أن نحيا في عالم لا أثر لنا فيه: عن اللاجدوى التي تجعلنا جنوداً أكروباتيين

الخميس 3 يناير 201910:52 ص
يراهن عالم الاجتماع إيرفنغ غوفمان في كتابه "تقديم الذات في الحياة اليوميّة" على غياب "الأنا" واضحة المعالم، ويرى أننا نؤدّي أدواراً علنيّة لنظهر بالشكل الأمثل والأشدّ منفعة لنا، ومع مرور الزمن واكتسابنا للمهارة والخبرة، نتطابق مع الدور الذي نؤديه، إذ لا يوجد تكوين رمزيّ واضح وثابت للـ"ذات"، بل مجرد "قناع-Persona" يتغيّر دوماً. يطرح غوفمان أيضاً مفهوم المؤدّي الساخر أو اللاجدّي، ذاك الذي لا يقتنع بدوره أو لا يؤمن به، لكنه يؤدّيه لمنفعة ما، سواء لنفسه أو لمن حوله. لكن -من وجهة نظرنا- في ظل نظام ديكتاتوري يفعّل حالة الاستثناء، تُستبدل المنفعة بالنجاة، والسعي لتجنّب العنف بأشكاله، وتتحوّل الحياة اليوميّة وأدوارها إلى شكلٍ من أشكال إظهار الطاعة، لأن الخطأ حينها أو الخروج عن الدور، لا يعني فقط الإحراج، بل التعرّض للعنف أو السجن أو الاعتقال. يمكن الافتراض أن الكثيرين ضمن حدود سوريا قبل الثورة وإلى الآن، "يؤدّون" أدوارهم العلنيّة دون قناعة بها أو تصديقها، وخصوصاً أن النظام الشموليّ يفرض ويرسّخ المسافة بين رغبة الفرد وبين سلوكه العلنيّ، ليكون غريباً بشدّة عن "قناعه"، فالفرد ومن حوله يحدّقون ببعضهم البعض، ينتجون أدوار السلطة ويتبنّونها بسبب "الموافقة عليها"، فبناء العالم الرمزيّ والماديّ، ومساحات الظهور والأدوار فيها بيد السلطة، والنتائج محسومة، ما يعني هيمنة "الأنا" الرمزيّة العلنيّة السياسيّة، التي تَنفي أي أثر للـ"ذات" ورغباتها، ليُصبح الحضور العلنيّ مجرّد قناعٍ هشّ لا جديّ، مفضوح العيوب. تَنتجُ هذه اللاجديّة إثر غياب القدرة على التأثير في النظام الرمزيّ والمادّي القائم، فالسلطة هي التي تمتلك الأرض ومن عليها، و"السيّد" هو الوحيد القادر على خلق أثر فعليّ في العالم، ما يجعل الحياة اليوميّة وأشكال السلوك المختلفة مجرّد أداء فارغ، لا سياسي، لا أثر له، استعراض للأقنعة التي صمّمتها السلطة لتمحي منهجياً ما وراءها.

فايروس الديكتاتور المتحوّل

أول محرّكات اللاجديّة في السلوك والكلام اليوميّ هو غياب الأدائيّة، أي أن ما نقوله قد لا يترك أثراً في العالم، بسبب أننا لا نمتلك السلطة الكاملة لتنفيذه، كون رغباتنا وسعينا اللفظي والفيزيائيّ لتحقيقها، مهددة دوماً بسلطة خارجيّة تتفوّق علينا وتهيمن على العام وتكوينه. يمكن تفسير غياب الأثر من "الكلام" وعدم أخذه على محمل الجدّ بالعدوى من الطاغيّة، أو سعيه لجعلنا نتطابق معه، فكلامه هو لا يتطابق مع أفعاله، كونه غير منتخب، ولا يمتلك برنامجاً، ولا يضطرّ لتقديم وعودٍ ذات أثر واقعي، أو يمكن له أن يَعِد ولا ينفّذ، ومن الممكن أن تكون أشدّ كلماته جديّة مجرّد لعب. وأحياناً نحن نشابهه، وعودنا هشّة لأن السلطة الكليّة بيده، وموافقته على ما نقول تكون فقط فيما هو مسموح، بل وتتجلى هذه الهشاشة في موقفنا من كلام القاضي، أيّ قاض، الذي من المفترض أن يكون ما يقوله بحكم القانون ومكانته، أمراً لابدّ من تنفيذه، فلا يمكن أن يكون القاضي لا جديّ، أو أحكامه فارغة، لكن إن قرّر الديكتاتور ورجالاته أن يفعّلوا سلطهم الاستثنائيّة، تتلاشى وعود القاضي، وتفقد سلطته معناها، فكيف إذاً وعودنا. كلام الديكتاتور الفارغ ووعوده الوهميّة تتسلّل إلى لغتنا وأحاديثنا ووعينا بالعالم، فما الفائدة من "الجديّة" في عالم لا نستطيع تغييره، بل نؤدي فيه السيناريو القمعي، الذي ينزع السياسة من حياة الفرد، ويُفقد كلامه القدرة على التغيير، وكأن الفرد جزءٌ من مزحة سمجة كبرى وعليه أن يضحك رغماً عنه.
السلطة هي التي تمتلك الأرض ومن عليها، و"السيّد" هو الوحيد القادر على خلق أثر فعليّ في العالم، ما يجعل الحياة اليوميّة وأشكال السلوك المختلفة مجرّد أداء فارغ، لا سياسي، لا أثر له، استعراض للأقنعة التي صمّمتها السلطة لتمحي منهجياً ما وراءها.
كلام الديكتاتور الفارغ ووعوده الوهميّة تتسلّل إلى لغتنا وأحاديثنا ووعينا بالعالم، فما الفائدة من "الجديّة" في عالم لا نستطيع تغييره، بل نؤدي فيه السيناريو القمعي، الذي ينزع السياسة من حياة الفرد، ويُفقد كلامه القدرة على التغيير، وكأن الفرد جزءٌ من مزحة سمجة كبرى وعليه أن يضحك رغماً عنه.

الفساد وهرم السلطة الورقيّ

هشاشة الهرميّة الظاهريّة للسلطة في الأنظمة الديكتاتوريّة، وتفشّي الفساد ضمنها، يجعل الجهد الفرديّ لتَرْك أثر في العالم ساخراً، بل ومبتذلاً، وهذا ما ينعكس على الفرد نفسه، فإن كان بالإمكان شراء الجميع أو تخويفهم، فلم الجديّة، والأهمّ أن الوعي بوجود نظام خفيّ يتحرّك وراء الواجهة، يهدّد القدرة على "التنفيذ" أو "الإنتاج"، ما يُفقد الثقة بالدولة نفسها، بمؤسّساتها بوصفها واجهة ساخرة للمافيا الحاكمة، تقول ما لا تفعل، خطابها أشبه بخطابِ ممثّل على المسرح، لا نصدّقه حتى لو أعلن أنه أوديب واقتلع عينيه حقيقة، مع ذلك سنرى أداءه سيئاً ومبتذلاً، لأننا مثله لا نصدّق ما نؤديه. لكن، أو ربما، هناك انعكاس ماديّ لهذه اللاجدية، نراه في تكوينات العالم الديكتاتوري وتفاصيله، التي "لو" أُنجزت بجديّة لما كانت على شكلها الحاليّ، وهذا ما يُرَدَّد أحياناً ضمن الأحاديث اليوميّة، كأن نقول، لو كان هذا الضوء أبعد بقليل في الشارع لتمكّن من إنارة الرصيف، لو أنهم فقط جعلوا العلبة أكبر بسنتميتر واحد، لما هُرست المرتديلا في الداخل. هذه العيوب الدقيقة والبسيطة التي نتلمّسها تثير الغيظ في الكثير من الأحيان، تكشف لنا الحكايات الشعبيّة أن سببها غياب هرميّة السلطة والرقابة على "الإنتاج"، ففلان سرق، وفلان وظّف ابنه وآخر ارتشى، إذ لا تطابق بين المُتخيّل الرمزي عن المنتج في ذهن صانعه وبين قدرة البنية التي ستنتجه، والسبب هو الفساد وفقدان الثقة، والذي ينعكس على الأداء المهنيّ نفسه وفاعلية الإنتاج، فلم الإتقان إن كان هناك يقين، بأن العيوب ستظهر حتماً بسبب السرقة أو سوء التنظيم، والأهمّ لمَ الإتقان إن كانت ستباع لا محالة، فعيبٌ بسيط لن يُلغي المشروع، بل سيدفع الجميع للتواطؤ على الصمت وتجاهل الخطأ وقتل أي مبادرة لإصلاحه. 

أداء الطاعة

أشدّ الممارسات التي ترسّخ اللاجديّة، والأداء الفارغ من معناه، هي الطاعة التي تفرضها السلطة الديكتاتوريّة، فقدرتها على تحريك الحشود وجعلها متناسقة ومتجانسة ومصدِّقة للحكايات الرسميّة، تُفقد الفرد ضمن هذا الحشد أهميّة كلامه، وخصوصاً أن "مخالفة الأداء" أو "معارضته" يتبعها تهديد بالعنف، وكأن الفرد أسير ماريونيت تحرّكها السلطة، يعايش بإتقان دوره دون أن يصدّقه، فما يهمّ هو الآخرون ورأيهم، بوصفهم انعكاساً لقدرة السلطة وهيمنتها. هنا يتحوّل الفرد إلى غرض يمكن تحريكه، أثره المرئي والمادي في عالمٍ محرّكه الخوف، لتتحوّل الطاعة إلى غشاء يهيمن على وعيه بالعالم، خصوصاً أن الرقابة حاضرة دوماً، ففي كل لحظة هنا احتمال بالعنف، ولا بدّ دائماً من تبني حركات وكلام السلطة، التي تتسلّل إلى كلّ مكان، حتى إلى اللاوعي، وتخلق نوعاً من البارانويا، فإن كُنتُ غير جدّي فالآخرون أيضاً مثلي، كلّهم بانتظار لحظة ما، لكن لا أحد يجرأ على كسر دوره.

أكروباتيات الحرب الفارغة

يتبنّى أي نظام ديكتاتوري عدواً وهميّاً لابد من التذكير دائماً بوجوده، والاستعداد لمواجهته، بوصفه أيضاً كلّي القدرة كما هذا "النظام"، وقادرٌ على التدخّل في الحياة اليوميّة، وزرع أجهزة غريبة في أحزمة الرجال الجلديّة لمنعهم من الإنجاب، وحرمان الوطن من جنودٍ مستقبليين، نراهم في معسكرات التدريب الصيفيّة، التي من المفترض أن يتعلّموا فيها استخدام القنبلة والبندقية، لكن حقيقة هم لا يكتسبون مهارة، بل يؤدّون حركات فارغة أو يشاهدون شخصاً واحداً يطلق ثلاثة عيارات ناريّة. الأداء الذي نقوم به في تلك "المعسكرات التدريبيّة" لا أثراً جسديّاً له، هو ليس تمريناً يُكسبنا مهارةً يمكن التباهي بها لاحقاً أو حتى استخدامها، هو مجرّد تقليد سيء لا جدّي، تمرين على الانصياع دون أي خبرة "حقيقيّة"، خصوصاً أن هدفه هو فقط ترسيخ أعداء السلطة الوهميين، لأنه لو حقيقة، حدثت حرب مثلاً مع إسرائيل، هل مهارات التدريب الجامعي في سوريا قادرة على جعلنا نقاتل "الأعداء". هذه اللاجدوى تجعل المشاركين جنوداً أكروباتيين، يبذلون جهوداً وتعباً وزمناً لا قيمة له، هم منصاعون لأدوارهم الفارغة تلبيةً لأوامر السلطة، وهذا ما نراه رمزياً في البدلات العسكريّة التي دائماً تكون أكبر أو أصغر من قياس الفرد، هي دوماً تحمل سخرية دفينة، فلن تكون مستعداً أبداً، عليك فقط كغيرك، أن تملأ اللباس الرسمي.

الأداء السيئ والأداء المبالغ به

تتجلّى أعراض اللاجدّية بالأداء السيئ الناتج عن غياب الاقتناع التامّ بالدور، وهي مسألة يواجهها الممثلون عادة، فكيف يمكن أن يكون ردّ فعل الشخصيّة أصيلاً إن كان الممثل يعلم نهاية الحكاية؟ كيف يمكن للممثل الذي يؤدّي روميو أن يكون صادقاً لحظة وعده لجولييت بحياة مديدة، إن كان يعلم -الممثل- أنهما (روميو وجولييت) سيموتان في النهاية؟ هناك نماذج قليلة من الممثلين الذين يرفضون قراءة نص المسرحيّة أو الفيلم بأكمله، ويؤدون كل مشهد بصورة منفردة دون أن يعلموا النهاية، وذلك لتكون ردود فعلهم "أصيلة".

المبالغة بالأداء، غالباً ما يحرّكها الخوف، كمن يقول إن بشار الأسد يجب أن يحكم العالم أو أن ممثلاً سيكون "صرماية للوطن"، هذه المبالغة في الأداء تنفي التفرّد الذاتيّ، تجعل المتحدّث مهرجاً، إمّا شديد الكوميديّة أو شديد التراجيديّة، وفي هذه المساحة يتلاشى الذاتي، ويسلّم الفرد كلياً بدوره الهش حتى تتلاشى "أناه"، ليكون كالماريونيت التي قطعت خيوطها مع ذلك مازالت تتحرّك وفق رغبة صانعها.

لكن الأمر مختلف في الحياة اليوميّة، لا نستطيع معرفة قناعة كل فرد، لكن بالإمكان رصد المؤدي السيئ، ذاك الذي يعرف "النهاية/ الحقيقة" وغير مقتنع بها، كحالة من يظهرون على شاشات التلفاز وينفون مجزرة ما، كلماتهم وأداؤهم وحججهم هشّة، هم كوميديون نوعاً ما، يتحرّكون وينطقون بابتذال، ليحرّكوا لدينا السؤال عن حقيقة تصديقهم ما يقولون، كحالة المؤمنين بنظريات المؤامرة الكبرى، الذين يرون أن الماسونيّة تتحكّم بمصير العالم. هناك أيضاً المبالغة بالأداء، والتي غالباً ما يحرّكها الخوف، بسبب الرقابة أو تحديق الآخرين، الخوف من "الاختلاف"، كون ردّ الفعل عليه عنيفاً أو غير متوقّع، كمن يقول إن بشار الأسد يجب أن يحكم العالم أو أن ممثلاً سيكون "صرماية للوطن"، هذه المبالغة في الأداء تنفي التفرّد الذاتيّ، تجعل المتحدّث مهرجاً، إمّا شديد الكوميديّة أو شديد التراجيديّة، وفي هذه المساحة يتلاشى الذاتي، ويسلّم الفرد كلياً بدوره الهش حتى تتلاشى "أناه"، ليكون كالماريونيت التي قطعت خيوطها مع ذلك مازالت تتحرّك وفق رغبة صانعها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard