لقد كان عاماً مليئاً بخيبات الأمل

الاثنين 31 ديسمبر 201803:01 م

لا نزال هنا في لبنان ننتظر هبوط سعر صرف الليرة كما توقع محللون إقتصاديون مطلع الصيف الماضي؛ هبط إقبالنا على كل شيء ولم تهبط الليرة بعد (الحمدلله على الأخيرة). السوق "ميت" – تعبير لبناني يدل على أن الإقبال على الشراء أصبح ضئيلاً، لا أحد يشتري إلا الضروري، وكأن الشعب بأكمله قرر أن يخبىء "قرشه الأبيض ليومه الأسود"، مع التحفظ من نسب "الأبيض" للجيّد و"الأسود" للسيىء، ومع التحفظ من موروثنا الشعبي من الأمثال والوصف الظالم بحق الألوان وأبعادها على قمع البشر.

"منيح إنه أنا وإنتَ بنقبض رواتبنا بالدولار، إذا لا سمح الله صار شي بالبلد، ما رح نتأثر كتير"، هذا الجملة الذهبية التي أرددها لزوجي كلما بدأ الحديث عن هبوط سعر الصرف، عن التخفيضات المخيفة في المحلات التجارية والسوق "الميت"، عن شراء الضروري فقط، وعن ضرورة "التصميد" ولو القليل من رواتبنا المتواضعة. "التصميد" باللبناني تعني الإدخار، ركّزوا معي قليلاً على هذا المصطلح، "تصميد" من صمود، أي إدخار "القرش الأبيض كي نصمد في يومنا الأسود".

ولكن من قال أننا في يومنا الجيّد؟ ومتى ينتهي هذا ليأتي يومنا السيء؟ أليس هذا اليوم الذي نعيشه سيئًا بما فيه الكفاية؟ ربما لا، أنا ما أشعره به صراحةً أننا في أيام "نُص نُص" – لا بد أن هناك أياماً أفضل من هذه، ولا بد أن هناك ما هو أسوأ منها. بالمناسبة، هذا ليس تشاؤمًا، بالعكس، هذا النص محايد جداً، متوازن جداً، يدرك الأشياء على حقيقتها ويسردها، ويدّخر أسوأ ما فينا من مشاعر وحقائق ليومٍ لاحق قد تحتاجون فيه إلى نكهة أكثر تشاؤمية، مثل أغاني أحمد قعبور القديمة، أو مثل "جدارية" محمود درويش، أو فيلم "كفرناحوم" للمخرجة نادين لبكي الذي صوّر أقبح ما فينا. لا، هذا النص ليس هكذا، ولكنه صادم ويخبر الأشياء على حقيقتها: نحن يا أعزائي الجيل المُحمّل بالخيبات الكبرى، وعامنا الذي ينصرم الآن إلى غير رجعة هو عامٌ حافل بخيبات الأمل.

الوضع الاقتصادي كان أفضل أيام الحرب

يروي كثيرٌ من اللبنانيين عاصروا الحرب الأهلية اللبنانية أن الوضع الاقتصادي أيام الحرب كان أفضل من يومنا هذا؛ لا أعرف إذا كان هؤلاء يبالغون في تصوير مدى سوء حال لبنان حالياً، ولكني أشعر أن هناك وجهة نظر – ففي حين تمتلك أعداد لا بأس فيها من الأشخاص الذين ترواح أعمارهم بين الخمسين والسبعين عاماً منازل وأراضيَ وأرصدة في البنوك، لا يستطيع أحد ممن تجاوز الثلاثين عاماً اليوم امتلاك شقة صغيرة خارج بيروت، وحتى السيارات التي نقودها نحن، هذا الجيل، هي بالتقسيط المريح الذي قد يمتد إلى ست سنوات مع فائدة تصاعدية كي لا نشعر بثقلها. وفي حين يحمّل جيلنا الأجيال السابقة أسباب مأساتنا، ترانا لا نحاول جدياً تغيير أي شيء – نحن الجيل المناصر للتغيير ولا يفعله، ننزل للاعتصام أمام سفارات الدول التي مر بها الربيع العربي كتعبيرٍ لائقٍ أننا نساند شعوبها، ولكننا نخاف من التغيير هنا. نحن جيلٌ متوهم بطابورٍ خامس يندس في كل مظاهرة وكل اعتصام ليفسد سلميته ويجره إلى نهاية لا محال منها وهي العودة للتقوقع بأمان في البيت. حتى الاعتصامات نفسها هي فكرة مرعبة لنا كجيل؛ ما هي أجندة الداعين للاعتصام؟ لأي حزب ينتمي هؤلاء؟ ما هي المطالب المُبطنة للاعتصام؟ ماذا لو اندس الطابور الخامس بين المعتصمين؟ في كل مرة، ترانا ننتفض قليلاً، ثم نهدأ كثيراً، وفي نهاية كل شيء، لا شيء يتغير.

قبل أسبوعين أتممت عامي الثاني والثلاثين، لا أمتلك أشياء ثمينة كمن كان في عمري في السبعينات أو الثمانينات. أعيش في شقة مُستأجرة في منطقة لطيفة خارج بيروت، سيارتي بالتقسيط المريح (كما حال كل من هم في جيلي طبعاً)، ولدي بضع مئات من الدولارات في رصيدي في البنك (عم صمدهن ليوم أحتاجها)، وعددٌ لا بأس به من القصاصات التي حلمت يوماً أن تصبح كتاباً يُباع في معرض بيروت الدولي للكتاب – أنا أعتبر نفسي محظوظة على فكرة، فعلى الأقل تزوجت رجلاً آمن بي، يخبرني أنه فخورٌ بي كلما أشعرني أحدهم بالأسى على نفسي على إعتبار أنني لا أمتلك شيئاً، وتحديداً الأطفال الذي يملؤون البيت ويؤنسون وحدتنا أنا وهو، الأطفالٌ الذين يُفترض أن يسندونا "على كبر" كما قالت لي قريبتي قبل أن ترفقها بدعوة "الله يعوّض عليكي". يا إلهي كم هي كريهة هذه الدعوة إذا كانت في غير محلها، من قال لقريبتي أنني خسرت شيئاً ثميناً كي يعوضني الله عليه؟ أترون، هذا نصٌ ليس تشاؤمياً، على العكس، إنه شفافٌ تحتاجون لمثله مع نهاية العام.

لا، هذا النص ليس هكذا، ولكنه صادم ويخبر الأشياء على حقيقتها: نحن يا أعزائي الجيل المُحمّل بالخيبات الكبرى، وعامنا الذي ينصرم الآن إلى غير رجعة هو عامٌ حافل بخيبات الأمل.
في حين يحمّل جيلنا الأجيال السابقة أسباب مأساتنا، ترانا لا نحاول جدياً تغيير أي شيء – نحن الجيل المناصر للتغيير ولا يفعله، ننزل للاعتصام أمام سفارات الدول التي مر بها الربيع العربي كتعبيرٍ لائقٍ أننا نساند شعوبها، ولكننا نخاف من التغيير هنا.
الأطفالٌ الذين يُفترض أن يسندونا "على كبر" كما قالت لي قريبتي قبل أن ترفقها بدعوة "الله يعوّض عليكي". يا إلهي كم هي كريهة هذه الدعوة إذا كانت في غير محلها، من قال لقريبتي أنني خسرت شيئاً ثميناً كي يعوضني الله عليه؟ أترون، هذا نصٌ ليس تشاؤمياً، على العكس، إنه شفافٌ تحتاجون لمثله مع نهاية العام.

أريد لبنانَ آخر

أتممت عامي الثاني والثلاثين وأنتظر بشغف العام المقبل، فلعله يحمل التغيير الذي أرتقب. لا أريد أن أمتلك بيتاً ولا قطعة أرض، لا رصيداً يفيض بآلاف الدولارات ولا سيارة "آخر موديل". ما أريده فعلاً هو الخروج من الحالة المحايدة  إلى حالة أكثر سعادة وطمأنينة، أرى الناس فيها يضحكون بصدق وليس للهروب من الكآبة التي باتت مرض العصر. أريد لبنانَ غير هذا الذي أعيش فيه اليوم، أريده يشبه اللبنان الذي عشت فيه في صغري؛ الأرض الخضراء المليئة بشقائق النعمان، الأطفال الضاحكون الأشقياء، الجارة التي ما لبثت أن أطفأت النار تحت الطبخة حتى وضعت حصتي في صحن قبل حصتها – لا أريد هذه الجارة التي كانت جارتي ثلاث سنوات وما زلت لا أعرف أسمها، ولا هؤلاء الأطفال الذين يلعبون في موقف السيارات لأن أمهاتهم يخفن عليهم من الغرباء أو الابتعاد عن أعينهن – أريد لبنان أكثر أماناً لأولادي الذين قد أقرر يوماً أن أنجبهم؛ وهل يعقل أن أنجب أنا أطفالاً لا يغادرون الباركينغ؟!

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard