أحلام مستغانمي التي أشكرها سرّا وأتجاهلها علنًا

الجمعة 21 ديسمبر 201808:27 م

“خذي هذا”

وألقت به على سريري في مسكن طالبات البحرين بحيّ المهندسين، حيث سكنت أثناء دراستي الجامعية للفنون التشكيلية بالقاهرة. كتاب بغلاف أزرق غامق وبخط عريض عنوانه "ذاكرة الجسد". كان عمري وقتذاك 18 عامًا، وما كنت يومًا من النشء المعجزة الذي قرأ نجيب محفوظ وعباس العقاد أو حتى يوسف السباعي في أوائل مراهقته، بل مرّات قليلة تسللتُ إلى مكتبة أبي الكلاسيكية، وقلّبتُ كتب عباس العقّاد وابن خلدون، التي كانت تستغلق عليّ معانيها تمامًا، فأعيدها إلى مكانها بخيبة، وأعود إلى كتبي المدرسية.

تحمّست -بعض الشيء - لهذا الكتاب من عنوانه. الجسد، يعني فيه كلام عيب! إذ لم تكن لفظة “الجسد” هذه تقع في مناهجنا إلا فيما ندر. كنا نستخدم لفظة جسم، ونُتبِعُها بالإنسان. نقول: جسمُ الإنسانِ، فيصبح شيئًا من فوره، يصلح للتشريح في الأحياء والوضوء في الدين. أما جسد هذه، فلفظة غامضة، لم تكن ترد، وبالمطلق هكذا. وعليه، فقد حشدت فضولي لكتاب الجسد هذا وبدأتُ أقرأ.

كيف أخبركم بدهشتي وقتذاك. شعورٌ، ربما استند إلى قلة معرفة، لكنه كان حقيقيًا، ولا يُنسى. كانت لغة عربية بكل تأكيد، لأنني استطعتُ قراءتها، لكنها لم تكن تشبه شيئًا قرأته من قبل. لا تشبه النصوص المدرسية في كتاب اللغة العربية. النصوص التي نحفظها، نستخرج منها المحسّنات البديعية والتشبيهات والصور، ونستخرج معانيها من المعجم. كتاب الجسد هذا، مفرداته سهلة، أفهمها من دون معجم، لكن تركيباتها عجيبة وساحرة. أظن أني نسيت العيب، قفزت فوقه، أو انشغلت عنه بلُعبة اكتشاف اللغة. إمكاناتها العجيبة، واحتمالاتها اللانهائية. في ذاك النصّ الطويل. وقتها، كنتُ أحفظ عن ظهر قلب، أن العربية معجزة القرآن، وأجمل اللغات، وأن العربية لغة الشعر، والعرب أهله، أحفظ أنها جميلة، ولا أُدرك جمالها، الجمال تدركه الحواس. شيءٌ ما كان قد بدأ بمداعبة حواسي بالفعل.

التهمت الكتاب في أيام، وكان، ربما، أول كتاب غير مدرسيّ أتم قراءته، بل أتمّه من دون أي جهد. ثم عرفت من صاحبتي التي أعارته إلي، أن له جزءًا ثانيًا “فوضى الحواس” ففعلت معه الشيء نفسه، أو فعل بي الشيء نفسه، بحالة من النشوة، والإنس بصحبة الحكاية واللغة، أمضيت أيامًا. الجزء الثالث والأخير من هذه الثلاثية “عابر سرير”، قفزت إليه كما قفزت إلى سابقَيْه، إنما قبيل نهايته، بدأتُ أتمهّل خشية أن تنتهي اللعبة. كنتُ صنعت لنفسي ما يشبه الروتين القرائيّ المستغانميّ اليوميّ، والصفحات تنفد. صرت أحدد عدد صفحاتٍ في اليوم لا أتجاوزها، فإن رغبت في الاستزادة أعدتُ قراءتها هي نفسها. لكن حيلتي لم تدم. وخلصت الحكاية الثالثة. فأصبحتُ من غير كتاب، وصارت عندي، للمرة الأولى، حاجة إلى كتاب. لا أقول رغبة. أقول حاجة!

أذكر المرّة الأولى التي ذهبتُ فيها للمكتبة. كنت لا أميز رفَّ الرواية من رفِّ الشعر من التاريخ من الفكر. حتى أميّز خطًا روائيًا عن آخر، أو نوع كتابة من سواه. كنت أرغب فقط بالاستزادة من هذا الكلام الحُلو الذي اعتدته، ليس أكثر. وكنت، كالذي ذاق شيئًا لذيذًا وهو مغمض العينين ثم أزيحت العصابة عن عينيه وإذا به قبالة نفس الأصناف من الأطعمة، لا يعرف أيها كان على لسانه منذ قليل. كنت أريد شيئًا مثل هذا الذي قرأته. ولم يرشدني بائع الكتب إلى شيء. فقمت، اعتباطًا، بعمل تشكيلة كتب لا أعرف عنها ولا عن كتّابها شيئًا، عسى يكون مطلوبي في واحد منها. عدتُ بها، وبدأتُ أقرأ.

تحمّست -بعض الشيء - لهذا الكتاب من عنوانه. الجسد، يعني فيه كلام عيب! إذ لم تكن لفظة “الجسد” هذه تقع في مناهجنا إلا فيما ندر. كنا نستخدم لفظة جسم، ونُتبِعُها بالإنسان.
كيف أخبركم بدهشتي وقتذاك. شعورٌ، ربما استند إلى قلة معرفة، لكنه كان حقيقيًا، ولا يُنسى. كانت لغة عربية بكل تأكيد، لأنني استطعتُ قراءتها، لكنها لم تكن تشبه شيئًا قرأته من قبل. لا تشبه النصوص المدرسية في كتاب اللغة العربية.
لكنني بقيت حتى اليوم، أذهب للمكتبة، وأحصل على نسختي من كتاب أحلام مستغانمي كلّما صدر لها واحدًج. أحمل لها كثيرًا من الامتنان، أنها محرّضتي الأولى على اكتشاف العربية، وأنها من شدّتني من أذني للمكتبة أول مرّة، وأشياء أخرى.

الذي جرى، بطبيعة الحال، أنني في طريقي الشاق للبحث على أرفف المكتبات، وأرصفة الشوارع، عن أحلام الجميلة، وجدتُ أشياء أجمل، ووجدتُ في نفسي سَعَة للسِّوى. فصرت كلما بحثت عنها أكثر، عثرتُ على وجهات قرائية أخرى أكثر إغواء للسير في اتجاهها، ثم لم أعد أبحث عنها، أو عما يشبهها، مجدّدًا. وصرت أقرأ للنقاد والمثقفين الناقمين على سوق مبيعات الكتب العربية، وما يسمونها بظاهرة الـ Best seller، وأفهمهم، وأعذرهم. قرأتُ بعدها لكتّاب ثِقال، تبكيك كتابتهم من فرط جمالها، وبالكاد تنفد نسخ الطبعة الأولى لإصداراتهم، ولا تجد أسماءهم ضمن الأكثر شهرة أو مبيعًا، وأسمع شكواهم المحقّة، وصرت أجالسُهم، ألتقيهم في معارض الكتب والندوات، أو حتى المقاهي، وأهزّ رأسي كلما أشاروا إلى الروايات غير محكمة البناء الروائي، مفرطة الاشتغال اللغوي الرائجة هذه. صرتُ أفهم أحيانًا إشاراتهم لأحلام وأصمُت.

لكنني بقيت حتى اليوم، أذهب للمكتبة، وأحصل على نسختي من كتاب أحلام مستغانمي كلّما صدر لها واحدًج. أحمل لها كثيرًا من الامتنان، أنها محرّضتي الأولى على اكتشاف العربية، وأنها من شدّتني من أذني للمكتبة أول مرّة، وأشياء أخرى. وحدث أن جربتُ إعادة قراءة ثلاثيتها بعد عشر سنوات من أول عهدي بها والقراءة، لأفهم سرّ دهشتي القديمة، فلم أعثر عليها. كنتُ بدّدت الدهشة في نصوص أخرى، وبقي لي من أحلام ذكرى لقائنا الأول، كحب قديم لا يمكنك عيشه، أو استعادته مجددًا، ولكنك تبتسم كلّما تذكّرته. هي أصدَرت أخيرًا كتابها “شهيًا كفراق”، هنيئًا لمحبّيها الدهشة. ولنا الطريق المفضي للمزيد من البحث خلفها - الدهشة-.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard