لماذا تحجبنا الرقابة العربية؟ هل يرعبهم الرأي الآخر؟

الثلاثاء 12 مارس 201911:17 ص
نشرت هذه المقالة باللغة الإنكليزية على موقع الـWashington Post في 2 كانون الثاني/يناير 2019. قبل ثماني سنوات، نزل ملايين من الرجال والنساء في العالم العربي إلى الشوارع، مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعيّة. حينها، ظهرت الأنظمة المُهيمنة - التي تشكّلت في مرحلة ما بعد الاستعمار - غارقة في صراعاتها مع الهويات الجديدة من دون أن يكون باستطاعتها لجم مطالب أجيال عصر الفضائيات والإنترنت. وبعدما مارس الحكام العرب على مدى عقود من الزمن الطغيان في حكمهم، فشلوا في الغالب في تسويق حقهم الإلهي الثابت بالبقاء في السلطة بغض النظر عن تهويلهم بالتكلفة التي تنجم عن ذلك.

لرصيف22 قراء يؤمنون بقدرة العقل العربي، وبما يعدُ به، ويدركون بشاعة الطغيان والمجتمع الأبوي والتمييز ضدّ النساء، ويعون عدم جدوى الحكام التابعين والحروب بالوكالة.

انطلاقاً من هذه الأحداث وبأمل كبير بما سيحمله الربيع العربي من تغيير، أنشأنا موقع رصيف22 ليكون فضاءً رقمياً لأولئك الذين يتلّهفون لمعرفة ما يجري من حولهم. وبعد ستة أعوام على إطلاقه، بلغ عدد قرّاء الموقع 12 مليون سنوياً من الدول العربية الـ22 ومن حول العالم، بالاعتماد على ما يزيد عن 150 مُساهِماً ومُساهِمة. وقد نجح رصيف22 في مخاطبة فئة من القراء الشباب المؤمنين بالمستقبل، التوّاقين ليشهدوا تحطيم الأساطير التي قسمتنا طويلاً، طائفياً وعرقياً. قراؤنا مؤمنون بقدرة العقل العربي وما يستطيع تقديمه، كما يُدركون بشاعة الطغيان والمجتمع الأبوي والتمييز ضدّ النساء مع وعي بعدم جدوى الحكام التابعين للخارج والذين يخوضون حروبه بالوكالة. كان جمال خاشقجي واحداً من صحافيين كثر تواصلنا معهم، وقبل سبعة أشهر من قتله، كان قد أصبح مُساهَماً بانتظام في رصيف22. كان يدرك أن كلماته سوف تُقرأ باهتمام فائق في الرياض، فكتب وهو يوقن أنّ كلمات قليلة لديها القدرة على تغيير مسار الخطاب العام، وكفيلة في الوقت ذاته أن تودي بناشرها إلى السجن، أو ما هو أسوأ منه. كانت مقالات جمال بنّاءة، وفي بعض الحالات كانت تدعم أفكاراً معينة قدمها ولي العهد السعودي لمشروع رؤية 2030. ومن "منتدى أوسلو الدولي للحريات" كتب جمال مقالة استثنائية تحدث فيها للعالم العربي بأسره عن قيمة الحرية، وفي مقالة أخرى أعرب عن خوفه من السجن الذي لا يُعتبَر كتدبير عقابي؛ بل كجزء من ضغط سياسي. وقد عبّر باستمرار عن خيبة أمله من وضع حقوق الإنسان في العالم العربي، فكتب عن "اضطراب ما بعد الصدمة" (PTSD) والخوف الذي يعيشه العديد من الصحافيين والمفكرين، وحتى رجال الدين الذين يعلمون أنهم قد يستيقظون ليجدوا أنفسهم في السجن لأي سبب. في أوائل هذا الشهر، ربما كنتيجة رد فعل لم يسبق له مثيل تلا مقتل خاشقجي، أمرت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة العربية السعودية بحجب موقع رصيف22 كواحد من وسائل الإعلام المستقلة التي غطّت القصة باللغة العربية. ومع حجب الموقع خسرنا أكثر أسواقنا فعالية. يُذكر هنا أن تقارير عديدة في رصيف22 تابعت الوضع السعودي على مدى سنوات، ومنها مقابلات مع ناشطين هم الآن في السجن أو في الإقامة الجبرية في منازلهم. وبشجاعة، روى الموقع تاريخ المنطقة وصراعاتها، وذهب أبعد من ذلك فغطى مسار تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإسرائيل والذي يُعتبر بدوره من المحرّمات في وسائل الإعلام المحلية. مع الوقت، أصبحت حدود التعبير أكثر تقييداً، وأصبحت الأنظمة أكثر قلقاً وخوفاً، وهي تصدر قوانين جديدة لتنظيم وتقييد حدود التعبير في وسائط الاتصال الاجتماعي في العديد من العواصم العربية.
وسائل الإعلام المستقلة هي المستقبل الحتمي الذي تخافه الحكومات العربية: مستقبل فيه تسامح أكبر، ومجمعات منفتحة، مستقبل لا تكون فيه الديموقراطية جريمة، مستقبل لا حاجة فيه لأوصياء
الحوار العقلاني هو مفتاح مواجهة التطرف، ووحده المجتمع المدني الفعّال والمدعوم بوسائل إعلام مسؤولة يستطيع غرس القيم الإنسانية في الجيل الجديد التوّاق للحياة.

غطت تقارير رصيف22 النشاطات السعودية على مدى سنوات، وأجرى الموقع مقابلات مع نشطاء هم الآن في السجن، أو في الإقامة الجبرية في منازلهم، وبشجاعة روى تاريخ المنطقة وصراعاتها

في سبتمبر الماضي، تعرّض رصيف22 لضربة كبيرة، فقد حجبت مصر الموقع بعد نشره مقالة عن التنافس والصراع بين مختلف أجهزة المخابرات على خنق وسائل الإعلام المصرية. آنذاك كانت مصر قد حجبت أكثر من 500 موقع اعتبرتها غير مرغوب فيها، بما في ذلك عدد من المواقع الرائدة. على الرغم من حجب رصيف22 في هذه البلدان، فإن التكنولوجيا المتقدمة مثل الخادم الوكيل (البروكسي)، متصفحات الإنترنت الجديدة، نتائج البحث على غوغل غير القابلة للحجب، كما نتائج البحث في يوتيوب، قد خففت من وطأة قبضة هذه الحكومات. وهنا نقول لو أن فيسبوك أتاح للناشرين العرب نفس قواعد "المقالات الفورية" الممنوحة للناشرين في بقية بلدان العالم، فهو سيتيح للقارئ العربي الوصول إلى كل المحتويات الخاضعة للرقابة. حتى يومنا هذا، هناك حفنة من وسائل الإعلام باللغة العربية تعمل بدون أجندة سياسية، مما يترك المتابعين في حيرة وهم يجهدون ليعرفوا أين تقف وسائل الإعلام المستقلة، بينما يُنظر للأخيرة كما لو أنها وكالات أجنبية ذات أجندات خطرة، فالصحافة الاستقصائية مثلاً، سواء كانت عن الفساد أو عن وضع الأقليات، تبدو كفيلة وحدها بأنْ تسم الصحافيين بإحدى صفتين خطرتين: التخوين أو التكفير.

يعيش الصحافيون في رعب من الهجوم عليهم، من السجن، وحتى الخوف من إغلاق وسيلة النشر التي يعملون فيها

يعيش الصحافيون في رعب من الهجوم عليهم، من السجن، وحتى الخوف من إغلاق وسيلة النشر التي يعملون فيها. لم يعد من المفاجئ أن نسمع عن صحافي أو رسام كاريكاتير اعتُقل تعسفياً أو كُسرت يده اليمنى بطريقة مقصودة. هذه المخاطر تأتي مع مهنة الصحافة وتلك حقيقة قبلنا بها منذ زمن، بينما نجد عزاء في معرفتنا أننا في كل صباح نغدو أكثر حصانة مما كنا عليه في اليوم السابق. إني أرى أنّ وسائل الإعلام المستقلة هي المستقبل الحتمي الذي تخافه الحكومات العربية: مستقبل فيه تسامح أكبر ومجتمعات منفتحة، مسقبل لا تكون فيه الديموقراطية جريمة، مستقبل لا حاجة فيه لأوصياء علينا. وأرى أن الحوار العقلاني هو مفتاح مواجهة التطرف، فوحده المجتمع المدني الفعّال والمدعوم بوسائل إعلام مسؤولة ومستقلة يستطيع غرس القيم الإنسانية في الجيل الجديد التوّاق للحياة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard