هل بدأت الثورة السودانية أخيراً؟

الجمعة 4 يناير 201906:43 م
لم أخرج في موكب 25  ديسمبر، أشعر بالعار لكنني يا أصدقاء معذورة، صناعة الأمل متعثرة ورفع عنها الدعم الشعبي. مثقلة بسنوات عمري التي ترسم شيباً سابقاً لأوانه على منابت شعري. أنا مواطنة عادية بسيطة، ولطالما تابعت إشارات النور في آخر النفق حتى أتحمل تبعات بقاء النظام. متى يظهر جيفارا السوداني؟ متى ينتهي هذا الكابوس الأزلي؟

انتخابات 2010 مؤشر شعبية البشير

في عام 2010، تحمست لفكرة الانتخابات، سجلت مبكراً وحمست أهلي. عندما اقتربت انسحبت عدة أحزاب بمرشحيها، وتصاعدت موجة المقاطعة، تمسكت بمرشحي المستقل ودعمته بينما صوت والدي للنظام! تلك كانت اللحظة التي عرفت فيها أنني عديمة التأثير، أسرتي اختارت البشير، فما فائدة وجودي بينهم؟ ما زالت الحكومة تحظى بشعبية كافية للفوز دون تزوير.

 بداية الأمل قبيل الربيع العربي

قبل ذلك بقليل، أعني قبل انتخابات 2010 وقبل الربيع العربي سمعت الجملة السحرية "إسقاط النظام"، لا أذكر من قالها أولاً لكنها تزامنت مع مجموعات شبابية معارضة. بالتحديد حركة قرفنا (تأسيس 2009)  ومجموعة شرارة  ثم التغيير الآن.
متى ينتهي هذا الكابوس الأزلي؟ 
معهم تحركت المياة الراكدة وبدأ الناس يطربون لحديث الثورة، ما لبثت في فرحي إلا ثوانيَ، فسرعان ما انكمشت تلك المجموعات باعتقال قادتها واختراق صفوفها وصاغ النظام السؤال المعجز الذي صار أحد صمامات الأمان له "من البديل؟". جدل مستمر اخوضه عبثاً مع أصدقاء ومعارف حول البديل، ألم أقل لكم أنني عديمة التأثير؟ تابعت أحداث الربيع العربي، من منطلق إيماني به، تمامًا كما يلتف الناس حول مباريات كأس العالم، سقط بن علي، سقط مبارك ونحن نهلل ونفرح ونرقص. ثم تحوّلت سوريا إلى حرب واليمن إلى مجاعة ودمار. تساءلت من نشبه؟ ما هو أقرب سيناريو لنا؟ ترعبني الإجابة. ردد النظام "من البديل" قال البعض"داعش" وارتعدت الأطراف. حاولت أن أخبرهم أننا نعاني الحرب منذ عقود واقتصادنا أضعف من سوريا، حجتي لم تقنع أحداً.

سبتمبر 2013

في أيلول/ سبتمبر 2013 كنت خارج البلاد، تابعت البث التجريبي لثورتنا القصيرة المدى عبر الإنترنت. تمكن شباب أصغر مني سناً من التاثير على الشارع، لكنهم رحلوا. هزني موت مصعب وصلاح سنهوري وهزاع وغيرهم، كما الرصاص والدم في العاصمة، لا بد أننا لن نسكت. جهزت نفسي للعودة للمساهمة في اقتلاع النظام، لكننا سكتنا وتملك الخوف منا. القمع الذي وجهت به المظاهرات قادنا لجحورنا كفئران مرتعبة. المكسب الوحيد من سبتمبر كان أن النظام فقد كامل الشرعية، فوالدي، لن يصوّت للبشير في انتخابات أخرى.

27 نوفمبر 2016 العصيان المدني

في نوفمبر كنت هنا، هذه المره تحمست، لأن المخاطرة صغيرة فقط، بأن لا تذهب للعمل. المنظمون شباب، هذا أفضل، فمن يريد قائداً متقلب الهوى كالصادق المهدي  والمرغني أو أياً من الأحزاب السياسية القديمة على أي حال؟ شاركت في العصيان المدني ثلاثة أيام كما كان مقرراً له، عجزت فيها عن التأثير على دائرتي الصغيرة؛ إثنان من أصدقائي المقربين اعتذرا بأنهما لا يستطيعان ترك الوظيفة ليوم واحد. عمي المعارض هزء مني ومن جيلي العابث وفتح عيادته دون اكتراث. أكرر لكم كم أعجز عن التأثير على أقرب المقربين! نجح العصيان جزئياً لكننا لم نجنِ الكثير من نوفمبر، هو حماس تصاعد إلى عروقنا ثم تلاشى. ماذا نحن فاعلون؟ إعادة سبتمبر يعني دماء وحل نوفمبر لم يفلح، يبقى لي الدعاء بأن ينتفض الجميع! مرفق بشعور يأس خانق.

يناير 2018

نظم تلك المسيرة الحزب الشيوعي، ترددت في المشاركة، من جهة أتساءل حول ما الخطوات التالية ومن أثق بهم بكونهم لم يضعوا يدهم في يد النظام. كما توقعت، أسفر جهدهم عن سلسلة اعتقالات جديدة. بملل أعدت نشر نداءات الإفراج عن المعتقلين.

منتصف ديسمبر 2018

كيف أخاطب الأمل داخلي بعد تواتر الخيبات؟ فقدته تماماً. أفكر بنفسي فقط، كيف أحصل على رغيف كافٍ لليوم؟ أين أقصر صف لسحب النقود من الماكينة؟ أين أجد وقوداً لسيارتي دون أن امضي خمس ساعات؟ ومن يحول لي الدولار لجنيهات بأعلى سعر؟ صدقاً، معاناتي أقل ولن أشغل بالي بالبقية خاصة من لا يهتم. راتبي بعملة أجنبية ويمكننى السفر خارج البلاد لأجلب حاجاتي والكماليات، بإمكاني أيضاً مساندة أسرتي الممتدة مما يبعث داخلي شعوراً طيباً بالرضى عن النفس.
لم أخرج في موكب 25  ديسمبر، أشعر بالعار لكنني يا أصدقاء معذورة، صناعة الأمل متعثرة ورفع عنها الدعم الشعبي. مثقلة بسنوات عمري التي ترسم شيباً سابقاً لأوانه على منابت شعري. أنا مواطنة عادية بسيطة، ولطالما تابعت إشارات النور في آخر النفق حتى أتحمل تبعات بقاء النظام.
تابعت أحداث الربيع العربي، من منطلق إيماني به، تمامًا كما يلتف الناس حول مباريات كأس العالم، سقط بن علي، سقط مبارك ونحن نهلل ونفرح ونرقص. ثم تحوّلت سوريا إلى حرب واليمن إلى مجاعة ودمار. تساءلت من نشبه؟ ما هو أقرب سيناريو لنا؟
الموكب كان صادماً، كأنما عادت الدماء للعروق، من شباب وفتيان، نساء وفتيات، أطباء، صيادلة، محامين بياطرة وموظفين. تجمعُ المهنيين نسّق لأكبر حدث في تاريخ الخرطوم في العشرة أعوام الأخيرة، هذا ما أخبرني به من خرجوا، بل مجرد العدد يوحي لي أنها اللحظة التي يبدأ فيها سقوط النظام. لقد عاد الأمل!

موكب 25 ديسمبر

بداية الموسم الحالي من مسلسل محاولات الثورة السودانية كان من مدينة عطبرة. مدينة العمال فاجأتني، تضاعف سعر رغيف الخبز ثلاث مرات، خرجوا من المدارس والأحياء بأمر لحظي، دون تخطيط. بعد ساعات أشعل المحتجون النيران في صومعة النظام هناك، مشهد سريالي لاحتراق سريع لعمارة قبيحة المنظر تمثل رمزاً لما هو آت، إزالة القبح، نمت مضطربة، إلى أين نسير؟ في اليوم التالي، استيقظت ممتعضة، وامتنعت عن التعليق على الأحداث، هذه هبة غضب ستزول بزوال المسبب. بالفعل سارع النظام لخفض سعر الرغيف، لكن شعبي تفجر مدينة هنا ومدينة هناك، شرقاً وغرباً وفي الوسط وداخل الخرطوم. أم روابة، عطبرة، الرهد، كوستي، القضارف الصور تتوافد وقلبي بين مصدق ومكذب. تمت دعوتي ككل أبناء الوطن للمشاركة في موكب لتسليم مذكرة تدعو الرئيس للتنحي، هذا هو مطلبي منذ 2010 "إسقاط النظام"، لا شيء أقل. لكنني كما أخبرتكم سلفاً، لم أذهب، شككت رغم ما حدث في عطبرة والقضارف، رغم المظاهرة ليلة مباراة الهلال التي شغلت محلية امدرمان. الموكب كان صادماً، كأنما عادت الدماء للعروق، من شباب وفتيان، نساء وفتيات، أطباء، صيادلة، محامين بياطرة وموظفين. تجمعُ المهنيين نسّق لأكبر حدث في تاريخ الخرطوم في العشرة أعوام الأخيرة، هذا ما أخبرني به من خرجوا، بل مجرد العدد يوحي لي أنها اللحظة التي يبدأ فيها سقوط النظام. لقد عاد الأمل! "حرية.. سلام.. وعدالة... الثورة خيار الشعب".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard