"صفرجت!": احتجاجات بلهجة السودانيّين وأصواتهم

الجمعة 28 ديسمبر 201812:13 م
تتجه الاحتجاجات في السودان، التي انطلقت في 19 كانون الأوّل/ ديسمبر الجاري - يصادف يوم العلم السوداني - إلى مرحلة جديدة ما بعد موكب 25 ديسمبر الذي نظمه “تجمع المهنيين السودانيين” متوجهاً للقصر الجمهوري، في مطلب بالتنحي الفوري للرئيس عمر البشير، هذه المرحلة لا يمكن وصفها فقط بكسر حاجز الخوف بالنسبة للجماهير، بل هي نوع من التصميم الذي اعترى المشاركين في الاحتجاجات بمواصلة الاحتجاج بكافة الوسائل في سبيل إسقاط النظام، وفقاً للهتافات والشعارات التي نادت بها المظاهرات، التي تتواصل فعلاً حتى الآن.
وعلى الرغم من أن الموكب لم يتمكن من بلوغ القصر الجمهوري نتيجة للقمع العنيف وآلاف الحشود من القوات، فقد أخذت المحتجين بهجة بمشاهد البطولة والتكاتف، وهم يخترقون حواجز الأمن، ويتجاوزون قنابل الغاز والرصاص الحي. هذا الشعور بالانتصار الجزئي تكوّن منذ بدء الاحتجاجات في يومها الأول وتعزز في موكب القصر الجمهوري، وهو مضاف إلى عوامل أخرى تدفع بعزيمة هذه الاحتجاجات، أبرزها القناعة الراسخة لدى معظم السودانيين بأنه لا سبيل لاحتمال تدهور الدولة أكثر من ذلك، وأن الاحتجاج، بكل ما يحمله من مخاطر مثل الاعتقال والقتل، خيار مفضل على ضنك الحياة، الذي سببته سياسات النظام، العاجز عن تقديم الحلول لها، وأن عمر النظام نفسه قصير لكن البديل سيكون استمراراً للاستبداد إن لم تتحرك الجماهير. وتعبيراً عن هذه القناعة فإن الاحتجاجات اُستبقت بحملة تهكمية على وسائل التواصل الاجتماعي، أطلقها ناشطون مستقلون، تقول ما معناه أن النظام انتهى، باستخدام كلمة “#صفرجت” كهاشتاغ، وصفرجت هي لعبة شعبية سودانية تلعب على التراب أو الرمال برسم مربعات توضع فيها حصى لكل لاعب، ويقال للخاسر صفرجت بما معناه في المفهوم الشعبي “انتهت” أو “أن أمرك انتهى” فقد خسرت، وبكل الدلالات التي تحملها هذه الكلمة فقد كانت أحد حوافز التعبئة وأكثرها انتشاراً لانطلاق الاحتجاجات.ورغم أن الغطاء السياسي للاحتجاجات من قبل تكوينات المعارضة جاء متأخراً وما زال غير مدعّم بإجراءات سياسية واضحة من قبل هذه التكوينات، فإن الرهان الإساسي في مدى نجاعة هذه الاحتجاجات هو مقدرة الجماهير نفسها على المطاولة في الاحتجاج السلمي وتطوير أساليبه والصمود في مواجهة القمع. ما يعني أن القوى السياسية ستجد نفسها مضطرة لتحقيق استجابة لهذا الضغط الجماهيري غير المسبوق طوال سنوات حكم “الجبهة الإسلامية”، وبالفعل فإن تحالف أحزاب “قوى الإجماع الوطني” وأحزاب “نداء السودان” عقد اجتماعاً مشتركاً قبل يومين من موكب 25 ديسمبر أعلن فيه دعمه للموكب وعمله على الترتيب لاحقاً لعصيان مدني شامل، في حين كانت هذه الأحزاب تتراشق إعلامياً فيما بينها قبل أيام من بدء الاحتجاجات. وبينما الجماهير متقدمة على تحركات الأحزاب، ورغم التداخل الجزئي بين قواعد الأحزاب ومنسقي الاحتجاجات، فإن الوجه الأبرز هو المبادرات الشعبية في الأحياء والمدن، والتكوينات المهنية، مثل الأطباء والمحامين والمعلمين، إضافة إلى الفنانين، والصحفيين الذين بدأوا إضرابات جزئية، وكانوا قد اجتمعوا في موكب 25 يناير، مما زاد من همة التنسيق وصقل التجربة، ودفعها إلى تطور مطرد في التنظيم وابتكار أساليب الاحتجاج ومناورة القوات الأمنية. في المقابل فإن النظام لم يتمكن من تقديم خطاب سياسي يحتوي الأزمة - لو كذباً- ويهدئ من غضب الجماهير، بل واجههم بالقمع والاعتقالات والقتل، وبعد صمت أيام، لم يسمع فيها المحتجون من النظام سوى صوت الرصاص وشتائم أفراد الأمن واتهام حكامات الولايات بالتخريب، استدعى صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات، يوم 23 ديسمبر، الإعلام المحلي والقنوات العالمية لمكتبه، ليوجه انتقادات للجهاز التنفيذي للدولة ويقول إن المحتجين على حق لكن ثمة مخربين مندسين، في خطاب متناقض في بنيته، ويناقض تعامل الجهاز الأمني الذي يترأسه مع الاحتجاجات. أُلحق خطاب قوش باجتماع للرئيس مع إدارة الجهاز الأمن والمخابرات قبل يوم من موكب 25 ديسمبر، خرج عن الاجتماع تصريح صحفي مقتضب يعد بتحقيق إصلاحات، توجه الرئيس في اليوم اللاحق إلى عدة مناطق في ولاية الجزيرة ترافقه حشود أمنية كثيفة، محاولاً مخاطبة الجماهير، ولو كانت جماهير زائفة، لكنه لم يتمكن من استكمال خطابه على الهواء مباشرة في أي منطقة؛ قدم وعوداً مقتضبة بإصلاح الأوضاع، وظل يصف المحتجين بالمخربين والعملاء والخونة وذكر كثيراً من الآيات القرآنية وسير الصحابة، في حين كانت الجماهير تهتف ضده في الخرطوم، محاولة الوصول للقصر الجمهوري، بل أن الهتافات طالته وهو على المنصة في المناطق التي ذهب إليها. ماذا تقول هذه المفارقة، التي تبدو درامية؟ ألا تقول إنها صفرجت! لا أدري إن كان البشير يملك أملاً في الوصول إلى انتخابات 2020 التي أصر على الترشح فيها، رغم أن ذلك يخالف الدستور، فهو بذلك يتجاوز دورتين رئاسيتين، فرغب في تعديل الدستور الذي أُقر بناء على اتفاقية نيفاشا للسلام مع جنوب السودان في العام 2005 وبدأتها دوراتها الانتخابية في العام 2010، كما أن بعض القوى السياسية المعارضة التي نوت المشاركة في انتخابات 2020 وأعلنت ذلك، في سبيل تحقيق مكاسب سياسية، ستجد نفسها في حرج من هذا التوجه، مع استمرار وتصاعد الاحتجاجات، بل أن بعضها أعلن انحيازه لمطالب المحتجين بتنحي الرئيس وتغيير النظام، أي أن انتخابات 2020 قد تكون أيضاً صفرجت. لا بد من الإشارة إلى أنه مع استمرار الحرب بمآسيها الإنسانية في مناطق النيل الأزرق وجبال النوبة وجنوب كردفان ودارفور، التي تعادل مساحتها تقريباً نصف مساحة البلاد الحالية، ومع استشراء الفساد، واستمرار مظاهر الاستبداد وقمع الحريات، والعزلة الدولية والعقوبات المفروضة على السودان، فَشِل النظام في المحافظة على انسياب السيولة المالية وكبح تدهور العملة المحلية، وتوفير السلع الأساسية ومصادر الطاقة، مما سبب شللاً مستتراً في حركة الاقتصاد كلها، ولم يتبقَ من شكل الدولة سوى السلطة الأمنية القابضة والسلطة الإدارية المرتبطة على نحو ما بالسلطة الأمنية، وهي السلطة التي بدأت تتنصل من مواجهة الاحتجاجات. فقد رفض محمد حميدتي قائد قوات الدعم السريع مواجهة المظاهرات، قال إن ذلك ليس من مهمات قواته، واستبق خطاب الرئيس بخطاب مباشر أمام قواته قائلاً بأن المخربين هم المسؤولون الحكوميون وتجب محاسبتم هم وليس المواطنين، كما حمى الجيش المتظاهرين كلما احتموا به، بل نشبت اشباكات مسلحة محدودة بين قوات من الجيش والأمن، أثناء المظاهرات، ورفض بعض ضباط وأفراد الشرطة الانصياع للأوامر بقمع المتظاهرين، مما يعني أن الكرت البشير الرابح دوماً، الكرت الأمني، قد يسقط منه في أي لحظة، إن لم يدِر هذه الأزمة بالذكاء والكفاءة المطلوبين، وإلا فإنها صفرجت.
الاحتجاج، بكل ما يحمله من مخاطر مثل الاعتقال والقتل، خيار مفضل على ضنك الحياة، الذي سببته سياسات النظام، العاجز عن تقديم الحلول لها، وأن عمر النظام نفسه قصير لكن البديل سيكون استمراراً للاستبداد إن لم تتحرك الجماهير.
إن الرهان الإساسي في مدى نجاعة هذه الاحتجاجات هو مقدرة الجماهير نفسها على المطاولة في الاحتجاج السلمي وتطوير أساليبه والصمود في مواجهة القمع.
المحتجين كانوا على قلب واحد، وجابهوا الدعايات العنصرية التي بثّها النظام في محاولة للتفريق بينهم، في بلد يشهد صراعاً أهلياً مسلحاً ذا خلفيات إثنية وقبلية، كما كان الرجال والنساء في صف واحد بمشاركة كبيرة من النساء، في بلد فرضت سلطاته السياسية والقانونية والدينية صورة نمطية تقيّد حرية المرأة وتهين كرامتها.
لم يستمع المحتجون لدعوات رجال الدين البارزين في السودان الذين يقولون بأن الخروج على الحاكم حرام، المحتجون سخروا منهم بل أنزلوهم من منابر خطبة الجمعة في عدد من المساجد، ذلك في بلد يحكمه إسلاميون بنظام يصف نفسه بتطبيق الشريعة الإسلامية.
بالعودة إلى الجماهير حجر الزاوية في الأمر، فإن عبارة "صفرجت" تفصح عن وعي استباقي بمآل وهدف الاحتجاجات في نفوس الثوار المحتجين، يضاف إلى ذلك أن الاحتجاجات أنتجت وعياً طارئاً جديداً، مضاداً لحالة تغبيش وتزييف الوعي التي أنتجتها سنوات حكم الإسلاميين، أهمها أن المحتجين كانوا على قلب واحد، وجابهوا الدعايات العنصرية التي بثّها النظام في محاولة للتفريق بينهم، في بلد يشهد صراعاً أهلياً مسلحاً ذا خلفيات إثنية وقبلية، كما كان الرجال والنساء في صف واحد بمشاركة كبيرة من النساء، في بلد فرضت سلطاته السياسية والقانونية والدينية صورة نمطية تقيّد حرية المرأة وتهين كرامتها، ولم يستمع المحتجون لدعوات رجال الدين البارزين في السودان الذين يقولون بأن الخروج على الحاكم حرام، المحتجون سخروا منهم بل أنزلوهم من منابر خطبة الجمعة في عدد من المساجد، ذلك في بلد يحكمه إسلاميون بنظام يصف نفسه بتطبيق الشريعة الإسلامية. هذه العوامل تضافرت لتقدم شكلاً راقياً للاحتجاجات. فقد تعاون المحتجون فيما بينهم  في تحقق نادر الحدوث، سواء في المحافظة على الممتلكات العامة، أو في حماية بعضهم من الاعتقال والقتل، والإسعاف للمستشفيات. كما أن هذه العوامل تحمل جذور وعي كامن بالتغيير، قد يتخذ أشكالاً وتعبيرات واضحة لاحقاً، لكنه على الأقل بدأ يتخلّق ويطل برأسه، وعي يقف ضد العنصرية في بلد يحتاج لمعالجة النزعة الإثنية والقبلية التي تنامت حتى دفعت الناس لقتل بعضهم بعضاً، وعي ضد السلطة الدينية الزائفة في بلد حكمه الإسلاميون ثلاثة عقود، ووعي أولي بالمرأة التي يعني الوعي بها تغييراً جوهرياً في بنية المجتمع. وعناصر هذا الوعي التي قد يعد التفكير فيها مبالغا، به، في وقت ما زالت دماء الذين قتلوا في الاحتجاجات حارة، والمعتقلات تئن بمن فيها، والمتظاهرون في كر وفر في الشوارع، فإنها في الواقع هي وحدها التي يمكن أن تشكّل وتمنح الضامن بأن لا يسرق الاحتجاجات وعي مزيف آخر، وعي العسكر المتعطشين للسلطة، أو وعي السياسين المخاتلين، أو يرتد الوعي فيحوّل البلاد إلى فوضى عارمة تمزج بين الاحتمالين السابقين مضافاً إليهما مآلات النزعات الإثنية، وأيضاً التكوينات الحربائية المتوقعة للإسلاميين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard