"فتحُ المُتعال في مدح النِّعال": كيف صار حذاء النبي رمزاً في المغرب العربي

الخميس 20 ديسمبر 201806:36 م
شغَل موضوع التبرك بآثار النبوة والأولياء بالَ الفقهاء منذ البدء، واحتدم الصراع على الورق بالمداد بين مكفّر متهم بالشرك، وبين من يرى أن تقبيل الآثار النبوية وتتبّع مسار النبي نوع من التسنّن والحب الشريف. غير أن فئة أخرى اتجهت في تناولها للموضوع اتجاها تاريخيا: فقامت بالبحث عن الشرعية التاريخية لما يُقال أنه آثار النبي. موضوع النعال النبوية من الموضوعات الأثيرة في السيرة النبوة، للحد الذي جعلَ بعضَ الفقهاء قديما يؤلف فيه كتابا أسماه "فتح المُتعال في مدح النعال "، تتبع فيه الآثار عن نعل الرسول وصفته ولونه ومادّته وحامله وعدد النعال التي كان يستعملها، مع رسم مثالي للنعل الشريفة. بل وبلغ الأمر إلى تناقل سنَد الرسوم المثالية للنعل النبوية التي يجري التمسّح بها وتقبيلها والتبرك بها وإن كانت رسما على ورق. يستشهد الصوفية دائما بشعر قيس ليلى: أمرّ على الديار ديــار ليلى   أقبّل ذا الجدارَ وذا الجدارَا وما حبّ الديار شغفنَ قلبي  ولكن حبّ من سكنَ الديارَا ويقولون: وما حبُّ النعال أمالَ قلبي  ولكن حبّ من لبِسَ النعالا يورد المقرّي صاحب فتح المتعال أوصاف النعال التي لبسها النبي، جامعا الآثار الواردة في ذلك، سواء التي تذكر نعل النبي خاصة أو تلك المتعلقة بآداب لبس النعال، ثم يوضح بعدها شكل النعال التي صحّت نسبتها للرسول، ويحكي أيضاً عن البركة الثابتة والخوارق التي وجدها كل المتبركين المحبين لهذه النعال. ويُذكّر على أن حب النعل وكل متعلقات النبي ليست استخفافاً بإنسانية المؤمن، بل هو تمام المحبة وشعار العشق، لذلك يرسمها على المقاس الأصلي لتعم بها البركة ويستشفي بها المرضى الذين لا يستطيعون الوصول إلى لمس النعل الحقيقية. ثم يأتي المقري على ذكر القصائد والأشعار التي قيلت في تمجيد النعل ومدحها والتولّع بها وبصاحبها، وكما هو الحال دائماً، فإن عقد المقارنات بين الأنبياء السابقين وبين محمد الرسول الخاتم لا بد وأن تجد مكانها في مدائح النعل الشريفة أيضا، يقول الشاعر: على رأس هذا الــكون نـعـل محمّد   علَتْ فجميع الخلق تحتَ ظلالهِ لدى الطور موسى نُوديَ: اخلعْ، وأحمدٌ على القُرب لم يُؤمرْ بخلع نعالهِ قد يرى البعض في الأمر مبالغة وغلوّاً وخروجاً بقصة موسى عن سياقها، أُمر بخلع نعليه وهو بعيد عن الله في الأرض: "اخلع نعليْك إنك بالوادي المقدس طُوى"، بينما محمد في معراجه المشهور دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى، ولم يُؤمرْ بخلع نعليه كأخيه موسى، وفي هذا فضل وزيادة تشريف وترميز لخاتمية النبي العربي وطهارة كل متعلقاته.

"تحكي الآثار أن نعل النبي صفراء من جلود البقر، مُخصّرة (نحيفة من الوسط على هيئة الخصر) لها عَـقِب تضم به الرجل، ولها قِبالان لكل فردة (الزمام والسِّير الذي يكون بين الأصبعين)"

كان للمغاربة شأن خاص مع التآليف الخاصة بنعل الرسول، ويوضّح المقرّي أن هذا الولع عند المغاربة راجع إلى بُعدهم عن البقاع المقدسة وعن النعال المنسوبة للرسول، مما جعلهم يُطفئون لهيب الحب النبوي بتأليف الكتب ونظم القصائد وتدبيج الرسومات النموذجية للنعل الشريفة.

النعل الأشرفية

وعلى كل حال تظّل النعل التي كانت عند الشرفاء الطاهريين الصقليين بفاس نعلاً استثنائية ومشهورة، يقع ذكرها غالباً مع النعل الأشرفية التي كانت في حوزة الملك الأشرف الأيوبي، غير أن هذه النعل هي الوحيدة التي دخلت بلاد المغرب عن طريق هؤلاء الأشراف الحسينيين، مع سنَد كالحديث وتوقيعات للعلماء تؤكد على أنها النعل التي كان يلبسها النبي وليست صناعة وتزويراً.
كان للمغاربة شأن خاص مع التآليف الخاصة بنعل الرسول، ويوضّح المقرّي أن هذا الولع عند المغاربة راجع إلى بُعدهم عن البقاع المقدسة، مما جعلهم يُطفئون لهيب الحب النبوي بتأليف الكتب ونظم القصائد وتدبيج الرسومات النموذجية للنعل الشريفة.
يحكي المقرّي صاحب فتح المتعال أوصاف النعال عن البركة الثابتة والخوارق التي وجدها كل المتبركين المحبين للنعال المنسوبة للرسول
وقد ذكر الكتاني في سلوة الأنفاس أن دار هؤلاء الشرفاء كانت مقصداً للعلماء والصوفية من أهل الله للتبرك بهذا الأثر النبوي والاستشفاء به، وقد دافع الكتاني عن أصالة هذه النعل وردّ بشراسة على كل من شكّك فيها. وحين دارت رحى الفتنة الأهلية في زمن المولى إسماعيل العلوي، ضغط أهل فاس على الطاهريين من أجل تقديم إحدى الفردتين هدية للسلطان كيْ يشفع لأهل فاس ويرحمهم. فبنى لها قبّة في قصره أسماها "قبّة النعال" وبعدها انقطع الخبر عنها وضاعت في التاريخ. بعض المؤلفات عن نعل الرسول: مدح المتعال في مدح النعال؛ النفحات العنبرية في وصف نعال خير البرية؛ نفحات العنبر في وصف نعل ذي العلاء والعنبر؛ نيل الشفا بنعل المصطفى؛ جلاء الأبصار في صفة نعل النبيّ المختار. ينقسم الفقهاء المالكية بين مُبيح للتمسح بصورة مثال النعل النبوي، وبين من يرى أن الفعل مكروه ولا ينبغي الإتيان به إلا إذا غلبَ الشوق والحب وخرج عن حدّ العقل، وحينها لا حرَج على المرء في أن يبكي ويقبّل ويتمسح بهذه المثالات. غير أن منهج الصوفية وفولكلور التبرّك غلب على الفقه الجامد، فصارت صورة النعل شعارا لأهل التصوف يُطبع في مقدمات الكتب الدينية وفوق العمائم ويُتخّذ منه شعار الخواتيم للزينة. وينقل الحجّوجي في المنح الوهبية عن الشيخ التاودي من فقهاء المالكية الفاسيين قوله: "وقد منّ الله عليّ مع حقارتي وضعف تعلّقي بالسنة والحديث، بأني رأيتُ فردا من نعل النبي، ومسحتُ به وجهي وعيني". يُحكى عن عمر أنه كان يتمسح برمّانة منبر الرسول قبل أن يدعو الله، وهناك حديث في صحيح مسلم عن عائشة أنهم كانوا يُخرجون قميص رسول الله بعد موته فيستشفي به الناس. وأن الصحابة كانوا يتسابقون على نُخامة النبي وبقايا وضوئه فيتمسحون به، ويستشهد الصوفية أيضاً بأفعال الأئمة الأربعة وبقبر البخاري نفسه صاحب الصحيح الذي كان يُستسقى به فينزل المطر مدراراً، بينما يرى السلفية في هذه الأفعال شركاً ونوعاً من البدعة الضلالة ومدخلاً للشيطان ويتأولون الأحاديث على أنها كانت خاصة وجائزة في حياة النبي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard