سوري وأيوب... قصة حب إيرانية العاشقة فيها فاعلٌ وليست مفعولاً بها

الأحد 16 ديسمبر 201801:04 م

"من هي سوري؟ سوري الوردة التي نمت في جهنم، سوري دمعة من العين ضاعت على الخدود، سوري مسافرة ضاعت في الطريق الصحيح وليس الخطأ". هكذا بدأ الشاعر الإيراني المعاصر "عاصم أردبيلي" أشهر قصيدة له وأكثرها شعبية لفرط واقعيتها فهي حكاية عشق المرأة سوري لأيوب الرجل. القصة حزينة كأغلب حكايات الحب الخالدة، مع فارق كبير: سوري العاشقة هي الفاعل في القصة وليست مفعولاً  بها.

لم تحظَ قصص الحب ببطلات من الجنس الناعم، فنصيب المعشوقات من البطولة في قصص الحب التاريخية يأتي في المقام الثاني بعد البطل، فقلما رأينا مجنونةً هائمةً على وجهها تبحث عن المحبوب وتنتظره سنواتٍ، أو شاعرة تتغزل بمحبوبها، فكانت ليلى الأخيلية أنموذجاً نادراً في الشعر العربي من حب المرأة لرجلها وتمسكها به، أما نشيد الأناشيد فنقل لنا غزلاً خاصاً جعل من سليمان الملك الذي وضع أناشيد كثيرة يتحول إلى قدوة لكل عاشق متيّمٍ، كأنه الهوس السري بأن تحبك أمرأة وتتغزل بك وتموت لأجلك أو تجنّ.

عام 1973 وصل الشاب أيوب قادماً من أردبيل إلى قرية "كازرخان" التابعة لمنطقة "اَلَموت" قرب مدينة قزوين الإيرانية ليقضي خدمته العسكرية معلماً في مدرستها، لم يكن يعلم ما تخبئ له جدران هذه القرية من حب كبير، حب جارف يحول شابة جميلة إلى مجنونة كسرت النمطية في قريتها ومدينتها ومدينة المعشوق.

على مقربة من بيت سوري، استأجر معلم القرية الجديد غرفة صغيرة كبرت جدرانها في قلب هذه الصبية ليشتعل الحب بينهما. تقول إحدى صديقاتها: "كم يليق بك هذا الحب" وأخرى تضيف برجاء: "دام لك هذا العشق يا سوري”. تكبر القصة وتنمو الأحلام وتصبغ الصبية بيتها بألوان الزهور وتغزل من خيوط الصبر فساتينها للقاء أيوب وتتحضر لليوم المنشود الذي تسكب فيه الشاي لأهله في عقر دارها.

فيما كان الحب ينمو ويتشابك على جدران قلب سوري، أنهى أيوب خدمته العسكرية وعاد إلى منزله في أردبيل، وعند الرحيل تعهد العاشقان بالصبر في انتظار لقاء جديد، لكنه لم يأتِ وإزاء الانتظار واستهزاء الأقران ولوم العائلة والشوق لأيوب عزمت سوري على الرحيل. قرارها كان مزيجاً من الجنون والإقدام، فهذه الخطوة لم تقدم عليها النساء لا في قريتها ولا في مدن الشرق، ونحو أردبيل عبرت سوري الطريق، قدماها تسابقان الريح وقلبها مستعجل على الهوى.

ربما يكسر الشوق سطوتك وعزة نفسك ليجعلك لاهثاً خلف المحبوب، يحولك من عاقل رصين إلى مجنون، لكن أن تهرب فتاة قروية من منزل أبيها في سبعينيات القرن الماضي يعني الكثير، فأين أيوب عنها وهل كان من الأفضل لها أن "تداوي الجفا بالجفا”؟

هامت سوري على وجهها، جابت الشوارع وسألت المارة ودقت الأبواب، من رأى حبيّ؟ من رأى أيوب؟ أين بيت الحبيب؟ هكذا كان لقاؤها الأول مع المدينة الجديدة التي ستصبح فيما بعد مدينتها.

وصلت سوري إلى منزل أيوب، ولم تصل محبوبها، فلقد سبقتها إليه إمرأة أخرى وطفل، كان أيوب مع زوجته حين زاره ضيف من الماضي.

لم تحظَ قصص الحب ببطلات من الجنس الناعم، فنصيب المعشوقات من البطولة في قصص الحب التاريخية يأتي في المقام الثاني بعد البطل، فقلما رأينا مجنونةً هائمةً على وجهها تبحث عن المحبوب وتنتظره سنواتٍ، أو شاعرة تتغزل بمحبوبها، فكانت ليلى الأخيلية أنموذجاً نادراً في الشعر العربي من حب المرأة لرجلها وتمسكها به.
يكمل "علي أنوار" قائلاً: "قصة سوري وحبها انتشرت بسرعة بين أهالي المدينة، فاحترموا هذه الضيفة واستقبلوها في بيوتهم ورعوها، أحبت المدينةُ الشابةَ العاشقة وتلطفت بحال المجنونة التي كبرت في شوارعها وتناقلت البيوت قصةَ وفائها الغريبة، حتى وصلت إلى مسامع شاعر المدينة عاصم أردبيلي فنظم فيها قصيدة تدمي القلوب”.
على الرغم مما تتحلى به المرأة في إيران من قوة إلا أن الذكورية لا زالت تطغى على المجتمع ككل المجتمعات الشرقية، ولا سيما في المدن ذات الأكثرية الآذرية، وما قامت به الشابة سوري لم يكن أمراً سهلاً ، غادرت منزل أبيها عنوةً عن الشاب الذي عقدت عليه الأمل فخذلها، ما قادها إلى الجنون وعدم رغبتها بالعودة إلى أهلها أو لنقل عدم رغبة أهلها باحتضانها من جديد يعكس رفض ظاهرة الحب من جهة وظاهرة التمرد على المجتمع الذكوري من جهة ثانية.

ديار المعشوق أحنّ منه

یقول الصحفي "علي أنوار" من مدينة أردبيل إن العشق هبة إلهية لا معنى للحياة من دونه، ومهما اختلف البشر في تعريفه إلا أنه أمرٌ لا مفر منه، وسوري العاشقة التي هربت من قريتها بحثاً عن الحب لم تحفظ طريق العودة وقررت المكوث في حيّ المحبوب.

يكمل "علي أنوار" قائلاً: "قصة سوري وحبها انتشرت بسرعة بين أهالي المدينة، فاحترموا هذه الضيفة واستقبلوها في بيوتهم ورعوها، أحبت المدينةُ الشابةَ العاشقة وتلطفت بحال المجنونة التي كبرت في شوارعها وتناقلت البيوت قصةَ وفائها الغريبة، حتى وصلت إلى مسامع شاعر المدينة عاصم أردبيلي فنظم فيها قصيدة تدمي القلوب”.

نظم الشاعر باللغة الآذرية قصة الفتاة القزوينية تحت عنوان "الوردة التي نمت في جهنم" قال فيها:

"منذ مدة قدمتِ إلينا من سفح جبل الموت

إنسانة باسم سوري، يداها لا تصلان إلى مكان ولسانها عالق في الصمت

من هي سوري؟

سوري الوردة التي نمت في جهنم

 سوري دمعة من العين ضاعت على الخدود

سوري مسافرة ضاعت في الطريق الصحيح وليس الخطأ

 سوري قصيدة رثاء سقطت قبل أن تكتمل"

ظهرت سوري بشكل علني في ذكرى تأبين الشاعر عاصم أردبيلي عام 2012، حين أحضرها الأصدقاء لتكون القصيدة الحيّة لشاعر راحل، ويبدو أن مدينة أردبيل أحبّت سوري وحاولت جبر خاطرها المكسور بعد خيانة أيوب. الشاعر لم يمنحها قصيدة خالدة فقط بل منزلاً  يأويها، هي التي تشردت بعد أن تركت قريتها بحثاً عن معشوق خائن، قدم لها الشاعر الرعاية بالتعاون مع جمعيات المدينة الخيرية.

لكن المخرجة الإيرانية "سولماز عليزاده" التي بدأت منذ مدة تسجيل فيلمها الوثائقي "سوري" تظن أن أيوب والعاشقة ضحيتي تقاليد وأعراف، لم تقف سولماز وعدستها أمام قصة حب سوري وقفة نسويّة بل عالجت التراجيديا بواقعية أكثر محولةً شابة عاشقة إلى مجنونة تجوب شوارع أردبيل منذ أربعين عاماً وإلى اليوم.

تجلس "سوري" 73 عاماً  أمام عدسة المخرجة، تجاعيدها السمراء لا تشبه تلك الشابة العاشقة لكن لسانها لا يزال يناجي “أيوب…أيوب…أيوب”. تمضي في الأزقة تراقص الذكريات وتبتسم. ترى المخرجة "عليزاده" أن شجاعة سوري هي أكثر ما جذبها لهذه القصة، ففي بيئة مغلقة كقرية في قزوين لا يمكن للفتاة حتى اليوم أن تعبر بصراحة عن حبها أو ما يجول بخاطرها بشكل عام.

توضح المخرجة الإيرانية أن فيلمها الوثائقي لم يكتمل بعد لعدة أسباب أهمها رغبتها في سماع رأي أيوب، فلم يبح الرجل المعشوق بحقيقة ما حدث، ربما هو ضحية الحب من طرف واحد، وربما هو ضحية العادات والتقاليد التي تجبر الشباب على الزواج بفتاة من العائلة، فهي مصرة على أن يحمل فيلمها الوثائقي طابعاً واقعياً دون إغراق، فالبطولة في فيلمها لا تنحصر بسوري فهي ترى أن مدينة أردبيل نظرت للشابة العاشقة باحترام وحب وحاولت  ترميم ما هدمه أيوب في قلب الغريبة، التي كسرت الخطوط الحمراء وتجاوزت بجمالية خاصة كل القوانين اللامكتوبة فكانت ليلى التي تبحث عن المجنون، راسمةً آنموذجاً جديداً لنساء منطقتها.

لم تحظَ قصة سوري وأيوب بمجد عظيم في إيران والسبب الرئيسي يكمن في عدم روايتها باللغة الفارسية، فالقصة وأبطالها وشاعر قصيدتها من الآذريين الترك، لكن نقل هذه القصة عبر فيلم وثائقي ربما يساهم في تأريخ هذا الحب بشكل أفضل.

أين اختفت عشتار

على الرغم مما تتحلى به المرأة في إيران من قوة إلا أن الذكورية لا زالت تطغى على المجتمع ككل المجتمعات الشرقية، ولا سيما في المدن ذات الأكثرية الآذرية، وما قامت به الشابة سوري لم يكن أمراً سهلاً ، غادرت منزل أبيها عنوةً عن الشاب الذي عقدت عليه الأمل فخذلها، ما قادها إلى الجنون وعدم رغبتها بالعودة إلى أهلها أو لنقل عدم رغبة أهلها باحتضانها من جديد يعكس رفض ظاهرة الحب من جهة وظاهرة التمرد على المجتمع الذكوري من جهة ثانية.

الأمر لا ينحصر بإيران بل يمتد إلى أصقاع الأرض، فأغلب الثقافات تربيّ الفتاة على الخجل وانتظار المحبوب حتى يفصح عن مشاعره، ربما رقة الأنثى وخوفها من الرفض جعلها تخاف من الإقدام على الاعتراف بالحب أو البحث عن الحبيب، فأين رحلت عشتار  التي هبطت نحو حبيبها تموز لتراه وتنقذه، وكيف غابت قوة النساء في تسمية المحبوب واختياره. لطالما تغنت الآلهة بالحب وخلدته الأساطير القديمة بل سمت به إلى مرتبة عليا تحاكي المقدس تماماً، إلا أن انتصار الذكورية في العالم الحقيقي جعل الحب من فعل الرجل ورمز قوته وعنوان إرادته فيما تقف فيه المرأة مفعولاً بها في أغلب الحالات، تحاصرها التقاليد والعادات وتمنعها من اختيار من تحب بل وتعاقبها لو فعلت في الكثير من الأحيان.

ليس من السهل أن تصنع إمرأة قصة حب خالدة، وإن فعلت دفعت عمرها، كل عمرها في سبيل ذلك. لم تترك سوري ديارها من أجل الحكايات الخالدة بل قلبها النابض بالحب غيّر مصيرها. فمتى يمكن أن تعيد النساء قيادة دفة الحب إليهن، هل يمكن أن تخطو المرأة نحو من تحب بثقة دون خوف من أن تلقى مصير سوري…حتى لو خلدته القصيدة؟ وما نفع القصيدة إن كانت بطلتها هائمة على وجهها منذ سبعين عاماً؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard