المدينة تشعّ بالزينة، والبيوت معتمة!

السبت 5 يناير 201903:14 م
إنه يومٌ بيروتيّ مُمطرٌ. زملائي في العمل مدعوّون غداً إلى بيتي لسهرة عشاء. أتحرّك في البيت سعيدة؛ أسمع الموسيقى بصوتٍ عالٍ، وأهمّ بالذهاب إلى المكتب، وها أنا أجد الماء شحيحاً يكاد أن ينفد! خلال إقامتي في بيروت، والتي ليست بطويلة ولا قصيرة، لأوّل مرة أواجه هذا المشكل. كنتُ أسمع فقط بانقطاع الماء. عليّ إذاً أن أتّصل كي يأتي أحدٌ، ويملأ لي خزّان الماء. كيف؟ ومتى سيأتي؟ ومن هو؟؛ تلك أسئلة أدعها الآن، لأنني وكعادتي أريد أن أبدأ اليوم متفائلة، ولا أسمح لشيءٍ أن يعكّر جمال النورِ والنهارِ بسهولة. توقّف المطر، وتخلّل الغيومَ بعضُ أشعة الشمس؛ إنها بيروت! استغللتُ الفرصة، واتّجهت نحو المكتب مشياً على الأقدام. لديّ ما يقارب نصفَ ساعة حتى أصل؛ ما يكفي لأعوّضَ قليلاً عن انقطاعي عن عالم المكالمات الهاتفية؛ تقول لي صديقتي من وراء الحدود البعيدة إن حبيبَها الجديد يتواصل مع حبيبتِه السابقة، فأقول لها: "ولمَ الزعلُ؟ هذا شيء جيّدٌ وسِلميٌّ وإنسانيّ". ضحكتْ وردّتْ كعادتِها: "You are funny". حدّثني صديقٌ عن غضبِه من زميلتِه أثناء العمل، وأنا أنظر إلى الشبابيك الخشبية في الشارع القريب الجميل، ضحكتُ على ما فعلتْ، وقلتُ له: "لك الحقّ أن تكونَ متعَباً، ولكن لمَ الغضب؟" وضحكتُ ثانية على الحكاية، ثمّ ودّعته سريعاً لأنّ ثمة سيارة "فان" كانت قادمة نحوي، وراق لي أن أركبها من بداية الجسر لأنهي بها طريقي نحو "الحمرا". اشتغلتُ قليلاً في المكتب، وقرّرتُ العودة إلى البيت. كان عليّ أن أحلّ هذه المشاكل، بالإضافة إلى تحضيرات عشاءِ غد. رأيتُ في الباحة زميليَّ. حدّثتُهما قليلاً عن الماء والكهرباء. قلتُ مازحة: "المدينة تشعّ بزينة العيد، ولا كهرباء في البيوت!"، ضحكوا، وتابعتُ بإنّي أنتظرهم غداً. ختموا الحديثَ بـ"انتبهي، سيهطل المطرُ بعد قليل" وغادرت. هطلت الأمطار، وأنا أسير مسرعة، مسافة لا بأس بها، كي أشتري الأزهار، ثمّ من هناك أعود إلى البيت بالتاكسي. وكما طهران، يكفي هنا أن تهطل بعضُ قطرات المطر حتى تنقلبَ المدينةُ، وتدخل السيارات يومَ قيامتِها.
نضحك كثيراً على بيروت المزيّنة بالأضواء الملوّنة في كلّ مكان. أقول لهما: "تستخدمون ما يعادل مصروف الصين من الكهرباء لمدّة عام، من أجل زينة العيد في الشوارع، فمن الطبيعيّ ألا تكون كهرباء في البيوت، والأمر في النهاية خيارٌ، ليس بالخطأ ولا الصواب، ليس إلا!".
طلبتُ التاكسي، ولُذتُ تحت بوّابة محلّ على مفترق الطرق، وانتظرتُه؛ لما يقارب نصف ساعة، وهو ضائع، ومتورّط في الزحمة. حاملة باقة الأزهار الكبيرة، أنظر إلى شاشة الهاتف المحمول طوال الوقت وأراقب سيرَه. أشفق عليّ العمّالُ الجالسون بالقرب منّي، وقدّموا لي كرسيّاً. شكرتُهم ولم أجلس، فلم أزل مبلّلة وصامدة! وصل أخيراً، وها أنا في البيت كي أجد بعد قليل أن الكهرباء أيضاً قُطعت. البيت يعيشُ أوقاتاً سيبيرية معتمة، وأنا أنظر من شبابيك البيت إلى الشوارع المشرقة. أُخبر صديقتي بالأمر، فتقول: "تعالي إلى بيتِنا". وأنا نازلة الدّروج الطويلة، سألتُ جاري عن الكهرباء، قائلة إني لم أفهم بعدُ قضية الماء والكهرباء هنا. طمأنني أن الكهرباء لا تنقطع بعد الساعة السادسة مساء. هذا خبرٌ سارٌّ جدّاً، لأنني كنتُ أفكر ماذا إن أتى أصدقائي غداً، وذهبت الكهرباء أثناء العشاء. ذهبتُ إلى بيت صديقتيّ وحدّثتهما عمّا جرى لي اليوم منذ الصباح، قالت صديقتي: لا أصدّق! تعرّفتُ منذ أمس على تطبيق على الهاتف، يظهر لك ساعات انقطاع الكهرباء. ضحكتُ عليه ظهراً حين رأيتُ زميليّ وقلت: "ربما هذا هو التطبيق الوحيد في العالم الذي ليس مسلّيّاً، ولا سعيداً." علمتْني صديقتي كيف أستخدمه، مضيفة أنه: "ليس دقيقاً تماماً، فلا يمكن أن تعتمدي عليه وحسب؛ إنكِ في لبنان!" ضحكنا كثيراً على بيروت المزيّنة بالأضواء الملوّنة في كلّ مكان. قلتُ لهما: "تستخدمون ما يعادل مصروف الصين من الكهرباء لمدّة عام، من أجل زينة العيد في الشوارع، فمن الطبيعيّ ألا تكون كهرباء في البيوت، والأمر في النهاية خيارٌ، ليس بالخطأ ولا الصواب، ليس إلا!". وخبري الأخير لهما أني في سياق إضاعتي المستمرّة لأغراضي، أضعتُ قطعة ذهبية قديمة وعزيزة علي، تحبّها أمّي، اتفقنا على أنها هدية عيدٍ لحياةٍ أخرى، واقترحتُ أن اكتبَ هذه المقالةَ، وأطلب من مصوريّ المفضّلين أن يصوّروا بهواتفهم المحمولة زينةَ العيد في بيروت. وها هي صورهم الجميلة منشورة هنا. أشكرهم، وكلّ عام وأنتم بخير.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard