الشرق الأوسط في 2019... عن خيارات مناهضي نفوذ إيران في منطقة تشهد حضوراً أمريكياً أقل

الخميس 10 يناير 201905:27 م
انتهى عام 2018 بقرار "غير متوقّع" اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأمر فيه بسحب القوات الأمريكية المنتشرة في شمال شرق سوريا. لم يأتِ هذا القرار بلا سياق، فترامب لطالما صرّح بأنه لا يريد لقوات بلاده أن تخوض "حروب الآخرين"، ولكنه لم يكن متوقَّعاً لأن القوات الأمريكية المنتشرة في مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية "رمزية" إلى حد بعيد وقوامها نحو 2000 عنصر فقط، ووجودها هناك لم يكن بغرض خوض حروب أكثر مما كان بغرض ترسيم مناطق نفوذ. في رأس ترامب كانت تدور أفكار كثيرة قبل اتخاذ هذا القرار على رأسها رغبته في الظهور بمظهر الرئيس الذي يرفض أن تسيل دماء أمريكيين خارج حدود الولايات المتحدة، وتعقيدات العلاقة بتركيا الأطلسية التي تتقارب منذ سنوات مع الروس... ولكن محلياً، يبقى الأثر الأول لما فعله هو توجيه رسالة غير مقصودة ولكنّها صاعقة ومفادها: لا يمكن الاعتماد على واشنطن ولا الركون إلى تحالف طويل الأمد معها. لم يستعصِ فهم هذا الدرس على القوى الكردية السورية لذلك سارع الناطقون باسمها إلى إطلاق تصريحات لا يمكن فهمها إلا على أنها ارتماء في أحضان روسيا والنظام السوري. كان الأكراد السوريون قبل ذلك يظنّون أنهم استثناء، ولم يتعلّموا الدرس الذي تعلّمه أولاد عمهم في العراق، عندما دخلت القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي (إيرانية الهوى) إلى كركوك في أكتوبر 2017: أمريكا لا تحمي حلفاءها ويمكن أن تتخلى عنهم في أية لحظة. في هذا بعض التبسيط ربما، لأن حلفاء أمريكا المحليين يريدون من دعم القوة العظمى أن يكون مطلقاً وكأن الطرفين متساويان في حلف أشبه بأحلاف العصابات (على الحلوة والمرّة). هذا ما وقعت فيه القوى الكردية العراقية الداعمة لاستفتاء استقلال إقليم كردستان العراق، عندما لم تفهم إشارات رفض واشنطن لإجرائه، ولم تقدّر أن لعنادها تبعات على الأرض. ولكن أكراد سوريا لم يرفضوا أي طلب، وأيضاً جرى التخلي عنهم. الصفعة التي تلقّاها أكراد العراق جعلتهم يفهمون أن واشنطن ضرورية لهم كحليف عام، ولكن في التفاصيل عليهم أن ينسّقوا تحركاتهم ومواقفهم مع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وهذا ما فعلوه بعد الانتخابات النيابية العراقية الأخيرة، أثناء التجاذب حول تحديد الكتلة الأكبر، عندما لم يدعموا المتململين من نفوذ إيران في العراق وبقوا على الحياد بانتظار نتيجة العمل الإيراني على "ترتيب البيت الشيعي". مواقف أكراد سوريا المستقبلية ستُتّخذ تحت ظل الخبرة المستفادة من قرار ترامب وهذا سيفتح الباب أمام "خصوم" أمريكا المفترضين لتوسيع نفوذهم ولتكون لهم اليد الطولى في رسم مستقبل الشرق الأوسط.

ترامب على خطى أوباما

لم تُعجب مقاربة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الشرق الأوسطية بعض الأنظمة العربية لأنه رفض تنفيذ سياساتها، تماماً كما لو أنها طفل يدور حول والده طالباً منه معاقبة ابن الجيران الذي ضربه. لم يعمل أوباما على إسقاط النظام السوري، ووقّع الاتفاق النووي مع إيران، وهو اتفاق خفّف من العدائية بين الدولتين وضخ الأوكسيجين في رئتي نظام الملالي، ولم يدعم "التحالف العربي" في حربه في اليمن كما اشتهى السعوديون. لذلك هللت هذه الأنظمة لدونالد ترامب "القوي". ولكن ماذا جرى بعد سنتين من دخول ترامب إلى البيت الأبيض؟ سوريا عادت إلى حظيرة نظامها ولم تساهم دماء نصف مليون شخص في أي تغيير، اللهم إلا إدخال موسكو، خصمة واشنطن، إلى الشرق الأوسط. وفي اليمن، تثبتت قاعدة أن لا حلّ يُبنى على أساس هزيمة الحوثيين الشاملة. وفي الأزمة الخليجية، لم تتخلَّ واشنطن عن الدوحة. لم يبقَ للمهللين إلا حصار ترامب للنظام الإيراني، وهو ليس أمراً بسيطاً في حساباتهم، ولكن باقي المجريات ستقودهم رويداً رويداً إلى كسر الحصار على هذا النظام بأنفسهم! فترامب الناظر من بعيد إلى الشرق الأوسط يظنّ أن إيران هي فقط تلك الدولة الكبيرة التي يراها على الخارطة. ولكن الأنظمة العربية تعرف أن إيران لها أسماء كثيرة في كل الدول العربية التي تشهد نزاعات، والعمل مع هذه الأسماء يعني بشكل غير مباشر التواصل مع طهران. خروج الأمريكيين من مناطق النزاعات وتخليهم عن حلفائهم المحليين سيجبر الأنظمة العربية المعادية لإيران على غمس أياديها بوحول تفاصيل يتحكم حلفاء إيران بالكثير من خيوطها، أكان في العراق أو في سوريا، أو في مناطق أخرى. خلاصة الأمر أن جميع الأنظمة العربية الحليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تتعلّم بدورها الدرس الذي يقول إن واشنطن لن تحقق رغباتها، وتأتي هذه الخلاصة في وقت كبّلت السعودية يدها التي تضرب بها خارج حدودها و"حزمَها" بجريمة قتل جمال خاشقجي.

تماس المتنازعين

لم تكسب الأنظمة العربية المناهضة لنفوذ إيران في الشرق الأوسط من ترامب إلا تغريدات حادة رفعت منسوب الأدرينالين في دماء بعض مسؤوليها مرات عدة، ولكن على الأرض: لا شيء. لهذا بالضبط، انتهى عام 2018 بمفاجأة تطبيع الخليجيين علاقاتهم بالنظام السوري من بوابة إعادة سفارة الإمارات إلى دمشق و"استمرار عمل" سفارة البحرين هناك. عرف الخليجيون أن مصالحهم لا تتحقق بالواسطة وعليهم العودة إلى برك وحول المنطقة كما كانوا، وكان الجميع، يفعلون في السابق، ولكنهم عادوا في وقت صار خصومهم المحليون أصحاب اليد الطولى. مناهضو نفوذ إيران لم يعودوا يمتلكون ترف دعم قوى معادية لإيران لتصل إلى السلطة. هذا الخيار انتهى. إذا أرادوا العودة إلى الساحات التي خسروها بإمكانهم تبنّي استراتيجية ذات ضلعين: منع حلفائهم من الانهيار والارتماء بدورهم في أحضان طهران؛ وفتح علاقات مع قوى تربطها علاقات شدّ وجذب مع طهران والاستثمار في ما يمكن تسميته بـ"نطاقات التململ" لإكساب هذه القوى أوراق قوة تسمح لها بإعادة التفاوض حول تحديد علاقاتها بطهران.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard