كياني لغتي

الثلاثاء 18 ديسمبر 201809:38 ص

كل الكلمات التي لم أكتب حتى الآن هي عشقي المؤجل الذي أمشي إليه في طريق وعرة، ضيقة، شاقة. يصيبني الدوار كثيراً وأنا أسلك طريقي إلى هذا الصرح: اللغة العربية.

في نطق اللغة العربية شيء من السحر، مثل إغراء يرسم فوق الشفتين وهما تتباعدان قليلاً ليطل اللسان بين الأسنان ويطلق حرف الضاد في مخارج عصية عسيرة، إنه أعسر الحروف نطقاً على الإطلاق ولشدة عسر النطق به سميت كل اللغة العربية باسمه، اختصرت في حرف واحد: لغة الضاد.

كياني لغتي، حرف ضاد غير مشكول، صعب، مغرٍ بين الشفاه حين ينطق، عسير المخارج كثيراً، طليق اللسان أحياناً، ساكن ربما إذا ما كثرت علاته، وحرف العلة ساكن بطبعه كما يقول النحاة، وقد يتحول فجأة إلى حرف مد، والمد هو إطالة الصوت بحرف عند ملاقاة همزة أو سكون. سكوني كثير وهمزاتي قليلة وأنا بينهما عصية على المد.

قد أطيل في لغتي، قد أسهب فيها حين أكتبها، أنطق بها، أغنيها، أحتفي بها احتفاء العاشقة بعاشقها، عاشقها أم عشيقها ؟ حرف واحد يصنع الفرق ويغير القصة، وقصتي تشبه حرف ياء تأخر وحرف ضاد عسير على غير الناطقين بالعربية.

وما أنا إلا لغة متعددة الحروف كثيرة الشكل. همزاتها : رسومها صعبة، إن حُفظت أتقنت وإن أهملت نُسيت.

في اللغة العربية حروف قُدّت من رشاقة، أمام الواو الساكنة المضموم ما قبلها أقف مشدوهة، لا زيادة ولا نقصان، لكل حرف إيقاع، رنات لا نشاز فيها.

اللغة مغرية، شديدة الرغبة لا تشبع حين تكتشف الذات من خلالها.

كياني لغتي، حرف ضاد غير مشكول، صعب، مغرٍ بين الشفاه حين ينطق، عسير المخارج كثيراً، طليق اللسان أحياناً، ساكن ربما إذا ما كثرت علاته، وحرف العلة ساكن بطبعه كما يقول النحاة، وقد يتحول فجأة إلى حرف مد، والمد هو إطالة الصوت بحرف عند ملاقاة همزة أو سكون. سكوني كثير وهمزاتي قليلة وأنا بينهما عصية على المد.
في الكتابة شيء من السحر لا يشبه المتعة، يؤجل المتعة إلى حين إتقان اللعبة مثل درس في الغواية، في استدراج الآخر إليك دون أن تشعر ودون أن يشعر. ستعرف السر وسط القصة، في قلب الغواية وأنت تمارسها بلغة خاصة بك، وإن كانت مفرداتها متعارفاً عليها، إلا أن أسلوبك يتحول إلى هويتك في اللغة.

الواحدة منا ترى نفسها في ما تكتب، أو الأصح تمعن النظر في نفسها من خلال ما تكتب. أرى كل الوجع على الورق وإن أخفيته، وأرى كل الفرح على الورق وإن خبأته. حتى في قصص لا تعنيني أرى نفسي من خلال ما أكتب. قد أحضر وقد أغيب، قد أختفي خلف النهاية بقليل، وقد أطل في المقدمة الغامضة، أسهب، أختصر، أكرر، أمحي، أعيد دون تكرار ثم أمضي .

لعبة هي اللغة ؟ إنها مراوغة مثل فصول الحياة، تسير معنا وتتوقف حين يتوقف النبض فينا، حين تداس المشاهد بداخلنا، حين تنقطع الطرقات الكثيرة الممتدة فينا، حين نرى الجسر المعلق لما نعيشه ونحياه قد انهار أو أوشك أن ينهار، وحين نمشي فوقه ولا نعلم هل نعود أدراجنا أم نواصل، هل نجازف أم نستسلم.

اللغة كذلك، نبضها، مخارج الحروف فيها تحتاج  إلى أوكسيجين، حتى في الكتابة عن الموت تحتاج اللغة إلى أوكسيجين.

اللغة كائن أنثوي بالضرورة يجيد لغة الجسد مثلما يجيد لغة العقل والروح بينهما تحلق في نشوة، كلما توازن الاثنان صارت اللغة سلسة أنيقة غير متكلفة، غامضة غموضاً كافياً، واضحة وضوحاً كافياً، ميزان ذهب.

وصمت اللغة ذهب، عياره أربعة وعشرون قيراطًا. قيل إن المرأة لا تحسن الصمت،  فإن أحسنت فلا تقاطعها، وإن كتبت بتدفق ولم تتوقف فلتت اللغة منها واختلطت. فباب المد يحب السكون.

 واللغة قرينة الحكمة أحياناً، الكثير من الكلام يقتلها وقد يجعلها سوقية. الحكمة أن تعرف متى تتوقف.

في الكتابة شيء من السحر لا يشبه المتعة، يؤجل المتعة إلى حين إتقان اللعبة مثل درس في الغواية،  في استدراج الآخر إليك دون أن تشعر ودون أن يشعر. ستعرف السر وسط القصة، في قلب الغواية وأنت تمارسها بلغة خاصة بك، وإن كانت مفرداتها متعارفاً عليها، إلا أن أسلوبك يتحول إلى هويتك في اللغة.

في ارتعاشة الروح وأنت تكتب، تسترسل في الصياغة دون إطالة في الحديث مع الآخر، ذلك البطل الذي صنعته قبل صفحتين، هذا الغريب الذي يتحول بعد قليل إلى آسر ستختار كلماته وتسيطر على صمته.

الصمت يصنع الفرق وسط اللغة وربما يغير القصة، تلك التي تكتبها وتعيشها، يعيدك إلى اللغة مثلما ينبهك إلى جزئية في النص فاتتك. توقف فورًا. الصمت ذلك الفصل الذي يغير كل القصة مثلما يعيد إنتاج كل اللغة بشكل آخر، أجمل ربما.

كل تلك المشاهد العاصفة في رأسك تحتاج إلى كتابة، قد تصلح للكتابة وقد لا تصلح، الفرق يكمن في المسافة الفاصلة بين المشهد والكتابة. قد تموت اللغة في الوسط، قد تنتحر وقد تغيب تماماً. يتحول كل ما سبق إذن إلى مجرد حوادث وبعدها بقليل لن تكون سوى وقائع غير مهمة إلا إذا استحضرتها الذاكرة.

كل الفرق يكمن في اللغة إن سيطرت على اللغة اكتشفت كل الكيان، كيانك.

سلام على اللغة العربية في عيدها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard