معرض فوتوغرافي عن المثلية في بيروت: الجنس كفعل عابر بين الرجال  

الجمعة 14 ديسمبر 201806:07 م

ليس بعيداً عن بيروت رغم تحولاتها، أن تكون قطباً في معارك المهمشين والأقليات الجندرية. وهذا ما تعرفه المدن الكبرى عادة في تشكّلها المديني. إذ تنشأ فيها روابط "التنوع" وتفرز تشكّلاتها المختلطة منافذ عبور تسمح للامرئي أن يظهر ويمتد ولو بخجل.

وهذا ما كوّنته بيروت على مدى سنوات ما بعد الحرب، في تحويل الجندرة إلى قضية تتحرك ببطء، في موازاة قضايا حقوقية أخرى. حتى لو بقيت هذه "الهوامش" تدور في أفلاك ضيقة وضمن فضاءات نخبوية. خصوصاً أن احتمالات التبادل والمناصرة قد تكون حصراً متفاعلة ضمن هذا المجتمع، وبعضه كي لا نعمم (إذا ما استثنينا الفضاء الافتراضي).

مخاطر المثقفين على المثلية

ونقول بعض، لأن "معشر" المثقفين، قد يكونون أحياناً أكثر خطورة على قضايا حقوق "مجتمع الميم"، من الأفراد "العاديين" الذين يرون بعيون متسامحة محاولات العيش، كي نبتعد عن كلمة نضال، لدى المثليين/ات والمتحولين/ات جنسياً. وقد يكون الأكثر خطورة منهم المثقفون المثليون أنفسهم، الذين يتعاملون مع المثلية بتجاهل تامّ كموضوع فني، لا بلّ يقصون أعمالهم ببرودة عنها، ويحاربون محاولات تشكّل ما يسمى "الفن الجندري" في بيروت، كأن لا مسؤولية تقع على عاتقهم في تبني المثلية كخيار فني لمساعدة هذا المجتمع المقموع اجتماعياً وسياسياً وبسلطات أبوية وبطريركية، لا تبتعد المؤسسة الفنية عن أن تكون ضمن هذا الجهاز القمعي.

تجربة مفصلية

وما تعرضه غاليري "آرت لاب" حالياً في العاصمة اللبنانية، يعنينا جميعاً كأفراد من مجتمع الميم وأيضاً كعاملين/ات في حقول الفن والثقافة. وليس من المقبول التفرج من بعيد على هذا التحوّل المفصلي في المشهد الثقافي البيروتي، في احتضانه لأوّل معرضاً فوتوغرافياً يتناول المثلية والجسد والرغبات محوراً لمواضيعه البصرية. لا بل يصير واجباً علينا دعم هذه التجربة وغيرها من التجارب التي قد تفتح مسارب فنية جديدة في بيروت، وتجعلها مختبراً للفنون الجندرية، مع ظهور أيضاً عروض "الدراغ كوين" في بعض باراتها ومساحاتها الثقافية، إضافة إلى احتضانها فرقاً موسيقية تهتم بقضايا الجندرة وجمعيات أهلية ومواقع إلكترونية تتناول هذه القضايا وتناصرها.

وتأتي تجربة المصور الفوتوغرافي منير عبدالله، كإضاءة على هذا الجسد الرجالي بشكل عام، والمثلي بشكل خاص. والذي لا يزال منطوياً على نفسه وخجولاً في الإنتاج الفني عربياً حيث تؤطر الذكورية مظاهر عريه، وتحيطها بهالة من الاحتشام والوقار وتضعه في مكانة تقديسية، وتحيل إلى العري قيمة دونية، كأن العري تهمة وانحلال وتعريض الجسد إلى الفرجة خطيئة لا تغتفر.

جمالية الجسد الرجالي

ففي الوقت الذي سمح عربياً بتعرية المرأة في السينما والتصوير والفن التشكيلي، بقي الجسد الرجالي مقموعاً، لا بل انتزعت من جسده حق العري والظهور بانسيابيته. ويأخذ منحى هذا المعرض "تعرية" الرجل إلى أنساق جمالية تحيي مفاهيم الرغبة والجنس والحميمية، كتوجهات فنية قد تفتح لتجارب أخرى، لم تر بعد مكانها في عالمنا العربي، أو لا تزال "سفلية" وفي غرف سوداء وبين شلل صغيرة.

ويحتوي عنوان المعرض Fleeting Acts  "أفعال عابرة" على مضمونه. فالصور تتباعد وتتشابه في هذا الخط الفاصل بين الرغبة والحميمية وبين فعل الجنس كفعل عابر يمارسه المثليون في علاقاتهم السريعة. الجنس الذي يقول منير عبدالله أنه "محرك رئيسي في الحياة اليومية"، لا بد أن يكون محور اشتغاله كمحرك رئيسي في الصور نفسها. وهو احتكاك مباشر مع اليوميات المثلية، التي يشكّل الجنس فيها عنصراً بارزاً في تفتحها وتشكلها وأيضاً وعيها الجمعي عن نفسها. والجنس هنا، رغم انقطاعه الشكلي، كمقطع بصري من لقطة، يعبر بنا إلى الرغبة مثل خفاء، أو كممارسة عادة سرية. يشبه هذا الاقتطاع فعل الجنسي المثلي في مجتمعاتنا العربية، كفعل مبتور وعابر ومخفي.

مثليون حقيقيون لا عارضون

وتحيط هذه اليوميات المثليين في بيروت ببعض الانكفاء أو العلانية، وتأتي الرغبة ضمنها ملهمة. الصور التي التقطها منير بين عامي 2014 و2018، لا تزال تتراكم ضمن سلسلة تشكّلت بفعل عفوي لا يقوم على افتعال اللحظة وتوثيقها.

يتكوّن ارتباط الصور بعضها ببعض على استدلال المصور إلى علاقات مثليين واقعيين (ليسوا عارضين أو ممثلين). يظهرون خلالها في تعاملهم مع ممارساتهم وسكناتهم وجنسانياتهم وأجسادهم ببساطة الجنس نفسه. والعدسة تتحرك كناظر إلى الجسد، من باب التفرج والتلصص. وهنا اللقطة الخفية من الكادر. يؤدي منير فعل المتلصص على لحظات حميمة وخاصة. يوثقها من دون فلترة. كما يوجهه إحساسه اليها، كالمتفرج على فعل جنسي حي ينتقي من المشهد اللحظة التي تصله من هذا الفعل الأكثر شبقاً ربما أو احتكاكاً بفنتازيته. بغض النظر عن فعل التصوير كبنية نظرية وفنية، تأتي هنا الرغبة الخاصة، عند المصور في ضغطه على آلته، كقناص رغبات والتباسات الفرد مع جسمه وأعضائه الحميمة.

قد يكون بعض "معشر" المثقفين أحياناً أكثر خطورة على قضايا حقوق "مجتمع الميم"، من الأفراد "العاديين" الذين يرون بعيون متسامحة محاولات العيش، كي نبتعد عن كلمة نضال، لدى المثليين/ات والمتحولين/ات جنسياً.
لا يزال الجسد الرجالي منطوياً على نفسه وخجولاً في الإنتاج الفني عربياً حيث تؤطر الذكورية مظاهر عريه، وتحيطها بهالة من الاحتشام والوقار وتضعه في مكانة تقديسية، وتحيل إلى العري قيمة دونية، كأن العري تهمة وانحلال وتعريض الجسد إلى الفرجة خطيئة لا تغتفر.
ويحتوي عنوان المعرض "أفعال عابرة" على مضمونه. فالصور تتباعد وتتشابه في هذا الخط الفاصل بين الرغبة والحميمية وبين فعل الجنس كفعل عابر يمارسه المثليون في علاقاتهم السريعة. الجنس الذي يقول منير عبدالله أنه "محرك رئيسي في الحياة اليومية"

العري والارتباك

وبين اللونين الابيض والاسود والجدار الخلفي (البارد والمقشر)، تخرج الأجساد بكل طزاجتها إلينا. كأنها تتحرك وليست ثابتة. بل تحاول سحبنا إلى عوالمها، فنظن للحظة أننا في الكادر. ملتبسين بهذا العري وافتتانه. فالجسد الرجالي بما يحتمله من قوة وقسوة، تجعلنا لقطات المصور نراه شهياً وشهوانياً فيتنازل عن قوته تلك. نتلقفه حنوناً ورقيقاً وكثير الحساسية والرغبة. الجسد الرجالي مطواع هنا ولا يقاوم هشاشته كجسد منصاع لرغبته ولغته البصرية، كعنصر جذب ومتحرك في فضاء بلا ملابس. هذا العري الذي يخفي شكه وقلقه أيضاً. نراه مرتبكاً بخجله أيضاً. كما يحصل الجنس أوّل مرة أمام غريب.

ومنير المصور، الآتي أساساً من عالم السينما بعد دراسته في بلغاريا، أسره التصوير طويلاً وانقطع عنه لسنوات بعد مشاركته في تأسيس "باردو" (2006)، أوّل مطعم وبار ثقافي، صديق للمثليين/ات في بيروت. وبعد تنقله أيضاً في عوالم رقص الدبكة وتجربة عزف القانون والكتابة الصحافية والنقد الثقافي، وصولاً إلى عمله في تأسيس مجلة "برا" اول مجلة لمجتمع الميم في العالم العربي، حط منير مجدداً في عالمه الأكثر قرباً إليه فنياً ألا وهو التصوير الفوتوغرافي إلى جانب عمله كمدرب للرياضات الصينية. وها هو يحاول اليوم العمل على مشروع مشابه لكن مع أشخاص سيظهرون بوجوههم من دون مواربة.

*المعرض مستمر حتى 22 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018 في غاليري "آرت لاب" بيروت.   

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard