يوميات مع بيروت: مين تغيّر، أنا أو هيدي المدينة؟

السبت 15 ديسمبر 201802:16 م

أتعرفون أن المدن التي نعيش فيها أو نحبها تشبهنا تماماً؟ أتذكر المرة الأولى التي زُرت فيها مدينة عمّان- الأردن لوحدي، وكم كانت تشبهني عمّان، كان ذلك عام 2014. عندما نعيش في المدن أو نزورها، وحدنا، يمكننا حينها أن نُوقن إذا كانت هذه تشبهنا فعلاً أم لا. أنا هنا لا أتحدث عن حال التأقلم، لا، أنا أتحدث عن أوجه الشبه بيننا وبين المدن، كأن نحب نوع الفنون نفسها مثلاً، أو أن يكون لنا نفس الطابع، أن نحب نفس الناس، وغيرها من أشكال التشابه.

تباً لكِ يا بيروت، كم أنتِ قاسية.
في عام 2005، تحديداً بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني، رفيق الحريري، انتقلت للعيش في بيروت لإكمال دراستي الجامعية. لم نكن أنا وبيروت على توافق في السنة الأولى، فكلتانا كانت تحاول الخروج من حالة الصدمة، يجوب في بالي وبالها نفس التساؤل "وهلأ لوين؟". كان البلد كله على كف عفريت، لا أحد يعرف ماذا يجلب الغد – شارع مقسوم بين طرفين، وأنا لا أعرف أي طرف أختار.. فلم أختَرْ، وبيروت نفضت الكل عنها (أو على الأقل هذا هو ظني)، ولم تختر هي أحداً. سنة كاملة، يغادر المعتصمون ساحة وسط بيروت كي يحتلها معتصمون جدد، وبيروت لا تهتز؛ هنا أعجبتني، وأحببتها.
في السنة التالية، أي عام 2006، كانت حرب تموز. يوم اندلاع الحرب، كنت أتناول الغداء مع عائلتي في الجنوب و"علقت" بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. خلال 33 يوم حرب، لم أرَ بيروت إلا لساعة واحدة، يوم غادرت بالباص من محطة "شارل الحلو" باتجاه سوريا، يوم أصبحت فجأة "نازحة". عتبت على بيروت كثيراً، تلك المدينة التي لم تنطفىء مدة الحرب كلها – حياة الترف والسهر كانت لا تزال مستمرة، وكأنها لا تبالي، أو ربما تعبت بما فيه الكفاية وقررت ببساطة أن "إطنّش".

عندما تصبح المدن قاسية، عليك أن تصبح بقسوتها أو أن تغادرها – غيّرتني بيروت.

لم أرَ في حياتي مدينة تشبهني بهذا الحدّ؛ بعد سنة التخرج، انتفضت بيروت كصبية في العشرين من عمرها، نابضة بالحياة، متحررة، متمردة. لم تكن بيروت راضية، فخرجت بشوارعها مسيرتين يا ليت التاريخ يسجلهم: مسيرة الحقوق المدنية للشعب الفلسطيني في لبنان (عام 2010) ومسيرة حقوق العمال (عام 2013). وأنا لم أكن راضية، فتاة في العشرين تبحث عن هدف في الحياة، عن معنى للوجود، فشاركت في المسيرتين، وغيرهما الكثير من المسيرات التي صدقاً لم أعد أتذكرها. كبرت أنا، وكبرت بيروت، ولم نعد نخرج في المسيرات كما قبل، فهناك ما هو يثقل كاهلنا، وهو اللجوء السوري إلى لبنان. هنا لا تظاهرات ولا مسيرات تنفع، فأي من هذه ستُحسب علينا وكأنها موقف. جلست في منزلي أراقب غيري يتحرك، وبيروت ساكنة صامتة أيضاً بلا موقف. ماذا يريد اللبنانيون فعلاً؟ سؤالٌ يتردد كثيراً في خاطر الكثيرين، في الإعلام، عند اللبنانيين أنفسهم أيضاً – اسمحوا لي أن أجيبكم عن هذا السؤال الذي حيّر الكثيرين: لا يعرف اللبنانيون ماذا يريدون، وأي قضية تُطرح يمكن أن تُقسم الشارع في لبنان، بين مؤيّد وعارض وفئة ببساطة لا تبالي.

بيروت لا تُبالي؛ أمر بسيارتي يومياً على جسر سليم سلام الذي يربط طريق المطار بوسط بيروت وشارع الحمرا. في الست دقائق هذه التي أمرها على الجسر، أرى يومياً أربع متسولات: إمرأة في منتصف العمر تبيع المحارم، إمرأة في منتصف العمر أيضاً تحمل صبياً (أو فتاة، لا أعرف) من الواضح أنه يعاني من مشكلة في قدميه، إمرأة عجوز لا تحمل شيئاً وتمد يدها فقط للسيارات، وأخيراً صبية لا تكاد تتجاوز الستة عشر عاماً، يوماً تحمل المحارم، يوماً لا تحمل شيئاً، ويوماً تحمل قلم حمرة ومرآة، تنتهي من وضع الحمرة وتذهب للتودد للشباب داخل السيارات. تباً لكِ يا بيروت، كم أنتِ قاسية. في الفترة الأولى كنتُ أرى أولئك النساء وقلبي يتقطع.. اليوم، صرت أمر بجاورهن وكأنني أرى مشهداً عادياً من حياتي اليومية، من حياة بيروت، وهكذا أمر بلا مبالاة، تباً لي كم أصبحت قاسية! ليست أولئك النساء المتسولات الوحيدات اللواتي أراهن يومياً، فشارع الحمرا حيث أعمل مكتز بالمتسولين، وأنا أمشي بينهم، لا أكترث لمناجاتهم، أستمع إلى أحاديث الناس عنهم "هيدول بيشتغلوا مع المافيات، إذا بتعطيهم ليرة بتكون عم تدعم الإتجار بالبشر، هيدول بينقلوا أمراض!". يا للسخرية، كل شيء في بيروت ينقل الأمراض، أو لم تقم صحيفة لبنانية عريقة بإتهام اللاجئين الذين افترشوا طرقات بيروت لأنهم لم يجدوا مأوى، بأنهم السبب بتلوث الهواء في البلد؟ لا أنا لست قاسية، وأكترث كثيراً لما يحصل، ولكن ليس بيدي حيلة – تماماً مثل بيروت التي احتنضت الكل، مواطنين ولاجئين ونازحين ومهاجرين، لكن ليس بيدها حيلة، فقط سمحت لهم بافتراش الطرقات. أنا تعبت، تماماً مثل هذه المدينة المُتعبة المثقلة بهمومها.

في العام 2005، تحديداً بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني، رفيق الحريري، انتقلت للعيش في بيروت. كان البلد كله على كف عفريت، لا أحد يعرف ماذا يجلب الغد – شارع مقسوم بين طرفين، وأنا لا أعرف أي طرف أختار.. فلم أختَرْ، وبيروت نفضت الكل عنها (أو على الأقل هذا هو ظني)، ولم تختر هي أحداً.
ماذا يريد اللبنانيون فعلاً؟ سؤالٌ يتردد كثيراً في خاطر الكثيرين، في الإعلام، عند اللبنانيين أنفسهم أيضاً – اسمحوا لي أن أجيبكم عن هذا السؤال الذي حيّر الكثيرين: لا يعرف اللبنانيون ماذا يريدون، وأي قضية تُطرح يمكن أن تُقسم الشارع في لبنان، بين مؤيّد وعارض وفئة ببساطة لا تبالي.
أنا لست قاسية، وأكترث كثيراً لما يحصل، ولكن ليس بيدي حيلة – تماماً مثل بيروت التي احتنضت الكل، مواطنين ولاجئين ونازحين ومهاجرين، لكن ليس بيدها حيلة، فقط سمحت لهم بافتراش الطرقات. أنا تعبت، تماماً مثل هذه المدينة المُتعبة المثقلة بهمومها.

أنظر إلى نفسي يومياً في المرآة علنّي أجد شيئاً جميلاً؛ كبرت، وتعبت، لم أعد تلك العشرينية التي لا تفوت مسيرة أو تظاهرة، حتى شكلي اختلف.. وبيروت، حلم الذين لم تسمح لهم الزيارة، أصبحت مدينة قبيحة، تخنق شوارعها قاطنيها، مدينة متحركة يتبدل مزاجها بين الشارع والشارع، والحارة والحارة، بين الشرقية والغربية والضاحية الجنوبية، مدينة متحركة باستطاعتها أن تبتلعك.. لم أعد أرى شيئاً جميلاً، وكلما قررت المغادرة أُطبقت الأبواب في وجهي. لم أعد أعرف، هل أرى قباحة بيروت في نفسي أم أنني أرى قباحتي فيها – سؤالٌ لا أستطيع الإجابة عنه كما السؤال الذي يدور في خاطري حالياً: أنا التي عُدت إلى الكتابة بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، لمَ أكتب عن بيروت إن كنت لا أعرف من تغيّر، أنا أو هذه المدينة؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard