إسرائيل تُجرّم الدعارة... كيف روت بائعات الهوى قصصهن شعراً؟

الخميس 27 ديسمبر 201812:11 م

لأن المرأة ليست سلعة جنسية والدعارة ليست نشاطاً إنسانياً "طبيعاً" بل اتجاراً بالبشر، صادق الكنيست الإسرائيلي، الأربعاء، على قانون تجريم مُستهلكي الدعارة يفرض غرامات مالية على زبائن الدعارة وكُل من يعمل في المواقع المُستخدمة لها.

وتتراوح الغرامة المالية بين 2000 حتى 4000 شيكل (530 إلى 1059 دولار أمريكي)، ويبلغ الحد الأقصى لها 75 ألف شيكل، دون أن تتضمن عقوبة السجن كونها "جريمة مدنية"، وليست جنائية. وبحسب موقع "المصدر" الإسرائيلي، يتلقى "المجرمون" علاجاً سلوكياً بدلاً من العقوبة المالية في بعض الأحيان إذ خصصت إسرائيل 30 مليون شيكل لتأهيل الرجال والنساء الذين عملوا في الدعارة سابقاً.

تُعرِّف جمعية "المساواة الآن" الحقوقية ومقرها نيويورك، الدعارة بأنها مُمارسة الجنس إجباراً وقسراً، لافتةً إلى أن الأوضاع الاقتصادية "المتردية" تجبر الكثيرات على بيع أجسادهن بدلاً من الموت جوعاً، ونقلت صحيفة "ذا ماركر" الإسرائيلية العام الماضي أن نحو  12 ألف امرأة يعملن بالدعارة في إسرائيل، 7000 منهن طالبات لجوء من إثيوبيا وإريتريا، ونحو 3500 منهن أمهات لأطفال غير شرعيين. ولفتت الصحيفة إلى أن 20% منهن يحملن شهادات جامعية.

ووفقاً لدراسة إسرائيلية مُشتركة قامت بها وزارتا الرفاه والخدمات الاجتماعية والأمن الداخلي الإسرائيليتين عام 2014، تستقبل بائعة الهوى نحو 660 زبوناً سنوياً، ويُقدر العائد السنوي للحكومة الإسرائيلية 1.2 مليار شيكل، فيما تنفق 22 مليون شيكل فقط لإعادة تأهيلهن وإبعادهن عن الدعارة. ولفتت الدراسة إلى أن 62% من العاملات هُن أمهات و9% مُتزوجات، ويبلغ مُعدل أعمارهن 35 عاماً، بينما تعمل 1260 قاصر بالدعارة في إسرائيل. ووفقاً للإحصائيات 66% من النساء امتهنّ الدعارة لأسباب اقتصادية.

وتعتبر السويد إحدى الدول القليلة التي بادرت بتجريم الحرفاء الذين يشترون جنساً عوض تجريم بائعات الجنس. سنّت السويد عام 1999 قانوناً يجرّم الرجال الذين يدفعون المال مقابل الحصول على جنس، كان له انعكاس مباشر بتقليص عدد مستهلكي الجنس المدفوع بخمسين بالمئة حسب إحصائيات عام 2014. وعلى خطى السويد، قامت النرويج في عام 2009 بسن قانون مماثل ثم انضمت إليهما إيرلندا عام 2015 فيما فشلت فرنسا وكندا في إقرار قانون مماثل في هذا الصدد.

الهوى ليس للبيع…بائعات جنس يروين مآسيهن بالشعر

ها أنا عاريةٌ في زاوية الغُرفة كل شيء مكشوف

أين أنا؟ عارية؟ في الزاوية؟ كل شيء مكشوف؟...

تراني دُمية روسية ظننت أنك اشتريتني لكنني لم أُتاجر إلا بألمي

لا فرق بيننا الآن سوى في الرؤية

أرى الطيف الأزرق ما بين الأسود والرمادي

هل يمكن لأحد أن يحكم عليّ؟ يعيش مصيري؟

هل قمت برمي كل حجارتك على الآخرين

 أم تبقت حجارة واحدة تُريد إلقاءها عليّ؟

بهذه الأبيات الشعرية، لخّصت فيكا، بائعة هوى أوكرانية في إسرائيل، عُمرها 51 عاماً، قسوة المهنة التي لجأت إليها مُنذ ثلاث سنوات لعلاج ابنتها بعدما ساءت ظروفها الماديّة وانفصلت عن زوجها الإسرائيلي. أما ميري، بائعة هوى أُخرى في إسرائيل، فنقلت تجربتها في الدعارة "كما هي"، لا كما يصوّرها الأدباء في قصصهم، قائلةً:

خلال المُمارسة أشعر أنني منفضة سجائر قذرة

يمكنك إطفاء سيجارتك داخلي لأنك من أعطاني المال

مال قذر في حقيقة الأمر

مُجرد أوراق من المال الفائضة عن الحاجة في جيبك لا يريدها أحد…لا يحتاجها أحد

ولأنني منفضة سجائر هذا يعني أنني "شفافة" بلا قيمة

منفضة السجائر لا تصرخ ولا تحكي..لا مشاعر لها

أُفكر في بعض الأحيان بزيارة طبيب

ولكن ليس أي طبيب

طبيب يعالجني مما أنا عليه

لاحظت… أن الطبيب يُحب التدخين أيضاً

خلال المُمارسة، أشعر أنني منفضة سجائر قذرة، يمكنك إطفاء سيجارتك داخلي، لأنك من أعطاني المال، مال قذر في حقيقة الأمر... بائعات جنس يروين مآسيهن بالشعر 
توضّح جمعية "كفى" أنه لو لم يكن هُناك طلب من مُشتري الخدمات الجنسية، لما كانت هُناك "سوق تعرض النساء والفتيات من مختلف الجنسيات والأعمار لتلبية حاجات الزبائن". فالمُعادلة بسيطة: لا طلب لا عرض.

أفكار مغلوطة عن الدعارة

"لم تستيقظ نساء الدعارة ذات صباح، ليخترن بمحض إرادتهن الانخراط في هذا المجال، بل جرى استقطابهن أو تشجيعهن في معظم الحالات من قبل أفراد أو قوادين استغلوا هشاشة وضعهن".

بهذه الخُلاصة، أطلقت جمعية "كفى" اللبنانية المعنيّة بحقوق المرأة عام 2014 حملة "الهوى ما بينشرى" لمُكافحة الدعارة والإتجار بالبشر. وضمن حملتها، سلّطت الضوء على أفكار مغلوطة حول الدعارة منها أنها "مهنة، وأقدم مهنة في التاريخ"، موضحةً أنه لتكون مهنة، يجب أن تؤّمن "الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية والأمن الذاتي". ولفتت "كفى" إلى أن نسبة الوفيات بين النساء العاملات في الدعارة تتجاوز نسبة الوفيات بين بقية النساء 40 مرة.

وقالت الجمعية إن هُناك فرقاً بين "الجنس" و"الدعارة"، وبين امرأة تتمتع بحياة جنسية حُرة وامرأة يُفرض عليها الجنس بقوة المال، مُشيرة إلى أن 80% من مُشتري الخدمات الجنسية الذين قابَلَتْهم يُشاهدون الأفلام الإباحية والعديد منهم "يُعيدون تمثيل المشاهد مع نساء الدعارة".

وأضافت "كفى" أن هُناك فكرة مغلوطة أُخرى تتمثل في أنه: "لو لم تعرض المرأة خدماتها لما كان هُناك دعارة"، مُوضحةً أنه لو لم يكن هُناك طلب من مُشتري الخدمات الجنسية، لما كانت هُناك "سوق تعرض النساء والفتيات من مختلف الجنسيات والأعمار لتلبية حاجات الزبائن". مُضيفة "من الناحية الاقتصادية البَحْتة، المعادلة بسيطة: لا طلب لا عرض". وأكدت أن لا فرق بين الدعارة والاتجار بالبشر إذ تُعرّف الأمم المتحدة الاتجار على أنه "استقطاب للضحية عبر وسائل مُعيّنة، كاستغلال حالة ضعفها، لغرض استغلالها جنسياً".

عدم تجريم الدعارة

أصوات عدة في المقابل تُطالب بـ "عدم تجريم الدعارة"، منها منظمة العفو الدولية التي صوتت لصالح عدم تجريمها خلال اجتماع أُقيم في مدينة دبلن الإيرلندية عام 2015، ضمَّ عددً من منظمات حقوق الإنسان و70 فرعاً من القطاعات غير الحكومية.

واعتبرت عدم تجريمها "الطريق الصحيح للدفاع عن حقوق العاملين في تجارة الجنس" في حال تم بالتراضي. لكن قرار العفو الدولية لاقى رفضاً من قبل المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة التي اعتبرته "خطأ فادحاً"، قائلةً إن "السماح ببيع الهوى يمكن أن يشوه بشدة صورة المنظمة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard