"قلبه كان يتسع لهموم الجميع وأوجاعهم"... شقيق وأصدقاء عبد الرزاق الزرقي يتحدثون عنه

الخميس 27 ديسمبر 201804:12 م
نهاية حزينة لم تكن في الحسبان. رحل المصوّر الصحافي التونسي عبد الرزاق الزرقي، ابن مدينة القصرين، بإحراقه نفسه. وبرحيله المفاجئ والصادم لفّ السواد مدينته الثائرة التي يؤكد أبناؤها أنها عانت ولا تزال تعاني من سياسات الإقصاء والتهميش. ينحدر "رزوقة"، كما يسمّيه المقرّبون منه، من حيّ النور، أشهر أحياء القصرين، في الوسط الغربي التونسي. كان يفصله شهران تقريباً عن إطفاء شمعته الثالثة والثلاثين، ولكن في صبيحة يوم السبت، في الثاني والعشرين من ديسمبر، فوجئ الجميع بنبأ انتحاره حرقاً في ساحة الشهداء وسط المدينة، في واقعة حصلت بسبب غضبه على تردي الأوضاع الاجتماعية. لم يكمل "رزوقة" دراسته الجامعية غير أن عشقه للعمل الصحافي دفعه إلى المشاركة في عدد من الدورات التدريبية في هذا المجال وحصل من خلالها على شهادات خوّلته العمل مصوّراً صحافياً مع قناة "تلفزة تي في" التونسية الخاصة، علماً أن بداياته كانت في تصوير الأعراس والحفلات، وهي مهنة يتشاركها مع أشقائه الثلاثة. [caption id="attachment_177428" align="alignnone" width="700"] عبد الرزاق خلال تغطيته لتظاهرة في القصرين[/caption] يُجمع كل مَن تحدثوا لرصيف22 على جانب خاص في شخصية عبد الرزاق ينفرد به، هو الطيّبة، فالشاب كان صوت شباب جهته العاطلين عن العمل والمهمّشين وعينهم الساهرة على إيصال مطالبهم المشروعة إلى أصحاب القرار.

فتيل الأزمة

تحوّلٌ غير منتظر في مسار الأحداث فاجأ محبي الشاب. مقطع فيديو سجّله ونشره متحدثاً إلى أبناء مدينته الفقراء، أعلن فيه أنه سينتحر حرقاً في غضون عشرين دقيقة، احتجاجاً على الأوضاع الاجتماعية المزرية التي تعيشها محافظته. وبعد قليل، التهمت النيران جسد "رزوقة" مخلّفة حسرة كبيرة في قلوب محبّيه، خاصةً أنه كان شخصا محبّاً للحياة وطموحاً، حسبما يصفه شقيقه الأكبر محمد الذي قال لرصيف22 "إن قلب الرّاحل كان يتسع لهموم الجميع وأوجاعهم، وكان يتألّم لما يعاينه يومياً من قلة الحيلة في مساعدة أهالي مدينته الذين تنتشر البطالة في صفوف شبابها". [caption id="attachment_177425" align="alignnone" width="700"] محمد الزرقي، شقيق عبد الرزاق[/caption] حصل ما حصل، وأشعل انتحار "رزوقة" احتجاجات في القصرين، تركّزت بشكل خاص في حيي النور والزهور، أكبر أحياء المدينة التي خرج شبابها غاضبين وأشعلوا الإطارات المطاطية وكسّروا كاميرا مراقبة في ساحة الشهداء في حي الزهور، واشتبكوا مع قوات الأمن التي استعملت قنابل الغاز المسيّل للدموع، في محاولة للسيطرة على احتجاجهم.

"رزوقة" الإنسان

"عَمَل أخي يخوّله التنقل في كامل مناطق القصرين النائية والمنسيّة. ما يُشاهده وينقله عبر شاشات التلفزة ولّد لديه إحساساً بالظلم والقهر دفعه إلى التضحية بنفسه ليمهّد الطريق أمام أبناء القصرين ليطالبوا بحقوقهم المشروعة في العمل والعدالة الاجتماعية، فعبد الرزاق لم تدفعه ظروفه الاجتماعية إلى اتخاذ قرار الانتحار كما يُشاع"، يؤكد محمد. بدوره، يُشدّد حسام اللكي، رفيق درب عبد الرزاق، على إنسانية الفقيد ويقول لرصيف22: "لطالما كان إنساناً خلوقاً يرفض رفضاً قاطعاً، شكلاً ومضموناً، فكرة الانتحار. كان مفعماً بحب القصرين حيث كنا نعدّ لإقامة تظاهرات تطوعية لفائدة أطفال جهتنا المحرومين، كنا نخطط معاً للمستقبل". [caption id="attachment_177424" align="alignnone" width="700"] حسام اللكي بجانب عبد الرزاق[/caption] ويُضيف حسام: "صديقي لم يُرد حقاً الانتحار. لقد نشر مقطع الفيديو لتحفيز الشباب على التظاهر والمطالبة بحقوقهم، وهدوءه خلال التسجيل خير دليل على ذلك، وعبد الرزاق اعتاد على نشر مقاطع فيديو يصف فيها ما شاهده بأم عينه من معاناة سكان المناطق الجبلية المعدمة. كان يأخذ على عاتقه مهمة إيصال مطالب مَن لا صوت لهم في القصرين". "لم أستوعب ما حدث فور سماعي الخبر الأليم". بهذه الكلمات عبّر الإعلامي علي رابح، زميل عبد الرزاق، عن صدمته لوفاة صديقه بهذه الطريقة، ويقول لرصيف22: "لم أصدّق لأن رزوقة إنسان مثقف وواع ورصين وشخصيته بعيدة كل البعد عن الإقدام على الانتحار". يشدد رابح على أن الراحل كان يعاني كالجميع من بعض المشاكل الشخصية، غير أنها لا تبرّر تفكيره في وضع حد لحياته بهذا الشكل، ويعلّق: "عندما شاهدت مقطع الفيديو شعرت وكأنّي أشاهد شخصاً آخر ليس عبد الرزاق الذي أعرفه، وكأننا أمام أطراف تلقّنه الكلمات التي كان ينطق بها". [caption id="attachment_177420" align="alignnone" width="700"] عبد الرزاق الزرقي في شتاء 2014[/caption]

مجرد خطة

يؤكد رابح أنه "لطالما شغلت هموم أبناء القصرين بال رزوقة خاصة في المدة الأخيرة، وأعتقد أن مقطع الفيديو الذي نشره قبل وفاته كان مجرد خطة للضغط والتهديد ولشحن الشباب للخروج ليطالبوا بحقوقهم". ويشير المتحدث إلى أن عبد الرزاق كان يتمنى في الفترة الأخيرة أن يقدم الرأي العام التّونسي على ردة فعل قوية تجاه ما يكشفه الصحافيون، وهو من بينهم، من مظاهر الفساد التي تنخر عدداً من القطاعات الحيوية في البلاد. الإجماع على ما يتحلّى به عبد الرزاق من صفات تخالف ما أقدم عليه ملحوظ. يقول الصحافي في إذاعة قفصة الحكومية رؤوف الجباري لرصيف22: "كان رزوقة ضحوكاً ودائم التفاؤل وكان يتحلّى بالأمل رغم معاناته من بعض المشاكل الخاصة، وهي نفس الميزات التي رأيتها فيه لحظات قبل وقوع الحادثة الأليمة". [caption id="attachment_177426" align="alignnone" width="700"] رؤوف الجباري، الثاني على اليمين، مع عبد الرزاق في أحد مقاهي القصرين[/caption] ويوضح الجباري أن مشكلة رزوقة تكمن، وفق تقديره، في الحصول على وظيفة عمومية تضمن له مستوى عيش كريم نظراً إلى وضعه العائلي الخاص، باعتباره مطلقاً وله ابنتان من طليقته ومجبر على دفع نفقاتهم، كما أنه تزوج مرة ثانية، و"هي وضعية ساعدت نوعاً ما في الضغط على الفقيد"، حسب تقديره. من جهة ثانية، يؤكد الجبّاري أن عبد الرزاق كان حريصاً على نقل معاناة أهالي القصرين لأنه خبرها في بدايات حياته، ويسترجع ذكرياته مع صديقه المقرّب ليروي أنه "كان يحلو له أن نناديه رزوقة البطال (العاطل عن العمل). ما يشغل باله دائماً كان إيجاد حلول للعاطلين عن العمل. كان يميل إلى تغطية تحركاتهم ونقل مطالبهم بالتشغيل والتنمية، وكان دائم التردد على المعتصمين في مقر المحافظة لدعمهم".

انتحار أم قتل؟

إلى جانب مظاهر الحزن والصدمة التي خلّفها رحيل فقيد القصرين، رافقت وفاته تساؤلات، خاصة بعد ما راج من صور ومقاطع فيديو على فيسبوك اعتبر ناشروها أنها تظهر شخصاً آخر باغت عبد الرزاق وأضرم النار في جسده من الخلف، وليبرز السؤال الكبير: هل أضرم النار في نفسه أم أضرموها فيه؟
"قلبه كان يتسع لهموم الجميع وأوجاعهم، وكان يتألّم لما يعاينه يومياً من قلة الحيلة في مساعدة أهالي مدينته الذين تنتشر البطالة في صفوف شبابها"... شهادات عن عبد الرازق الزرقي، المصوّر الصحافي التونسي الذي أحرق نفسه
"ما يُشاهده وينقله عبر شاشات التلفزة ولّد لديه إحساساً بالظلم والقهر دفعه إلى التضحية بنفسه ليمهّد الطريق أمام أبناء القصرين ليطالبوا بحقوقهم المشروعة في العمل والعدالة الاجتماعية"... شهادات عن عبد الرازق الزرقي، المصوّر الصحافي التونسي الذي أحرق نفسه
وزارة الداخلية التونسية أعلنت في بلاغ رسمي أن قوات الأمن أوقفت في الخامس والعشرين من ديسمبر مشتبهاً به في قضية المصور الصحافي وهو شاب يبلغ من العمر 18 سنة ويقطن في حي الكرمة في القصرين، وتم الاحتفاظ به ولا تزال التحقيقات متواصلة مع مجموعة أخرى من الأطراف. هناك فوضى في المعلومات التي قد تكون أهدافها سياسية منحصرة في التقليل من وقع ما فعله الزرقي. فقد نقلت إذاعة "جوهرة أف أم" التونسية الخاصة في 26 ديسمبر عن مصدر أمني أن الشاب الموقوف اعترف بأنه من أشعل ولاّعة قرب عبد الرزاق عن غير قصد لتلتهم النيران الفقيد، مضيفة أن التحريات معه ما زالت متواصلة. في المقابل، أوضح أشرف اليوسفي، الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية في القصرين، والتي فتحت تحقيقاً لتبيان ملابسات ما حصل، أن ما يتم تداوله بخصوص اعتراف المشتبه به تمس بسرّية الأبحاث، مضيفاً لإذاعة "شمس أف أم" أن المحكمة الابتدائية في القصرين هي المصدر الوحيد المخوّل له تقديم معلومات حول الحادثة. وتعليقاً على ذلك، أكد شقيق الراحل محمد الزرقي أن العائلة لا تمتلك معطيات رسمية بهذا الخصوص وهي تابعت ما يُروّج مثل الجميع عبر فيسبوك، مشدداً على ثقتهم بعمل القضاء التونسي في انتظار نتائج التحقيقات، ومضيفاً: "في حال ثبت أنها عملية قتل وليست انتحاراً، على الفاعل أن يتحمل مسؤوليته". من جانبه، كشف صديق الفقيد حسام اللكي أن عبد الرزاق كان يتفاوض مع السلطات الجهوية باسم العاطلين عن العمل وأنه كان دائماً في الواجهة وهو ما أقلق البعض ربما، لافتاً إلى إمكانية وجود بعض الأطراف التي استغلت حماسة الراحل، وداعياً إلى إفساح المجال أمام القضاء ليقوم بدوره بإظهار الحقيقة. [caption id="attachment_177423" align="alignnone" width="700"] حسام اللكي بجانب عبد الرزاق خلال مشاركتهما في نشاط بجانب أطفال من القصرين[/caption] ويؤكد اللكي لرصيف22: "حتى وإنْ قاموا بإحراقه، عبد الرزاق لم يخسر شيئاً بل القصرين هي التي خسرت الشاب الطموح وصوت الحق. حتى وإنْ قتلوا رزوقة فسيولد من بعده 12 مليون رزوقة آخرون. لن يستطيعوا إسكاتنا". شتاء ساخن في تونس أشعله "رزوقة القصرين" كما فعلها من قبله في شتاء ديسمبر 2010 "بوعزيزي سيدي بوزيد" الذي أطلق شرارة ثورة السابع عشر من ديسمبر 2010. عبد الرزاق سواء انتحر أم قُتل يبقى حلمه بعدالة اجتماعية آخر وصاياه.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard