مشاريع قطر في غزة... اتهامات بلعب دور في ترسيخ الانقسام الفلسطيني

الاثنين 17 ديسمبر 201806:25 م
ثائر، 23 عاماً، هو شاب فلسطيني من قطاع غزة، أصيب في شهر نيسان الماضي بطلق ناري من الجنود الإسرائيليين في قدمه اليسرى، أثناء قيامه بتصوير أحداث مسيرات العودة على الحدود الشرقية للقطاع. تلقى ثائر مساعدات مالية تقدّمها بعض المؤسسات والدول لمصابي مسيرات العودة، كان آخرها مبلغ 200 دولار من دولة قطر، قبل شهر. وكانت قطر، عن طريق سفيرها محمد العمادي، قد أعلنت قبل شهرين تقريباً تقديم مساعدة مالية عاجلة لقطاع غزة، لتغطية عدة جوانب، من ضمنها تقديم مبلغ مالي قدره 200 دولار لجرحى مسيرات العودة، يتم صرفها على مدار ستة أشهر متتالية. عندما ظهر اسم ثائر في كشوفات المساعدة المالية وذهب لاستلامها من مكتب البريد، اضطر هناك أن يبصم بالعين إلى جانب تقديمه صورة هويته، كإجراء يتم لأول مرة في قطاع غزة. في ما بعد، سمع شائعات كثيرة حول اشتراط إسرائيل حصولها على بصمة عين كل مَن يتسلم مبلغاً مالياً للموافقة على إدخال المال القطري في سيارة العمادي، فبدأ القلق ينتابه، وهو قلق تشاركه فيه بعض الفصائل والموظفين والجرحى، برغم عدم وجود أي دليل على صحة هذه الشائعات. يقول: "ما استلمته لا يغطي تكاليف العلاج، ولو كانت توجد جهة أخرى غير قطر تمنحنا المساعدات لذهبت إليها، ولكن أنا وغيري وبسبب وضعنا المادي مجبرين على أن نقبل بالبصمة. وأنا الآن بحاجة إلى السفر لإجراء عملية زراعة عظم مكان الإصابة لكنّي خائف من تقديم أوراقي للسفر". أما وسام رضوان، الموظف في وزارة الإعلام في قطاع غزة، فكان من المفترض أن يحصل على راتبه كاملاً خلال الشهرين الماضيين، بموجب المنحة المالية القطرية الأخيرة. ولكن هو وبعض زملائه من موظفي حكومة غزة، لم تُدرَج أسماؤهم ضمن كشوفات الرواتب، ولم يحصل على أي تفسير حول أسباب ذلك. يقول لرصيف22: "أنا مع أي جهد داعم للموظفين في القطاع، خاصة وأننا منذ سنوات لم نتلقَّ رواتبنا بشكل كامل ومنتظم، وأي أمر يسهّل علينا حياتنا نحن معه، لكن بشرط ألا تكون هناك أثمان سياسية بالمقابل"، متسائلاً عن الأسباب التي تجعل موظفاً يستفيد وآخر لا يستفيد من المنحة القطرية، وعن عدم تقديم تفسير واضح لهذا التمييز سواء من قطر أو من وزارة المالية في غزة.

المنح والمشاريع القطرية

عام 2012، وبعد العدوان الإسرائيلي الثاني على قطاع غزة، زار الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني برفقة زوجته قطاع غزة بدعوة من حركة حماس، وأعلن خلال زيارته عن منحة مالية بقيمة 407 ملايين دولار لإقامة مشاريع في غزة. كانت البداية بالإعلان عن إنشاء مدينة حمد الإسكانية بتكلفة تجاوزت الـ60 مليون دولار، كدعم ومنحة للفقراء والمحتاجين، على أن تتضمّن بناء قرابة ثلاثة آلاف وحدة سكنية على مساحة 126 دونماً، ليتم توزيعها على طالبي المساكن. لكن سرعان ما تغيّرت الفكرة، وجرى تحويل المشروع الإغاثي إلى مشروع استثماري، بعدما أعلنت وزارة الأشغال العامة في غزة أسعار الشقق وموعد القرعة العلنية للمستفيدين مقابل أقساط شهرية. س. ر. ربة منزل في عقدها الرابع، تعيش هي وأسرتها المكوّنة من خمسة أفراد بالإيجار منذ 20 عاماً، ويتلقون مساعدات من وزارة الشؤون الاجتماعية بسبب عدم تمكّن زوجها من العمل جراء إصابة قديمة في قدمه. توجهت س. ر. إلى وزارة الإسكان في غزة، للحصول على شقة، فطُلب منها تأمين دفعة مالية أولى قدرها خمسة آلاف دولار لتحصل على شقتها. لكن، وبسبب وضعها الاقتصادي الصعب، لم تتمكن من ذلك. وتقول: "في بداية المشروع، كان من المفترض أن تخصَّص الوحدات السكنية للفقراء والمحتاجين دون أي مقابل مادي، لكنهم حوّلوه إلى مشروع استثماري على حسابنا، ولا أعلم لماذا لم يعترض المانح". توالت إقامة المشاريع القطرية. تم إنشاء مستشفى حمد للأطراف الصناعية في شمال مدينة غزة، على مساحة 12 دونماً بتكلفة تقدّر بـ16 مليون دولار، لكن لم يتم افتتاح أقسامه بشكلٍ كامل حتى اليوم. وأُطلق مشروع إعادة تأهيل شارع صلاح الدين الذي يُعتبر من أكبر شوارع قطاع غزة، ويمتد من معبر رفح جنوباً حتى معبر بيت حانون شمالاً، وتجاوزت تكلفته 84 مليون دولار. وأعيد تأهيل الملعب المعشب من إستاد فلسطين الدولي في غزة، وكذلك أعيد بناء المدرج الغربي للملعب، والذي دمّرته الطائرات الإسرائيلية، حسب مواصفات وشروط الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بتكلفة تجاوزت مليوني دولار. وظهر مشروع إنشاء مجمع قصر العدل في مدينة الزهراء جنوب غرب مدينة غزة، على مساحة 10 دونمات وبتكلفة تجاوزت الـ11 مليون دولار، خُصصت للبناء وتجهيزه بأثاث مكتبي وأجهزة حاسوب، وتم افتتاحه حديثاً. المشاريع القطرية في غزة لم تقتصر على ذلك، بل شملت دعماً للبلديات وتقديم مولدات كهربائية، وأدوية وبدل مواصلات لموظفي المستشفيات في الحروب، وإنشاء عدد من العيادات البيطرية. وأعلن السفير القطري مؤخراً تقديم منحة مالية بـ150 مليون دولار مقسمة على ستة أشهر لدفع رواتب موظفي حكومة غزة، وتغطية تكلفة السولار الصناعي لتشغيل محطة توليد كهرباء غزة، بالإضافة إلى منح مالية لمصابي مسيرات العودة وأسر الشهداء. كما أعلن العمادي اقتراح قطر على إسرائيل الموافقة على إقامة مطار في قطاع غزة يشغّل رحلات بين الدوحة والقطاع المحاصَر، وهو ما لم يلقَ تجاوباً من الدولة العبرية.

انقسام الفصائل الفلسطينية

بعد تقديمها المنحة المالية الأخيرة، سارعت حركة حماس، على لسان عضو مكتبها السياسي عزت الرشق، إلى شكر قطر على أساس أنها تدعم صمود الشعب الفلسطيني في القطاع المحاصَر منذ سنوات، وتعمل على التخفيف من المعاناة اليومية للمواطنين. لكن في المقابل، صرّح رئيس المكتب الإعلامي لمفوضية التعبئة والتنظيم في حركة فتح منير الجاغوب أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، موضحاً أن أموال المساعدات للشعب الفلسطيني يجب أن تمرّ عن طريقها. وانتقد الجاغوب قبول حركة حماس الأموال القطرية قائلاً: "هذه الأموال تأتي إلى حماس وليس إلى الشعب الفلسطيني، وهذا أمر مؤسف"، مضيفاً أنها "تأتي لتعزيز الانقسام والانفصال وذهاب قطاع غزة بعيداً عن الوطن الأم وتحقيق صفقة القرن"، وواصفاً ما تقوم به قطر بأنه جزء من التطبيع العربي. ورد عضو المكتب السياسي لحركة حماس حسام بدران، في لقاء متلفز على حديث الجاغوب بقوله: "حماس وقطر عرضتا على السلطة الفلسطينية أن تدخل أموال المنحة القطرية إلى قطاع غزة من خلالها، لكن السلطة هي مَن رفضت ذلك وأرادت أن تبقى معاناة شعبنا الفلسطيني رهن إنجازات سياسية أو خلافات في المصالحة". من جانب آخر، يقول وليد العوض، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني، أحد فصائل اليسار الفلسطيني ويُعتبر من أكثر الفصائل الرافضة لقرارات حركة حماس الأخيرة، لرصيف22 إنه "منذ أن بدأت قطر بتنفيذ مشاريعها، لاحظنا أنها تخفي أهدافاً سياسية خلف هذه المشاريع وتتدحرج باتجاه أن تكون وسيطاً بين الوضع القائم في قطاع غزة وبين سلطات الاحتلال الإسرائيلية، لذلك حذّرنا من مغبة توظيف القضايا الإنسانية الملحّة لشعبنا الفلسطيني لخدمة المسار السياسي". ويرى أن قطر تلعب دوراً كبيراً لإطالة عمر الانقسام الفلسطيني، وتلعب دور الوسيط لتثبيت تهدئة منزوعة عن سياقها الوطني الفلسطيني الشامل بين قطاع غزة والاحتلال، ويقول إن "الشعب الفلسطيني يسعى إلى تهدئة شاملة بنيل كافة حقوقه المشروعة بينما قطر قامت بلعب دور السمسرة".
خلاف بين الفلسطينيين حول أموال المساعدات القطرية لقطاع غزة... "قطر تلعب دور الوسيط لتثبيت تهدئة منزوعة عن سياقها الوطني الفلسطيني الشامل بين غزة والاحتلال، وتقوم بالسمسرة"
أبناء غزة منقسمون حول الدعم القطري... "هناك دور سياسي لقطر وهي اعترفت بذلك. إنها تنفّذ سياسات مطلوبة منها أمريكياً، وبالتالي مساعداتها لها علاقة بمخططات أمريكية وإنْ كانت الواجهة الدعم الإنساني"
وانتقد العوض تقديم الأموال الأخيرة لقطاع غزة قائلاً: "كان يمكن لقطر أن تقدّمها في سياق عملية نجاح المصالحة، ولكنها للأسف تقدّمها في السياق الأمني، وتتعامل مع القطاع وكأنه أحد بلدات دولة قطر". ولكن الناطق الإعلامي باسم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين داود شهاب يعتبر أن المشاريع القطرية ركزت على قطاعات حيوية ومدنية هامة للمواطنين في القطاع، وقال: "نحن كفصائل مقاومة لا نغفل حاجة أبناء شعبنا ونؤيد كل ما يساهم في التخفيف من معاناتهم". وأضاف لرصيف22: "نحن مع أي جهد يمكن أن يخفف عن الناس خاصة إذا كان جهداً غير مسيس، بمعنى ألا يكون مرتبطاً بثمن سياسي يمس حقوقنا".

مشاريع إنسانية أم سياسية؟

الخلاف في الآراء حول المشاريع القطرية في القطاع ليس بين الحركات الفلسطينية فقط، بل أحدث انقساماً في الشارع الفلسطيني. البعض يعتبرها مشاريع إنسانية، والبعض الآخر يعتبرها تدخلاً سياسياً من قطر في السياسة الفلسطينية بهدف تعميق الانقسام الفلسطيني، وخاصة المنحة المالية الأخيرة التي دخلت مباشرة إلى حركة حماس بدون موافقة السلطة الفلسطينية. ويرى الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني أن المشاريع القطرية تأتي ضمن البُعد الإنساني ودور قطر العروبي تجاه القضية الفلسطينية ومساعدة الشعب الفلسطيني، ويقول لرصيف22: "أيضاً لا نخفي أن هناك بُعداً آخر وظيفياً أو بعداً سياسياً لقطر منسجماً مع المحيط الإقليمي والدولي وتحديداً الإدارة الأمريكية، ولكن هذا دورها لإحداث حالة استقرار في المنطقة". وحول الخلاف بين حركتي فتح وحماس على المنحة القطرية الأخيرة، يعتقد أن ما يحكم العلاقة بين الحركتين هو حالة الانقسام والخلاف السياسي، وقال: "حركة فتح تتلقى الدعم المالي من جميع دول العالم ومن ضمنها قطر". وتابع: "حركة فتح ترى في الأموال القطرية منقذاً لحكم حركة حماس في غزة، بينما تفرض من خلال السلطة الفلسطينية العقوبات بهدف انفجار الناس في وجه حماس"، مضيفاً: "حركة حماس ترحب بأية أموال تأتيها من الخارج بهدف تخفيف الأوضاع المتفاقمة في القطاع طالما أنها دون أي ثمن سياسي، أو على الأقل الاستحقاق السياسي الذي يُطلب مقابلها يكون في حدود قدراتها ويتوافق مع رؤيتها". لكنّ الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل يختلف مع الرأي السابق ويقول لرصيف22: "لا يمكن اعتبار أن المال القطري الذي تم ضخه في قطاع غزة على مدار السنوات الماضية جاء بخلفية قومية أو خلفية تضامن مع الشعب الفلسطيني والدعم غير المشروط". وأضاف "هناك دور سياسي لقطر وهي اعترفت بذلك في مرات قليلة. إنها تنفّذ سياسات مطلوبة منها أمريكياً، وبالتالي مساعداتها لها علاقة بمخططات أمريكية بصفة عامة وإنْ كانت الواجهة الدعم الإنساني". وأكد عوكل أن المساعدات المالية القطرية لها تأثير كبير على الوضع السياسي الفلسطيني، وتساهم في تعميق الانقسام من خلال تنفيذ مخططات معادية وغير مناسبة للشعب الفلسطيني، مشدداً على أن أي دعم يقدَّم للفلسطينيين يجب أن يكون عن طريق القناة الرسمية الفلسطينية. وقال: "من المفترض أن يكون أي دعم يقدَّم للفلسطينيين في سياق تعزيز المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وليس في سياق تقوية حركة حماس وتشجيعها على الذهاب باتجاه حلول منفردة لقطاع غزة".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard