وفاة الأديب الإسرائيلي عاموس عوز... حكاية رجل "الحبّ والظلام" الذي لم يكفّ عن إثارة الجدل

الجمعة 28 ديسمبر 201807:59 م
منذ "قصة حول الحبّ والظلام" التي أرادها أن تكون سيرة ذاتيّة نشرها عام 2002، لم يتوقف الأديب الإسرائيلي عاموس عوز عن إثارة الجدل في محطات عديدة، كان أبرزها في روايتيه "صندوق أسود" و"يهوذا". تعود سيرة الأديب ومواقفه الجدليّة إلى الواجهة مع إعلان وفاته عن عمر يناهز الـ79 عاماً بعد إصابته بمرض السرطان. وأعلنت فانيا، ابنة عوز، عبر موقع "تويتر" النبأ، قائلة: "مات أبي الحبيب، عاموس عوز، رجل عائلة رائع، مؤلف، رجل سلام واعتدال، اليوم بسلام بعد معركة قصيرة مع السرطان. كان مُحاطاً بمن يحبونه وكان يعرف ذلك حتى النهاية"، مضيفة أن "إرثه الجيّد سيواصل تعديل العالم".
بحوالي 18 مؤلفاً، تُرجم الكثير منها إلى أكثر من 45 لغة مختلفة، ومئات القطع المكتوبة والمقابلات، تناول عوز مواضيع عديدة من تجربة عيشه السابقة في تجمعات "الكيبوتز" السكانية والتي أثّرت كثيراً في شخصيته، إلى مشكلات اليسار الصهيوني والصراع مع الفلسطينيين، مروراً بـ"يهوذا" الإسخريوطي وتبرئته من دم المسيح.

مساحة "التوفيق" على طريقة عوز

مواقفه العديدة، التي تراوحت بين انتقاد إسرائيل و"حبها الشديد" وبين الدفاع عن الفلسطينيين ومعاداتهم في آن، جعلته عُرضة للهجوم من الجانب الإسرائيلي الذي انتقده مراراً لـ"تخطّيه الحدود"، وفي الوقت نفسه مثار جدل لدى الجانب المعادي لإسرائيل. في هذا الجانب، ثمة من رأى لديه جرأة نقدية في مواجهته لإسرائيل لجهة طرح حل الدولتين ورفض الاستيطان، في مقابل تحذير آخرين من طروحاته التي اعتبروها بمثابة تمييع لحقائق تساوي بين الضحية والجلاد، كحال جمع عوس بين حبه لإسرائيل ومعاداته للاحتلال وتأييده لقصف غزة... في أحد حواراته، كان عوز قد تحدّث عن  تأثير تجربته في "الكيبوتز" على شخصيته، وشدّد على الفرق بين عقلية مَن قطنوا فيها وبين المستوطنين الذي يسعون لسلب أراضي الضفة الغربية ويحظون بتمثيل أكبر من حجمهم في السياسة الإسرائيلية. ووضع عوز حدوداً "واضحة" بين انتقاد السياسة الإسرائيلية والعداء للسامية. وفي مقطع شهير له، قال: "إذا جادلت وقلت إن إسرائيل ترتكب جرائم فظيعة في الأراضي المحتلة فإني سأتفق معك. وإذا واصلت وقلت إن إسرائيل ترتكب أفظع الجرائم على وجه الأرض فسأجيبك بأنك تبالغ وأني أختلف معك. وإذا ذهبت خطوة أخرى وقلت إن ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين أفظع مما فعله النازيون باليهود، عندها سأقول لك أن مكانك هو مستشفى الأمراض العقلية. وإذا واصلت وقلت (لذلك لا يجب أن تقوم دولة إسرائيل)، حينها تكون قد تجاوزت كل الحدود…".
منذ "قصة حول الحبّ والظلام" التي أرادها أن سيرة ذاتيّة عام 2002، لم يتوقف عوز عن إثارة الجدل في محطات عديدة... هنا سيرة للأديب ومواقفه الجدليّة بعد إعلان وفاته عن عمر يناهز الـ 79 عاماً
لطالما لعب عوز في مساحة وسطية شديدة الذكاء، وأسهمت اتهاماته بـ"الخائن السافل"، مذ وجد تلك العبارة على جدران منزل والديه في سن المراهقة، في جعله أكثر قبولاً في أوروبا والعالم العربي، لا بل في وصفه بـ"المتمرّد" والترحيب به
وكمثال عن محاولته "التوفيق" بين الطرفين، يمكن العودة إلى ما قاله في إحدى مقابلاته، عام 2017، "لا أعرف ما يخبئه المستقبل للقدس ، لكنني أعرف ما الذي يجب أن يحدث. يجب على كل دولة في العالم اتبّاع الرئيس ترامب ونقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس. وفي نفس الوقت، يجب على كل دولة من تلك الدول أن تفتح سفارتها الخاصة في القدس الشرقية كعاصمة للشعب الفلسطيني".

اتهامات "الخيانة" و"حكاية الحبّ والظلام"

لطالما ووجه عوز، الذي عُرف بتوجهاته اليسارية، بتهم من المتشددين في إسرائيل كان أبرزها اتهامه بـ"الخيانة"، وهي ما كان يردّ الأديب الإسرائيلي عليها دائماً بأنها "أوسمة على صدره".
ثمة من رأى لديه جرأة نقدية في مواجهته لإسرائيل لجهة طرح حل الدولتين ورفض الاستيطان، في مقابل تحذير آخرين من طروحاته التي اعتبروها بمثابة تمييع لحقائق تساوي بين الضحيّة والجلّاد
مع ذلك، نعاه الرئيس الإسرائيلي روفن ريفلين قائلاً إن "قصة من الحب والضوء والظلام الآن. حزن كبير ينزل علينا مع السبت القادم. كان أعجوبة أدبية، خالق رائع، وروح هائلة. ارقد في سلام عزيز عاموس كنت تعني العالم لنا". بدوره، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن عوز كان من "أكبر الأدباء في تاريخ إسرائيل… ورغم أن مواقفنا متناقضة حول العديد من المسائل، لكنني أقدّر مشاركته في تاريخ اللغة العبرية والأدب العبري". يُذكر أن سيرته الذاتية، "حكاية الحب والظلام"، كانت تحولت إلى فيلم سينمائي عام 2015، أخرجته الممثلة ناتالي بورتمان. كما حاز عوز، الذي امتهن الصحافة في مراحل من حياته كما كان يُدرّس الأدب في جامعة بن غوريون في بئر السبع، عدداً من الجوائز، وبقي مرشحاً لفترة طويلة لنيل جائزة نوبل للأدب. وكان عوز قد وُلد باسم عاموس كلاوسنر في القدس عام 1939، لوالد ليتواني وأم بولندية. عندما كان في الثانية عشرة من عمره، انتحرت والدته. وبعد سنتين على الحادثة، غادر المنزل لينضم إلى "الكيبوتز" معتمداً اللقب العبري "عوز".

حين برّأ عوز يهوذا من دم المسيح

على الرغم من نشأته في منزل لاديني، عبّر عوز مراراً عن افتتانه بالدين، وقال في مقابلة مع "الغارديان"، إثر نشر كتابه "يهوذا"، إنه بدأ دراسة العهد الجديد في سن المراهقة. وعلّق: "كنت أعلم أنه إذا لم أقرأ الأناجيل، فلن أتمكن من الوصول إلى فنون عصر النهضة أو كتب دوستويفسكي أو موسيقى باخ. وعليه، في المساء عندما يخرج الصبيان للتسلية، وأصبح وحيداً، كنت أنكب سراً على قراءتها... ولقد وجدت راحتي مع المسيح". وكانت "يهوذا" قد أثارت نقاشاً حاداً في الأوساط الثقافية، لا سيما الإسرائيلية، حيث استعرض عاموس "حبه العميق لواحد من أعظم اليهود في التاريخ: يسوع المسيح". بالنسبة لعوز المسيح هو "اليهودي" الذي ساعده خلال سنوات عيشه في الكيبوتز، وسحره بـ"شعره وحس فكاهته ورحمته وعطفه وبساطته". وأثارت طريقة احتفائه بالمسيح فيها صدمة كبيرة، ليس فقط لأنه يهودي إسرائيلي، بل لأنه حارب - وبشدة - في كتاباته دور الاضطهاد المسيحي في دفع اليهودي للبحث عن وطن له. لكن الأبرز في الرواية لم يكن احتفاؤه بالمسيح، بل محاولته تحرير "التلميذ الخائن"، يهوذا، من المسؤولية باعتباره لم يخن المسيح، بل كان "رجلاً أعماه الإيمان وقضمه اليأس، ففعل ما فعله تحت تأثير العشق وإيماناً منه بالمعجزة". عبّر عوز عن "غضبه" من الروايات المتداولة عن يهوذا، رافضاً أن يكون الأخير قد قبض مالاً لقاء الخيانة، أو أن تكون قبلته للمسيح دليل خيانة. وفي ذلك حمّل عوز الرواية المسيحية المعتمدة عن يهوذا مسؤولية "أنهار من الدماء سُفكت، وأجيال كثيرة تربت على الحقد والكراهية، وصولاً إلى محاكم التفتيش والمجازر وربما الهولوكوست".

"خائن سافل"، "متمرّد"... و"خطير"

في روايته الشهيرة "قصة عن الحب والظلام"، روى عوز طفولته في فلسطين وخصوصاً قصة أمه التي وصلت إليها هرباً من الإبادة، وظلّ الرعب يسكنها إلى أن وضعت حداً لحياتها وهي في الـ38 من العمر. وفي الرواية، حين قال إنه "قتل" والده بعد انتحار والدته، فغيّر اسمه من كلاوزنر إلى عوز … بدا كمن يقدّم الأسطورة الصهيونيّة لنشوء إسرائيل في قالب مثالي حميمي منزّه. لكن هذه هي الخطورة، بحسب منتقديه.
لطالما لعب عوز في مساحة وسطية شديدة الذكاء، وأسهمت اتهاماته بـ"الخائن السافل"، مذ قال إنه وجد تلك العبارة على جدران منزل والديه وهو في سن المراهقة بسبب آرائه "الطفولية" آنذاك غير المتماشية مع خطاب الاحتلال السائد، في جعله أكثر قبولاً في أوروبا والعالم العربي، لا بل في وصفه بـ"المتمرّد" والترحيب به. في المقابل، كان هناك من يرى أن عوز يصنع شخصياته بدقة متناهية ثم يحرّرها لتتكلم وتتحرك بشكل مستقل، وهنا يصبح كمجرّد رسول ينقل كلام الشخصيات، وأن كتاباته تقوم على جمالية كبيرة يصفها المنتقدون له بالخبيثة لأنها تُغيّب الذاكرة الفلسطينية. هكذا، حذروا من ذكائه الأدبي الذي حوّل مطالباته بدولة للفلسطينيين إلى أشبه بـ"منّة" منه وليست حقاً لهم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard