأورد مسلم والبخاري في صحيحيهما عدة أحاديث في هذا الإطار: "اهجهم وجبريل معك"، "هجاهم حسّان فشفى واشتفى"، "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"، "يا حسان أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس". وَصَلَت مكانة حسّان عند الرسول إلى وضع منبر له في مسجده في المدينة يقوم عليه ينافح عن النبي، كما روى محمد بن عيسى الترمذي في "سنن الترمذي". وأورد أكثر من مؤرخ، منهم أبو فرج الأصفهاني في كتابه "الأغاني"، رواية مفادها أن "الملاك جبريل أعان حسّاناً بسبعين بيتاً في مدح الرسول". كما أهداه النبي بيتاً في المدينة ووهبه سيرين القبطية أخت مارية القبطية زوجة الرسول فتزوجها وأنجب منها، وذلك تعويضاً له عن محاولة قتله على يد صفوان بن المعطل بسبب اتهام حسّان له في "حادثة الإفك"، وهجائه له، كما ورد في السيرة النبوية لعبد الملك بن هشام.

"جبان" يهرب من القتال

لم يشارك حسّان في أية غزوة من غزوات المسلمين، وتُرجع المصادر التاريخية ذلك إلى أنه كان "يجبُن"، أي يخاف من القتال. ويتضح ذلك بجلاء في موقف حدث خلال غزوة الخندق يورده عبد الملك بن هشام في "السيرة النبوية". فحين ترك النبي النساء والصبية في صحبة حسّان بن ثابت في حصنه، وكانت بينهم صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول، اقترب من الحصن رجل من يهود بني قريظة الذين كانوا في عداء مع المسلمين، ليستطلع ما إذا كان المسلمون قد تركوا رجالاً لحراسته أم لا، فطلبت صفية من حسّان أن ينزل إلى الرجل ويقتله، فأجابها "ما أنا بصاحب هذا"، أي أنه لا يقاتل، فنزلت صفية بعمود حديدي وقتلت اليهودي، ثم عادت وطلبت من حسّان أن يخرج ليسلب الرجل فتمسك بعدم النزول من الحصن: "ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب".
تعددت أغراض شعر حسّان بن ثابت بعد إسلامه بين المدح والفخر والرثاء والهجاء، إلا أن الأخير كان أهمها لأنه جاء بطلب وتشجيع من الرسول
كانت الحاجة شديدة إلى دور حسّان بن ثابت بعد الهجرة وقبل فتح مكة، للرد على غير المسلمين ممن هجوا النبي، ومخاطبة العرب بلغتهم التي يعرفونها، "الشعر"، إلا أنه بعد ضم مكة واعتناق قبائل العرب للإسلام تراجعت مكانته بشدة
يدافع آخرون عن حسّان ويرون أنه كان يهجو كثيرين، وأنه إنْ كانت فيه صفة الجبن فلماذا لم يعيّره بها أحد في الشعر الموجّه ضده؟ وجمع سليمان بن صالح الخراشي هذه الآراء في كتابه "حسان بن ثابت لم يكن جباناً" مستنداً إلى اختلاف الروايات حول حادثة حصن حسّان، وإلى أن النبي لم يرد عنه أي حديث يستنكر هذه الصفة في حسّان رغم أن القرآن ألصق صفة الجبن بالمنافقين وغير المؤمنين، ويشير كذلك إلى أشعار حسّان التي تهجو أعداء الرسول بقسوة ويقول إنه "لا يتحدث بها جبان"، وإلى تلك الأشعار التي تصف المعارك، ويرى الخراشي أن هذا الوصف الدقيق لا يأتي إلا ممّن شارك فيها.

النبي يأمر بجلد حسّان

كان حسّان بن ثابت بين مَن اتهموا السيدة عائشة بارتكاب "الفاحشة" مع صفوان بن المعطل، في ما يُعرف بـ"حادثة الإفك". وذكر ابن هشام في "السيرة النبوية" أن النبي تلا على المسلمين آيات سورة النور التي برّأت عائشة، وأمر بتطبيق الحد على المتحدثين عنها: حسّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة، فضُربوا. وقال حسّان بعد ذلك الشعر مدافعاً عن عائشة كاعتذار عمّا بدر منه: "حصان رزان (محصنة وعفيفة) ما تزن (تُتهم) بريبة... حليلةُ خير الناس ديناً ومنصبا"، وورد ذلك في صحيح مسلم وسيرة ابن هشام. إلا أن عائشة كانت تأذن لحسّان بزيارتها بعد وفاة الرسول وتضع له وسادة ليجلس عليها وكان قد فقد بصره، وتقول: "فأيّ عذاب أشد من العمى؟ إنه كان ينافح عن رسول الله"، كما ورد في صحيح مسلم.

تراجع مكانة حسّان

كانت الحاجة شديدة إلى دور حسّان بعد الهجرة وقبل فتح مكة، للرد على غير المسلمين ممن هجوا النبي، ومخاطبة العرب بلغتهم التي يعرفونها، "الشعر"، إلا أنه بعد ضم مكة واعتناق قبائل العرب للإسلام تراجعت مكانته بشدة. هذا التراجع بدأ فعلياً بعد حديثه في واقعة الإفك، إذ نُظم الشعر ضده. وأورد ابن هشام أبيات قالها أحد المسلمين في حسّان، مطلعها "لقد ذاق حسّان ما كان أهله، وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح... تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم"، وتعدى عليه صفوان بن المعطل، بل وصل الأمر أن أصبح من المنبوذين يستنكر مَن يجده عند عائشة استضافتها له، حتى بعد أن صار شيخاً هرماً فاقد البصر. وترد أكثر من واقعة في كتب السير والأحاديث لمَن وجدوا حسّان عند عائشة فسبوه واستنكروا زيارته. ولم يعد قوله للشعر في المسجد مرحباً به، إذ يروي مسلم في صحيحه، أن عمر بن الخطاب مرّ بحسان وهو ينظم الشعر في المسجد فلحظ إليه (نظر إليه بحدة)، فقال حسان: قد كنت أنشد وفيه مَن هو خير منك، يقصد الرسول. كما أنه بدخول القرشيين في الإسلام، أصبح شعر حسّان في هجائهم من المنهى عنه، وفق ما يذكر عز الدين بن الأثير في كتابه "أسد الغابة في معرفة الصحابة"، فقد نهى عمر بن الخطاب عن إنشاد شيء منه وقال: "في ذلك شتم الحي والميت وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام". وذكر شمس الدين الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن عبد الله بن عباس كان في مجلس فقدم حسّان فقيل له: "قدم حسان اللعين"، فقال: "ما هو بلعين جاهد مع رسول الله بنفسه ولسانه". ويحتج الذهبي بتلك المقولة كدلالة على اشتراك حسان في غزوات النبي. وروت أغلب المصادر أن حسّاناً توفي بعد تجاوزه المئة سنة من العمر، عام 54 من الهجرة، خلال خلافة معاوية بن أبي سفيان.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard