رجل من ساتان يروي سيرة طفل من وحل وكحل

الأربعاء 19 ديسمبر 201801:49 م
إنها رواية قصيرة، تتخطى المائة صفحة بعشرة. هي الأولى للصحافي والمدوّن اللبناني الشاب، المقيم في باريس: صهيب أيوب، نسج قصّتها حول بطلها "نبيل"، بأسلوب أدبي غير متكلّف، عبر خيوط قصص عديدة، قريبة من الواقعيّة، متشابكة، لشخصيات قويّة أو مهمّشة، يلتقط مشاهد من حيواتهم كما عايشها، بالحقيقة ثم بالخيال، عبر حواسه الخمس، في الشوارع والأزقّة… وأحياناً البراري. قد يتماهى صهيب مع نبيل أحياناً وأحياناً يقتصّ نبيل أجزاءً من حياة صهيب، دون أن ينقل سيرته الذاتيّة، قد تبدو الحكاية برمتها جزءاً صغيراً وغامضاً، من تاريخ "فيحاء"، أمست، بفعل الحرب وإفرازاتها، "مقبرة كبيرة" ، مدينة لا تشبه ناسها وغابة لا تقترب من أشجارها، خاصةً الشباب اليافعون فيها، إذ تُدفن شخصياتهم الحقيقية، تطلعاتهم الحرّة وأحلامهم المتحرّرة تحت عسف قهرٍ لا يهزمه إلا الهروب. يتذكّر رجل الساتان طفولةً قاسيةً، حين كان يأتيه دفق الحنان على شكل اهتمام من "عليا"، الأرملة الصغيرة والجميلة التي قوّاها القهر والظلم، فباتت غير مرغوب بها تقريباً داخل مجتمع محافظ، يريد من أفراده - لاسيما نسائه - أن يبقوا منصاعين وخاضعين.

رجل من ساتان: رواية قصيرة، تتخطى المائة صفحة بعشرة، تذكرنا أننا نعيش في عالم لم تعد تلزمه الوصايا

هنا، حيث يغضبون على المتمرّدات، في الوقت الذي يتمنون فيه أن يكنّ مكانهن، فتضيع الحياة بين الإدانة والغيرة، ويأتي تضامن الخاسرين ليتابعوا العيش، تضامن الولد الذي هو بلا أم مع المرأة التي هي بلا زوج، تضامن الفاقدين, تضامن المتحسّرين.
"رجل من ساتان": في بيئة غير عابئة بمرارة إحساس الصبي باليُتم، بل تدفعه بقسوة ليصير بسرعةٍ رجلاً "يحلّ ويربط" ويحمل مسؤوليات، سمع أنه ورث جماله الهجين عن أمه التي قيل أنها نصرانيّة، وأيضاً يهوديّة، أي غريبة، ثمّ ما لبث أن اكتشف زيف هذا اليتم "الثقيل" أصلاً وبقي السؤال حوله معلّقاً، يؤرّقه
وجد نفسه في مواجهة صريحة مع تخبّطه الجندري، في قضيّة ما زالت تثير السخط وتجلب على صاحبها لعنات النبذ والرفض، حتى في العاصمة بيروت، وعلى الأرجح عواصم أخرى من هذا العالم.
في خضمّ بيئة غير عابئة بمرارة إحساس الصبي باليُتم، بل تدفعه بقسوة ليصير بسرعةٍ رجلاً "يحلّ ويربط" ويحمل مسؤوليات، سمع أنه ورث جماله الهجين عن أمه التي قيل أنها نصرانيّة، وأيضاً يهوديّة، أي غريبة أو عدوّة بحكم شروط الزمان والمكان، مما عزّز شعوره بعدم الانتماء والأمان… ثمّ ما لبث أن اكتشف زيف هذا اليتم "الثقيل" أصلاً وبقي السؤال حوله معلّقاً، يؤرّقه.  ورث مهنة الخياطة عن جديّه، أحبها، شعر أنها أقرب إلى روحه المؤنّثة من القتال العبثي الذي اقتيد إليه قسراً، كأن صراع الجبهة وضعه بمواجهة صريحة مع تخبّطه الجندري، في قضيّة ما زالت تثير السخط وتجلب على صاحبها لعنات النبذ والرفض، حتى في العاصمة بيروت، وعلى الأرجح عواصم أخرى من هذا العالم. حكاية بكر عائلة "أكومة"، في باب التبانة، بكل ما تعرّيه من أسرار الذات وخبايا الآخرين، قسطاً من صدق إنسان لا يخجل من نفسه ويحترمها أولًا قبل أن يتسوّل احترام المحيطين لها، وضرب شجاعة وسط جموع تكذب على نفسها، متأهبة دوماً لطرد كل من تصالح مع حاله أو ينوي ذلك. نقل لنا صهيب بين دفّتي كتاب أنيق، بحجم كتب الجيب، مع غلاف من وحي الأفلام القديمة التي تأثّر بها، ومن إصدارات العام الجديد (2019) لدار نوفل / هاشيت - أنطوان، بوعي أو بدون، شيئاً من تراث مدينةٍ قريبةٍ - بعيدة، بعضنا يعرفها، بعضنا لا يجرؤ على الاقتراب منها، وبعضنا منها، عبر ذكر أسماء عائلاتها المعروفة: المقدّم، القاوقجي، عنكليس… أماكنها الشعبيّة: فنادق حكيم وبلازا، سينما بيروكيه، موقف القطّان… لهجتها المحلية: مروكبة، تبسة، قطارميز… وحتى أسلوب أهلها بتناول الطعام: "سندويش مغربية"! يحمل هذا التأليف والتوليف، برأيي، قيمةً إنسانيةً عميقةً، وجرأةً شجاعة بل ومتهوّرة في مواجهة المدّ الديني الذي يرتدي أقنعة الأخلاق في عالم لم تعد تلزمه الوصايا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard