الانسحاب الأمريكي من سوريا: ترحيب روسي، مخاوف إسرائيلية وتخوين من المعارضة

الخميس 20 ديسمبر 201802:34 م

في خطوة مفاجئة كتبت الولايات المتحدة فصل النهاية لوجودها العسكري على الأراضي السورية بإعلانها الأربعاء أنها تستعد للانسحاب "السريع" و"الكامل" من سوريا، خطوة رحبت بها روسيا أهم حليف للنظام السوري، فيما اعتبرتها قوات سوريا الديمقراطية المعارضة خيانة وطعنة في الظهر، بينما عبرت إسرائيل عن “مخاوفها" وتمسكت فرنسا في المقابل بالبقاء في سوريا.

وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية الأربعاء أنه يجري التخطيط حالياً لسحب القوات الأمريكية من سوريا "بشكل كامل" و"سريع"، بحسب ما قاله مسؤول في الوزارة لشبكة سي إن إن الأمريكية، مضيفاً أن القرار اتخذ من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالما أشار إلى رغبته بالخروج من سوريا. وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد كشفت في وقت سابق خبر الانسحاب الأمريكي المخطط له.

وتتناقض الخطوة الأمريكية مع ما سبق وأعلنه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بشأن الإبقاء على الوجود الأمريكي بسوريا، وقال التحالف في بيان صدر في وقت سابق من هذا الشهر إن "أي تقارير تشير إلى تغيير في موقف الولايات المتحدة في ما يتعلق بالوجود العسكري في سوريا باطلة ومصممة لزرع الارتباك والفوضى".

كما تتناقض الخطوة مع قرار صدر مؤخراً من قبل وزير الدفاع جيمس ماتيس بتوجيه القوات الأمريكية لإنشاء مراكز مراقبة على طول الحدود السورية التركية كجزء من الجهود الرامية إلى الحد من التوترات بين تركيا والحلفاء الأكراد في الحرب ضد داعش.

كما أعلنت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً أن الخطوة الأمريكية "تتناقض مع الواقع"، حيث وصلت تعزيزات خلال الـ48 ساعة الأخيرة إلى منطقة شرق الفرات، من وقود ومعدات عسكرية ولوجستية وآليات، إلى جانب تعزيزات عسكرية وصلت القواعد العسكرية في منبج وحقل العمر.

وللولايات المتحدة حوالي 2000 جندي في سوريا يقومون بتدريب القوات المحلية على محاربة تنظيم داعش.

"هزمنا داعش"

 اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الأربعاء، أن بلاده هزمت تنظيم داعش في سوريا،  قائلاً إن بقاء القوات الأمريكية هناك كان مرتبطاً بتحقيق ذلك.

وفي تغريدة على حسابه في تويتر أعلن الرئيس الأمريكي قرار الانسحاب: "لقد هزمنا داعش في سوريا، وهذا السبب الوحيد لوجود (القوات الأمريكية) هناك”.

كما أصدر البيت الأبيض يوم الأربعاء بياناً مشابهاً لفحوى تغريدة ترامب، جاء فيه أنه "قبل 5 سنوات، كان داعش تنظيماً قوياً وخطيراً للغاية في الشرق الأوسط، والآن هزمته الولايات المتحدة...لقد بدأنا بإعادة القوات الأمريكية إلى الوطن".

لكن بعض المحللين يعتبرون أن أمريكا لم تهزم داعش كما يزعم ترامب، ونقلت وكالة رويترز  للأنباء عن السناتور الجمهوري لينزي جراهام، المعروف بمواقفه الداعمة لترامب، قوله إن أي قرار يتخذه الرئيس الأمريكي بسحب القوات الأمريكية من سوريا سيكون "خطأ".

ورفض جراهام الإقرار بأن الانسحاب يعني هزيمة داعش، بل على العكس اعتبر حدوثه في هذا التوقيت "انتصاراً كبيراً لتنظيم داعش وإيران وبشار الأسد وروسيا"، مضيفاً أنه يخشى أن تؤدي الخطوة إلى "عواقب مدمرة على أمتنا والمنطقة والعالم بأسره".

وبحسب جراهام فإن الخطوة الأمريكية ستزيد من صعوبة الاستعانة بشركاء في المستقبل للتصدي للإسلام الراديكالي، وستعتبر إيران وغيرها "من الأطراف الشريرة ذلك دلالة على الضعف الأمريكي في الجهود الرامية لاحتواء النفوذ الإيراني".

أما وزير الدولة في وزارة الدفاع البريطانية توبياس إلوود، فقد عبر عن خيبة أمل بلاده من خطوة الانسحاب الأمريكي، وكتب تغريدة على حسابه الرسمي في تويتر قال فيها إنه "لا يوافق بشدة" على تعليق ترامب بأن تنظيم داعش تعرض للهزيمة، قائلاً: "أنا لا أوافق بشدة. لقد تحول (التنظيم) إلى أشكال أخرى من التطرف"، معتبراً "تهديد" داعش قائماً "إلى حد كبير".

كما رفضت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي الخميس حديث ترامب وبيته الأبيض عن هزيمة داعش مؤكدة أن متشددي التنظيم "ضعفت شوكتهم لكن لم يتم محوهم من على الخريطة في سوريا ولابد أن تستمر المعركة لإلحاق هزيمة حاسمة بهم في جيوبهم المتبقية".

ووجهة النظر الفرنسية هذه كانت واضحة في موقف باريس الرسمي، إذ أعلنت الوزيرة الفرنسية للشؤون الأوروبية ناتالى لوازو الخميس أن فرنسا ستبقى عسكرياً في سوريا، معلنة: "في الوقت الراهن، سنبقى في سوريا".

انتصار لروسيا؟

 الانسحاب الأمريكي من سوريا قد يكون انتصاراً لروسيا التي تعد الحليف الأهم للنظام السوري، كون ذلك الانسحاب سيجعل موسكو اللاعب الأهم والأقوى على الأراضي السورية في الفترة المقبلة، رغم أن موسكو خفضت إلى حد كبير قواتها في سوريا، كما خفض سلاح الجو الروسي وتيرة عملياته القتالية في الأراضي السورية من 100-120 تحليقا في اليوم إلى 2-4 تحليقات أسبوعيا، حسب ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية الثلاثاء، ما تبقى من قوات روسية في سوريا هدفه غالبا هو جمع معلومات استخباراتية إضافية.

وأعلنت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، الخميس أن قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا يعني عودة واشنطن إلى قواعد القانون الدولي، قائلة: “أريد أن أذكركم بأنه على الرغم من الإعلان عن محاربة داعش، إلا أنه كان وجوداً غير قانوني”.

وأشارت زاخاروفا إلى أن موسكو تود أن تفهم ما تعنية الولايات المتحدة بـ “المرحلة الجديدة من الحملة” في سوريا، التي أعلن عنها البيت الأبيض بعد انسحاب القوات.

الخارجية الروسية أعربت في وقت سابق عن قناعة موسكو بأن قرار واشنطن بسحب القوات "سيؤثر إيجاباً على تشكيل اللجنة الدستورية السورية، وإيجاباً أيضا على الوضع في منطقة التنف الحدودية. بين سوريا والأردن".

ورأت موسكو في بيانها أن "الولايات المتحدة بدأت تدرك بأن معارضتها للجهود التي تبذلها الدول الضامنة لعملية أستانا (روسيا، تركيا، إيران) في سوريا تضر بالمصالح الأمريكية عينها"، حسب بيان الوزارة.

رفض جراهام الإقرار بأن الانسحاب يعني هزيمة داعش، بل على العكس اعتبر حدوثه في هذا التوقيت "انتصاراً كبيراً لتنظيم داعش وإيران وبشار الأسد وروسيا"، مضيفاً أنه يخشى أن تؤدي الخطوة إلى "عواقب مدمرة على أمتنا والمنطقة والعالم بأسره".
داخلياً، وصفت "قوات سوريا الديمقراطية” المعارضة قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا بأنه "طعنة في الظهر وخيانة لدماء آلاف المقاتلين".

"تدرس" التداعيات

"سنعمل على صون أمن إسرائيل وسندافع عن أنفسنا في هذا الساحة"، هذا ما تعهد به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقطع فيديو، نشره على حسابه في تويتر الأربعاء، كاشفاً تفاصيل محادثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الخطوة الأمريكية.

وقال نتنياهو: "تحدثت أول أمس مع الرئيس ترامب كما تحدثت أمس مع وزير الخارجية (مايك) بومبيو، الإدارة الأمريكية قالت لي إن الرئيس يعتزم إخراج القوات الأمريكية من سوريا وأوضحوا لي أنه توجد سبل أخرى للتعبير ميدانياً عن تأثيرهم".

وتابع نتنياهو أن "هذا هو بطبيعة الحال قرار أمريكي"، مضيفاً: "سندرس الجدول الزمني لهذا القرار وأسلوب تطبيقه وبطبيعة الحال سندرس أيضاً التداعيات بالنسبة لنا"، وحتى يطمئن شعبه ختم المقطع بقوله: "في أي حال من الأحوال سنعمل على صون أمن إسرائيل وسندافع عن أنفسنا في هذا الساحة".

أما داني دانون، سفير إسرائيل والممثل الدائم لدى الأمم المتحدة، فقال إنه يحترم قرار ترامب، لكنه أعرب عن قلقه بشأن الوضع الحالي هناك.

وأكد دانون أن بلاده تحترم القرار الأمريكي وأي قرار اتخذته الإدارة الأمريكية لكنه لم يخف تخوفه من وجود القوات الإيرانية في سوريا، قائلاً: "لدينا مخاوفنا بشأن سوريا، حول وجود القوات الإيرانية" هناك.

وتابع: "سنفعل كل ما هو ضروري لحماية شعبنا، بغض النظر عما إذا كان لديك قوات أمريكية، أو قوات روسية، أو أي دولة أخرى"، مضيفاً: "سنواصل اتباع سياستنا بعدم السماح للإيرانيين ببناء قواعدهم بجوار حدودنا".

خيانة وطعنة في الظهر

داخلياً، وصفت "قوات سوريا الديمقراطية” المعارضة الأربعاء، قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا بأنه "طعنة في الظهر وخيانة لدماء آلاف المقاتلين".

ونقل المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مصادر وصفها بالموثوقة، قولها إن قيادات في قوات سوريا الديمقراطية اعتبرت انسحاب القوات الأمريكية في حال تحقق، "خنجراً في ظهر" قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية، التي سيطرت الأشهر والسنوات الماضية على أكبر بقعة جغرافية خاضعة لسيطرة داعش وهي منطقة شرق الفرات مع منبج.

وقال المرصد إنه حصل على معلومات من عدد من المصادر الموثوقة أكدت أن جهات أمريكية عليا أبلغت قيادات من "قوات سوريا الديمقراطية"، أن القيادة الأمريكية تعتزم سحب قواتها من كامل منطقة شرق الفرات ومنبج.

ترحيب تركي

أما تركيا فرحبت بالقرار الأمريكي معتبرة الخطوة متوافقة مع الخطوط العريضة التي خرجت بها محادثة هاتفية جرت بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وقال مسؤول تركي لشبكة سي إن إن إن بلاده تعمل "مع الولايات المتحدة عن كثب في مجموعة من القضايا، نحن نرحب بهذه الفرصة لتعزيز تعاوننا مع زميلنا في حلف الناتو".

لكن المسؤول حذر من قرار واشنطن سحب وقاتها من سوريا، لن يضعف عزم تركيا على محاربة جميع الجماعات الإرهابية، بما في ذلك التابعة لحزب العمال الكردستاني، شرق نهر الفرات على حد تعبيره.

لكن هذا الترحيب لا يكشف نوايا تركيا الحقيقية التي قد تتحرك عسكرياً في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد بعد الانسحاب الأمريكي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard