في الأردن، التحرّش بالصحفيّات يبقى طيّ الكتمان

الأربعاء 26 ديسمبر 201805:10 م
في الأردن، تنامى الحديث علناً عن ظاهرة التحرش أخيراً، عقب انتقال هذه الممارسات من المحيط الضيق كالحيّ ووسائل النقل، إلى دوائر أوسع، كالمؤسسات التعليمية وأماكن العمل. وحين كان سابقاً يخيم الصمت على ضحايا التحرش، كان ذلك يعطي المعتدين نوعاً من الطمأنينة، ويعزز الظاهرة، ويجعل التصدي لها أمراً صعباً، وما جدّ الآن هو قيام نساء وفتيات بكسر حاجز الصمت ومشاركة غضبهنّ مما تعرضن له، وإن كان ذلك من خلف ستار. ومن المؤكّد أن التحرش الجنسي يقع في أماكن العمل على تنوعها، لكن بدرجات متفاوتة، وربما يعتمد ذلك على طبيعة المكان ومتطلبات العمل، والقوة والنفوذ اللذين يتمتع بهما المتحرش. وفي عالم الأخبار، ما زال التحرش موجوداً، كما تثبت تجارب الصحفيات اللواتي قابلناهنّ، وقد يحدث داخل مكان العمل، أو خارجه، أثناء جولات إعداد التقارير والقصص الصحفية، ومقابلة مصادر المعلومات. وفي ظلّ ازدياد عدد المؤسسات الإعلامية في الأردن وتنوعها، أصبحت الأخيرة بحاجة لضوابط فاعلة لحماية الصحفيات من أي انتهاك، لضمان بيئة عمل غير معادية للمرأة وطاردة لها. الصحفية ريم تروي تجربتها في إحدى الصحف الأردنية التي لم تمكث فيها كثيراً، فقد خسرت عملها منذ بداية الطريق، بعد أن عرض عليها مديرها عرضه الغريب طالباً منها أن تجري له تدليكاً لظهره، خلال الدوام (الشيفت) المسائي، مستغلاً عدم وجود أحد داخل المكتب في تلك الليلة، عندها غادرت ريم مبنى الصحيفة تحت هول الصدمة، ولم تعد ثانية. كما تروي.
غالباً ما ينعكس رفض المرأة لهذا الفعل سلباً على ظروف العمل، وخاصة عندما تصبح الترقية أو الاحتفاظ بالوظيفة رهناً لقبول عرض المتحرش.
حين كان سابقاً يخيم الصمت على ضحايا التحرش، كان ذلك يعطي المعتدين نوعاً من الطمأنينة، ويعزز الظاهرة، وما جدّ الآن هو قيام نساء وفتيات بكسر حاجز الصمت ومشاركة غضبهنّ مما تعرضن له، وإن كان ذلك من خلف ستار.
أما لارا، فقد فوجئت بخوض رئيس التحرير في حديث جنسي معها، وقيامه بحركات غريبة، ثم دعاها لتناول الغداء خارج العمل، وإكمال حديثهما، وعندما رفضت بات يضايقها في عملها، حتى اضطرت لتركه. تندرج هذه الأفعال التي واجهتها الصحفيتان تحت مفهوم التحرش الجنسي في مكان العمل، كما عرّفته جامعة "جون هوبكنز" على أنه "القيام بإيحاءات جنسية غير مرحب بها، تؤدي إلى بيئة عمل عدائية، أو ما يعتبره الطرف الذي يتلقى هذه الإيحاءات الجنسية منافياً للأخلاق". ويتضمن التحرش إيحاءات جنسية لفظية أو جسدية، أو سلوكاً ذا طابع جنسي يحدث بشكل صريح أو ضمني، وفي مكان العمل، غالباً ما ينعكس رفض المرأة لهذا الفعل سلباً على ظروف العمل، وخاصة عندما تصبح الترقية أو الاحتفاظ بالوظيفة رهناً لقبول عرض المتحرش، وفي الوسط الصحفي قد يصبح الوصول إلى المعلومات، أو البقاء في العمل مقروناً أيضاً بالسكوت عن التحرش. وتكشف دراسة بعنوان "واقع عمل الصحفيات في الأردن"، صادرة عن المؤسسة الدولية لدعم الإعلام (IMS) عام 2018، أن (42%) من الصحفيات اللواتي شملهن استطلاع رأي غير قياسي ضمّ 55 صحفية، قد تعرضن لشكل أو أكثر من أشكال التحرش الجنسيّ في المؤسسة الإعلامية التي يعملن فيها. وبيّن الاستطلاع أن نسب التحرش في مجال التلفاز تفوق المجالات الأخرى، حيث تعرضت 58% من الإعلاميات لشكل أو أكثر من أشكال التحرش خلال عملهنَ في التلفزيون، وتقل النسبة في اليوميات ووكالة الأنباء، تليها الإذاعات، ثم المواقع الإلكترونية. وتكشف نتائج الاستطلاع أن الصحفيات الحديثات العهد أكثر عرضة للتحرش، إذ تعرضت 86% من المشاركات في العينة للتحرش في بداية مشوارهنّ المهني، وخلال مرحلة التدريب في إحدى المؤسسات الصحفية، ويعود ذلك لضعف خبرتهن في التعامل مع محيط المهنة، وضعف وضعهنّ القانوني، وفقاً لمعدّة الدراسة الباحثة والصحفية سوسن زايدة. وقد مرت عائشة في بداية مشوارها الصحفي بتجربة من هذا النوع، عندما دعاها مدير تحرير الموقع الإلكتروني الذي تعمل فيه إلى الاجتماع بها، لمناقشة أمور متعلقة بالأسلوب التحريري كونها تحت التجربة، لتفاجأ به يمسك يدها، ويشير إلى الكاميرا في زاوية المكتب قائلا "لا تقلقي هدول مطفيين".
تعرضت 86% من المشاركات في العينة للتحرش في بداية مشوارهنّ المهني، ويعود ذلك لضعف خبرتهن في التعامل مع محيط المهنة
وكما تروي "جذبت يدي لأتخلص من قبضته، وغادرت المكتب بعد أن جمعت أغراضي سريعاً". احتفظت عائشة بما جرى معها لنفسها، رغم أنها ظلت تعيد الموقف في رأسها على مدار الساعة، وتحاشياً لتكرار ما حصل، طلبت من مديرها القيام بعملها من البيت، لكن طلبها استُقبل بالرفض، فاضطرت لتقديم استقالتها. تتوافق تجربة عائشة مع نتائج الاستطلاع وتجارب العديد من الصحفيات الجديدات اللواتي صمتن، وما يزيد الطين بلّة، غياب الإجراءات اللازمة لمواجهة هذه الجريمة التي تتعرض لها العاملات داخل المؤسسات الإعلامية، إذ تفتقر غالبية الصحف والمؤسسات الإعلامية في الأردن لنظام من أجل تلقي شكاوى الصحفيات بشأن أي انتهاك يتعرضن له داخل العمل، فتجد الصحفيات وخاصة الحديثات العهد أن أقرب طريق للتخلص من المشكلة هو ترك العمل.

تحرش مصادر المعلومات بالصحفيات

"أخذ يرسل لي رسائل الغزل وصوره عبر واتس أب، ويدعوني لتناول القهوة معه"، وعندما لم يجد رداً تحول إلى الشتائم والتهديد". هذا ما روته المذيعة آيات عن تجربة مرت بها مع أحد المسؤولين بعد أن أجرت معه مقابلة تلفزيونية. يعدّ التحرش من قبل مصادر المعلومات الأكثر شيوعاً وخطورة، فغالباً لا تتحدث الصحفيات عن هذه المضايقات ويُلزمن على تحملها لأنهن بحاجة إلى المصدر إن كان يمتلك معلومات أساسية، ويستغل المصدر ذلك ليقوم بمضايقتهن، ويقايضهن على تقديم ما تريد من معلومات إن استجبن له أو صمتن على فعله. وقد يكون مصدر المعلومات سياسياً بارزاً، أو مسؤولاً، أو خبيراً بمجال ما، أو أكاديمياً، أو من عامّة الناس ويمتلك معلومات هامة ذات صلة بقضية ما. وتشير تجارب الصحفيات إلى أن مصدر المعلومات في الغالب يعتبر نفسه في مركز قوة، ويستمد قوته من مركزه فلا يتوانى عن تهديد الصحفية إن باحت بما بدر منه، أو لم تستجب لطلبه، كما حدث مع آيات. إيمان العكور، رئيسة قسم التمكين الاقتصادي في وزارة العمل الأردنية، ترى أن "التحرش الجنسي بالإعلاميات والصحفيات من قبل مصادر المعلومات أمر متوقع عندما يتجرد المسؤول أو الشخص الخبير من حسن الأخلاق والمهنية، سيصل لمرحلة يقوم فيها بطلب مقابل للمعلومات التي سيقدمها، مؤكدة أن كثيرين يستغلون مناصبهم للقيام بهذه الأفعال".

تراخٍ

نفت نقابة الصحفيين الأردنيين، واللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، وكذلك مركز حماية وحرية الصحفيين، ووزارة العمل، قيام أي صحفية بتسجيل شكوى تحرش في مكان العمل أو خارجه لديها. ويعكس هذا العزوف عن الإبلاغ عدم ثقة الصحفيات بجدوى تبليغهن عن تعرضهن لأي انتهاك، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتحرش، لفظياً كان أم بدنياً.
يعدّ التحرش من قبل مصادر المعلومات الأكثر شيوعاً وخطورة، فغالباً لا تتحدث الصحفيات عن هذه المضايقات لأنهن بحاجة إلى المصدر إن كان يمتلك معلومات أساسية
وتبين دراسة واقع عمل الصحفيات في الأردن، أنّ 64% ممن شملتهن العينة في استطلاع الرأي لا يثقن بجدوى الشكوى، فيخترن الكتمان، وسط مجتمع غير داعم يلقي اللوم عليهنّ دائماً، وقد يجد هذا المبرر طريقاً له عندما يتكرر طرحه، إذ حمّلت سهير السوداني، أستاذة الإعلام في جامعة البترا المرأة مسؤولية تعرضها للتحرش، بقولها "في الغالب يتحرش الرجل عندما ترغب الفتاة بهذا التحرش"، مؤكدة أنه يحدث في أي مكان مغلق ولا علاقة له بمكان العمل. وجود هذه الأصوات التي تلوم المرأة في كل أمر يشكل سبباً قوياً لصمت ضحايا التحرش من الصحفيات، كما تشكل الاستهانة بموضوع الشكاوى ووضع آلية واضحة للتعامل معها داخل المؤسسات الإعلامية سبباً آخر في العزوف عن الإبلاغ، رغم ذلك، تقول رئيسة لجنة المرأة في نقابة الصحفيين الأردنيين كوثر صوالحة إن الصحفية يجب أن تتحلى بميزة الجرأة وتفضح أي انتهاك يقع عليها، سواء داخل المؤسسة التي تعمل فيها، أو تتجه للجهات المعنية بالتعامل مع شكواها. "نسمع عن حدوث تحرش، لكن لا أحد يسجل شكوى"، تقول صوالحة، وتصرّ على أن القصور ليس في الأنظمة أو القوانين، خاصة في ظل وجود لجنتين بالنقابة، تختص أحدهما بالنظر في الشكاوى، والأخرى للتأديب. على حدّ قولها. لكن، وفقاً لإجابات الصحفيات اللواتي قابلتهنّ معدة التقرير، فإن قلة قليلة من الصحفيات على دراية بوجود هذه اللجان، ولا تعقد الجهات المسؤولة عن صون حقوق المرأة العاملة بشكل عام أي ندوات أو حلقات نقاش بهدف التوعية بجريمة التحرش، وكيفية التعامل معها، ليعي الجميع الأمور المقبولة وغير المقبولة في بيئة العمل، وتعريف المرأة بالمؤسسات التي يمكن أن تتوجه لها لطلب المساعدة، حتى يتبلور نظام واضح للتعامل مع المتحرش والتحرش، والتعاطي معه على أنه مشكلة حقيقية. وتحيل مديرية المرأة في وزارة العمل المسؤولية إلى المؤسسات الصحفية، كون الوزارة تختص بالنظر في مشاكل عماليّة أو انتهاكات تقع على الصحفية من قبل صاحب العمل أو من ينوب عنه فقط، استناداً لقانون العمل الأردني، كما توضح مديرة عمل المرأة إيمان العكور.
على الصحفية أن تلفت نظر إدارة مؤسستها إلى أن هناك تحرشاً يحدث، حتى تقف الأخيرة أمام مسؤولياتها في حماية الصحفيات العاملات فيها من أي انتهاك.
أما مركز حماية الصحفيين، الذي ينشط في الدفاع عن حرية الصحافة وتطوير البيئة التشريعية والسياسية الحاضنة للإعلام وتقديم المساعدة القانونية للصحفيين فيما يتعلق بحرية التعبير، فلم يعقد أيّ برامج توعوية موجهة للصحفيات بشأن التعامل مع التحرش، رغم تأكيد مديره نضال منصور على وجود التحرش في الوسط الصحفي كأيّ بيئة عمل أخرى، ويعتبره جريمة وليس انتهاكاً فقط، لكن المركز لم يكن شاهداً على أي حادثة، على حدّ قوله. قانونياً، يجرم قانون العقوبات الأردني التحرش الجنسي، وقد أدخلت عليه تعديلات عام 2017 تضمنت تشديد العقوبة على مرتكبي جرائم التحرش الجنسي، لكنه لم يذكر هذه الجرائم بالاسم صراحة، بل اعتبرها أعمالاّ منافية للحياء. لذلك اعتبرت جمعية تضامن (جمعية حقوقية تعنى بالدفاع عن حقوق المرأة) أن التعديلات التي تضمنها القانون رقم (27) لعام 2017 غير كافية، ودعت إلى "تجريم التحرش الجنسي في قانون العقوبات بشكل واضح وصريح"، إن لم يكن في تشريعات "منفصلة" يتم سنّها لهذا الغرض. وتوضح المحامية والناشطة الحقوقية هالة عاهد أن هناك أفعالاً أو حركات تندرج تحت مفهوم التحرش، لكن لا يطالها قانون العقوبات، مثل إطالة النظر إلى الجسد والتحديق بطريقة مزعجة، والملاحقة، أو استخدام إشارات لها مدلولات جنسية، مما يجعل الحاجة ضرورية لوجود إجراءات داخل المؤسسات نفسها للتعامل مع هذه المواقف. وتبرز أيضاً إشكالية الإثبات أمام القانون إن أقدمت الصحفية على الشكوى، ولم يكن لديها دليل أو شهود لمواجهة إنكار المتحرش، وخاصة أن التحرش يحدث في بيئات مغلقة غالباً، مما يصعّب على المرأة إثبات حدوثه. رغم ذلك، على الصحفية أن تعبر عن عدم رضاها وتلفت نظر إدارة مؤسستها إلى أن هناك تحرشاً يحدث، حتى تقف الأخيرة أمام مسؤولياتها في حماية الصحفيات العاملات فيها من أي انتهاك. وفي نهاية المطاف، فإن مزيج الإشكاليات هذه، من عدم ثقة بجدوى الشكوى، والخوف على السمعة، وعدم وجود إجراءات حماية داخل المؤسسات الصحفية، ولوم المرأة الدائم، ونقص التوعية، يجعل التصدي للتحرش أمراً صعباً. لكن إن بدأت المؤسسات الصحفية بوضع معايير تحدد الممارسات المقبولة وغير المقبولة، وما الذي يندرج في فئة المضايقات الجنسية، ومن ثم وضع عقوبات للمتجاوزين ضمن بنود أنظمتها الداخلية، فسيحفز ذلك الصحفيات على الإبلاغ نظراً لوجود بنود واضحة تنص على حمايتهن ومعاقبة المعتدي. "أسماء الصحفيات الواردة في هذا التقرير مستعارة بناءً على طلبهن"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard