من أجل قصة هذه السفينة الغريبة سافرتُ!

الخميس 27 ديسمبر 201805:09 م
نزلتُ من السفينة، وكنتُ مازلت منتشية بحركةِ السفينة على الأمواج. كانت عيناي مازالتا ترى كلَّ الأماكن مموّجة، من كُثر ما حدّقتُ بالأزرقِ الممتدّ أمامي دون نهاية. أول سببٍ لسَفري من تالين في ستوني إلى ستوكهولم في السويد كان زيارة متحف "سفينة فاسا"؛ السفينة التي غرقت قبل قرون، وقبل أقلّ من خمسين عامًا فقط سحبوا بقاياها من تحت المياه. الطريق من المرفأ حتى المتحف يستغرق نصف ساعة بالحافلة. كان قلبي يخفق مثل فتاة بالغة سنّ الرشد ذاهبة إلى موعدها الغراميّ الأول. حين ألِف سمعي وبصري الجوَّ، نهضتُ، وجررتُ حقيبتي خلفي. تذكرةُ الدخول إلى المتحف كانت تبلغ 130 كروناً. قلتُ لنفسي: يستحقّ ذلك، بل يستحقّ أيّ مبلغ آخر. أخذتُ التذكرة، ووضعتُ الحقيبة في صندوق كبير كان قد وُضع هناك لهذا الغرض، وفكّرت مع نفسي أنه يسعني أنا أيضاً، وتهادى إلى جفنيّ شعورٌ لطيف بالّنعاس! ذهبتُ فارغة البال إلى غرفة المعلومات، وجمعتُ كلّ ما هناك من كاتالوغات تخصّ فاسا، وعدت. ما إن رفعتُ رأسي إلى الأعلى حتى شاهدتُ هيئة فاسا الرجولية منتصبة أمامي. رهبَتُها لم تمّحِ، ورغم أنها نامت لسنوات طويلة في قعر المحيط، لم تفقد هيئتها الرجولية أبداً. سقطت الكاتالوغات من يدي دون إرادة؛ فلم أستطع تحاشي النظر منها، ولو للحظة واحدة. كنتُ هناك بعد فترة طويلة من الانتظار؛ أمام السفينة الحربية التي قبِلَ بو صيدون أن تعود إلى مكانها بعد مرور قرون. رُميتُ إلى عدّة قرون قبل اليوم، وعادت الأصوات إلى أذني؛ صخبُ الحماس والتوتّر، تلاطم الأمواج الكبيرة، سُكْر الملّاحين وشوقهم، أولئك الذين لم يفكّروا أبداً أنّ أضخم السفن البحرية وأشدّها استحكاماً ستغرق بعد عشرين دقيقة، وستصبح سريرَ نومهم الأبدي.
كانت حكاية فاسا قد بدأت في يناير عام ١٦٢٥، حين عقد الملك السويدي، غوستاف الثاني، اتفاقاً مع أستاذ صناعة السفن الهولندي بخصوص صُنع أربع سفن بحرية، وكانت فاسا واحدة منها، بل أكبرها. وبعد ذلك بعامٍ واحد، بدأت صناعة فاسا، لكنّ أستاذ صناعة السفن البحرية الذي كان يعاني من المرض في بداية صناعتها، مات، وخُوّلت الصناعة بعد موتِه إلى مساعدِه.
في غرفةٍ أخرى، تلوح  على الجدار خريطة إسكندنافيا في القرن السابع عشر، وتماثيل شمعية تشبه أناساً من تلك الحقبة. وقد غُطّي جدارٌ من تلك الغرفة بزجاج ليكون نافذةً مطلّة على البحر. وهناك عند المرفأ، عدّة قوارب صغيرة وكبيرة كانت تنتظر أدوارَها للرحيل. محدّقة بشوقِ أشرعةِ القوارب في الرّيح، كنتُ أراقب ألا ترى فاسا هذا المشهد!
كانت حكاية فاسا قد بدأت في يناير عام 1625، حين عقَدَ الملكُ السويدي، غوستاف الثاني، اتفاقاً مع أستاذ صناعة السفن الهولندي بخصوص صُنع أربع سفن بحرية، وكانت فاسا واحدة منها، بل أكبرها. وبعد ذلك بعامٍ واحد، بدأت صناعة فاسا، لكنّ أستاذ صناعة السفن البحرية الذي كان يعاني من المرض في بداية صناعتها، مات، وخُوّلت الصناعة بعد موتِه إلى مساعدِه. اكتملت السفينة صيف عام 1628. طولها كان يبلغ 69 متراً، وارتفاعها 50 متراً؛ لها 10 أشرعة، 64 أنبوب مدفعي، 120 طنّاً من أثقال التوازن، ومزيّنة بمئات من التماثيل والأنصاب. كانت "فاسا" في الحقيقة أروع سفينة حربية صُنعت حتى ذلك الوقت، ولكن، كان ثمة نقص واحد فيها: لم تكن محكَمة وقويّة، بسبب التغييرات العديدة التي أُجريَت عليها. وفي النهاية، في 10 آب 1628، عندما كانت فاسا غادرت الميناءَ سائرة في رحلتها الأولى، هبّت عاصفة، وزلزلت توازنَ الأشرعة. تسرّبت مياهُ البحر إلى السفينة من الثقوب التي كانت قد وُضعت من أجل أنابيب البندقيات، والسفينة المسكينة التي لم تحتمل ضغطَ المياه والرّياح، غرقت في البحر خلال بضع دقائق. ألقوا اللومَ كلّه على الصانع، لكنه كان قد مات منذ عام، ولم يكن هناك حاضراً ليدافعَ عن نفسه، فأُغلق الملفّ. رغم ذلك لم تكن تلك نهايةَ حياةِ فاسا؛ فالسفينة التي لم تشهد حرباً، ولم تطلقْ ناراً، ولم تتركْ أيَّ ذكرى عظيمة لأناسٍ صنعوها من أجل الحرب، لم تذهبْ عن الأذهان. بعد ذلك الحدث، حاولوا مراراً أن يسحبوها من تحت الماء، ولكن دون جدوى. ولم يفكّر أحدٌ في أنّه قد تفضّل السفينةُ البقاءَ في قعر البحر! وهكذا بقي الحال إلى عام 1961، حين استطاع أخيراً فريقٌ أن يسحبَ فاسا من تحت المياه بعد عشرات من السنين. كان يُبثّ في المتحف فيلم إخراجِ فاسا من البحر. شاهدتُه مرّتين من البداية حتى النهاية، وكلّ مرّة نزلت الدموع من عيني. كان يُبثّ في غرفة أخرى فيلمٌ لإعادة تركيب مشهد غرق السفينة. شاهدتُه أيضاً، وكلّما كان يصل إلى مشهد المرأة بثيابٍ من الحرير وهي تغطس وتغرق في البحر دون أيّ مقاومة، كنتُ أمسح خدَّي. لم أعرف لكَم ساعة مكثتُ في غرفة الفيلم، لكنّ الوقت في متحف فاسا لم يكن يمرّ. كان الناسُ أشبهَ بأرواحٍ تطوف حول فاسا. "ما أعظمَها!"، قلت فجأة بصوتٍ عال. كنت أحبّ أن ألمسَها. جلتُ بنظري حتى تتبيّن لي طرقُ المتحف. كانوا قد حفروا وسط المتحف حتى يضعوا السفينةَ هناك. من حيث كنت واقفة، كانت هناك درجاتٌ تنزل إلى الأسفل حتى تلمسَ السفينة، وصفّان آخران من الدرجات يصعدان حتى تستطيعَ مشاهدةَ الطوابقِ العُليا منها، وتقترب من أنفِ السفينة والحبال الشامخة. في الطوابق التي تدور حول السفينة كانت قد وُضعت الأدوات الخاصّة بها، بما فيها أنواع من الحبال والصنانير، مخازن الماء والأكل، مطبخ السفينة وأماكن الاستراحة. كلّ شيء مهيّأ هنا حتى يصاب الإنسانُ بالماليخوليا. في غرفةٍ أخرى، تلوح  على الجدار خريطة إسكندنافيا في القرن السابع عشر، وتماثيل شمعية تشبه أناساً من تلك الحقبة. وقد غُطّي جدارٌ من تلك الغرفة بزجاج ليكون نافذةً مطلّة على البحر. وهناك عند المرفأ، عدّة قوارب صغيرة وكبيرة كانت تنتظر أدوارَها للرحيل. محدّقة بشوقِ أشرعةِ القوارب في الرّيح، كنتُ أراقب ألا ترى فاسا هذا المشهد!   کُتبت هذه المقالة بالفارسية، ولصالح رصيف22، وترجمتْها إلى العربية مريم حيدري.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard