الفلسفة "المجنونة" لبوهيميي القرن التاسع عشر وهيبيز القرن العشرين

السبت 15 ديسمبر 201807:03 م
بعد محاولات عديدة لنشر شعره، فشل فيها جميعًا، قام الشاعر الانجليزي توماس شاترتون بالانتحار عام 1770 وهو في الثامنة عشرة من عمره، بسبب الفقر والفشل. وبعد مرور عقود على وفاته تحوّل نمط حياته، الذي "انتصر فيها للإلهام الشخصي في مقابل التقاليد"، لنموذج يُغري آخرين بتقليده، وأصبح شخصيّة مُلهمة لجماعة احتقرَت النجاح، والقيم الاجتماعية التي يغذّيها السعي المحموم للاستهلاك واكتساب المكانة، وروَّجت لحياة ملأى بالمغامرة والاستمتاع والكسل، إنّهم، بحسب رواية كتاب آلان دو بوتون "قلق السعي إلى المكانة"، البوهيميون في القرن التاسع عشر، والهيبيون في القرن العشرين. يرى البوهيميون أنّهم يستحقون أعلى منازل الشرف والتقدير، بسبب "إحساسهم الأخلاقي، وقدراتهم على تلقّي العالم والتعبير عنه"، بحسب رواية بوتون، وما هو مهم بالنسبة لهم، ليس الربح أو تحقيق المكانة الاجتماعية، ولكن "الانفتاح على عالم أوسع، وتكريس المرء حياته للفن". ولكنّهم في حياتهم، يقول بوتون، عانوا من الجوع بسبب معتقداتهم غير العملية، وبرزت صورهم في بورتريهات القرن التاسع عشر وهم "مضطجعون على المقاعد في تراخٍ، في غرف السطح القذرة أعلى عمارات الشقق السكنية، وملامحهم هزيلة ومجهدة". ويصف بوتون نظرتهم إلى الناس باعتبارها "علامة على أنَّ الروح البوهيمية متحررة من أسر تلك المشاغل السطحية النفعية التي تستحوذ على البرجوازيين". ويقتبس بوتون لستاندال، الروائي الفرنسي الشهير في القرن التاسع عشر، عبارات انتقادية قوية لأصحاب المصانع والشركات والعاملين في البنوك، يقول: "حياة النشاط والعمل الشاق، حياة الإيجابية والاحترام الهائل.. لكلّ مالك لمصانع الغزل والنسيج، أو لمصرفي بارع، تلك الحياة تأتي أُكُلها بثروة من المال وليس بثروة من الأحاسيس المرهفة، ورويدًا رويدًا تتيبّس أفئدة أولئك السادة حتى تصير حجارة، فمن يدفعون أجور ألفي عامل عند نهاية كلّ أسبوع لا يُضيّعون وقتهم على أمور كهذه، وعقولهم مُوجَّهة دائمًا نحو أشياء مفيدة وإيجابية".
نظرتهم إلى الناس "علامة على أنَّ الروح البوهيمية متحررة من أسر تلك المشاغل السطحية النفعية التي تستحوذ على البرجوازيين".
في المقابل امتدح ستاندال "القارئ النادر"، المائل للخمول، وحب الشرود في أحلام اليقظة، والمُرحِّب بالعواطف التي يُشعلها عزف لإحدى أوبرات موتسارت، ومن الممكن أن يغوص إلى أغوار ساعات من التأمّل ذي المرارة العذبة. وانتقد البوهيميون أيضا فكرة "الفشل" من المنظور البرجوازي، الذي يعني أي فشل مالي في الأعمال التجارية، أو نقدي في المجالات الفنية، والذي "يرتقي لمستوى إدانة جسيمة لطبيعة الشخص المعني به". بالنسبة لهم، ما يحكم عالمنا هو الحماقة والأهواء وعدم التقدير، ولذا فمن النادر أن ينجح "الأفضل والأكثر حكمة"، ولكن الناجحين "قوّادون، خانعون للقيم المعيبة والمغلوطة، لجمهورهم وزبائنهم، وحقيقة الأمر أنّ قدرة أي شخص على تحقيق النجاح التجاري قد تكون دليلًا دامغًا على قصوره الأخلاقي والإبداعي".

هنري ثورو: العامل لن يحقق الاكتمال بسبب سوق العمل

يُعتبر هنري ثورو من أكثر الشخصيات البوهيمية في القرن التاسع عشر التي فلسفت لتلك الحالة، حيث مرّ بتجربة جسَّدها في رواية "والدن"، عاش على كوخ خشبي صغير بناه على الشاطئ الجنوبي لبحيرة والدن، ضمن ولاية ماساتشوستس الأمريكية، وأثبت للبرجوازيين أنّ "لا تعارض بين الحياة الشحيحة الموارد ماديًا، والحياة المُشبعَة نفسيًا". ومن أبرز المفاهيم التي انتقدها ثورو في "والدن" هو نظرة العامّة إلى الفقراء، حيث يرى البرجوازيون أنّ هذا الشخص "فشل وخسر مباراة الحياة"، ولكن ثورو استبدل مفهوم الفقر بالبساطة، مُثمّنًا الأشخاص الذين "اختاروا طوعًا توجيه طاقاتهم نحو أنشطة غير كسب المال".
يرى البوهيميون أنّهم يستحقون أعلى منازل الشرف والتقدير، بسبب "إحساسهم الأخلاقي، وقدراتهم على تلقّي العالم والتعبير عنه"،، وما هو مهم بالنسبة لهم، ليس الربح أو تحقيق المكانة الاجتماعية، ولكن "الانفتاح على عالم أوسع، وتكريس المرء حياته للفن".
من النادر أن ينجح "الأفضل والأكثر حكمة"، ولكن الناجحين "قوّادون، خانعون للقيم المعيبة والمغلوطة، لجمهورهم وزبائنهم، وحقيقة الأمر أنّ قدرة أي شخص على تحقيق النجاح التجاري قد تكون دليلًا دامغًا على قصوره الأخلاقي والإبداعي".
وينتقد ثورو نمط الحياة القاسي، وغير الإنساني الذي يضطر الفرد العامل إلى أن يتمثلَه في حياته قائلًا: "الفرد العامل لا تُتاح له الفرصة طيلة الوقت كي يكتمل اكتمالًا حقيقيًا، لا يسعه أن يُعزّز أشجع العلاقات بين البشر، فسوف تنخفض قيمة عمله في السوق، لا وقت لديه إلّا أن يضطلع بدور الماكينة، كيف يسع من يضطر كثيرًا إلى استغلال معرفته أن يتذكّر حقًا جهله، جهل يتطلبه تطوّره؟". ويتحدث عن طبيعتنا المسحوقة بسبب التوتر والتوحش اللذين تتسم بهما ظروف الحياة العملية: "لا يمكن الحفاظ على أجمل سمات طبيعتنا، مثلها مثل زهرات الفاكهة، إلّا بالتعامل الرقيق معها، ومع ذلك لا نعامل أنفسنا ولا أحدنا الآخر بمثل تلك الرهافة". ويعيد ثورو تصوير الحياة كما يراها الموظفون وجامعو الثروات، مُشدّدًا على أنّنا يمكن أن نستغني عن أساليب الترف والرفاهية، ونعتبرها "عوائق أكيدة تحدّ من سمو البشرية"، وإذا نظرنا إلى الحكماء القدماء الصينيين واليابانيين نجدهم "أفقر الطبقات ماديًا، ولا مخلوق أغنى منهم روحيًا"، ويُشدّد على أنّه "لا أحد بمقدوره أن يصبح مراقبًا لحياة البشر يتوخّى الحياد ويتحلّى بالحكمة إلّا من منظور ما قد نُسمّيه الفقر الطوعي". وينتقد ثورو أسلوب حياة أساتذة الجامعة في الفلسفة، مُشدّدًا على عدم وجود فلاسفة، لأنّها "تتعلق بحب الحكمة والحياة وفقًا لتعاليمها"، "حياة تشي بالبساطة والاعتماد على الذات والشهامة والثقة".

كويلهو: الهيبيون تمرّدوا على آبائهم لاكتشاف العالم

يكشف الروائي البرازيلي باولو كويلهو في رواية "هيبي" عن ثقافة الهيبيين، الجيل الذي نشأ معه في الستينات والسبعينات، ويرسم صورة لم تنقلها شاشات التلفزيون والصحف والمجلات والإذاعة. يقول في عام 1970 كان هناك ميدانان يتنازعان العالم، "البيكاديللي" في لندن، وساحة السد "دام" في امستردام، وليس البيت الأبيض والكرملين، حيث كانت الحرب الباردة في ذروتها. ويرسم كويلهو بسرده الروائي بورتريهات للشخصيات الهيبية قائلًا: شباب تميّزوا بشعر طويل، وثياب مزركشة الألوان، وروّجت الصحف التي لم يكن يقرؤها سوى الكبار أنّهم لا يستحمون، ولكنّهم "شكّلوا خطرًا على جيل كامل، جيل مجتهد وراغب في النجاح في الحياة، بسبب قدواتهم التحرّرية السيئة، والحبّ الحرّ"، ويرتدون ثيابًا تخدش "حياء أصحاب الذوق الرفيع"، وأمّا الفتيات فشعورهنّ مجدولة، يرتدين تنانير طويلة، وبلوزات ملوّنة، بلا حمّالات الصدر، تزينهن عقود اللؤلؤ الملوَّن، ويرتدي الشباب بناطيل جينز رثّة ومُقطَّعة لأنّها كانت غالية الثمن. وبينما يتهافت هؤلاء الناجحون على مساحيق الغسيل، ومخترعات الرفاهية، كان يتسارع الهيبيون إلى قراءة مجلة "البريد الخفي"، وكانت الأكثر مبيعًا في زمن "الاشتراكية والماركسية واللاسلطوية"، آمن هؤلاء الشباب "ذوو الثياب الرثة" بالله والآلهة والآلهات الملائكة، وقرأوا كتاب "صباح السحرة" للفرنسي لويه باوليز، والسوفياتي جاك بيرجييه، عالم رياضيات وجاسوس وباحث في شؤون القوى الخفية، وروّج أنّ العالم "قائم على غوامض أخاذة، وفيها خيميائيون وسحرة وفرسان هيكل، وكان يتناوب كل عشرة أشخاص من الهيبيين على نسخة واحدة من الكتاب لغلاء ثمنه". واستعرض كويلهو الحوار الدائر بين شباب الهيبيين وآبائهم، الذين يحثّونهم على نيل الشهادة والبحث عن العمل، بينما هم قرروا أنهم "بحاجة إلى خوض التجارب"؛ لذا يدخرون بعض المال، ويبيعون أغراضهم، ويتسلّلون هاربين من المنزل وأفراد الأسرة نيام. وكان الهيبيون مثار شُبهة للحراس الجمركيين المتأثّرين بنظرة الصحف، كلّما رأوا هذه الملابس، وتسريحات الشعر، والورود المنتشرة في شعر وثياب الفتيات، والجميع مبتسمين، ليس بسبب العقاقير الشيطانية كما روّج الإعلام، ولكنها ناجمة "عن حالة من النشوة المستمرة". ذهب الكثير من الهيبيين إلى الهند في عام 1970 بسبب فرقة البيتلز، وصفها كويلهو بأنها "آخر الفلاسفة الكبار في ذلك العصر"، أعلنوا أنّ الهند مرتع حكمة الكون العظمى. وبعد مرور عشرات السنوات على تجربة الهيبيين، ثمّن الطبيب النفسي ويليام بيري، في مقال بموقع "سايكولوجي توداي"  تأثير تجربتهم على مجال عمله، وأشار إلى أنّه بات يؤمن مثل الهيبيين أنّ “الحبّ هو الحلّ”، "الحبّ يمكن تعريفه بطرق عديدة: احترام إنسانية الآخرين، والاهتمام الأصيل بتحسين أحوالهم، وحقّ الآخرين في تقبّل رغباتهم واهتماماتهم". يقول بيري مستلهمًا الهيبيين: "تقبّل الشخص، حتى لو لم يعجبك سلوكه". ويعرّف الحب بأنّه ليس فقط منح الآخرين ما يريدونه، أو إزالة القيود والحقوق في العلاقات الشخصية، الحبّ في أفضل حالاته أن تضع أناك جانبًا، وتفعل أفضل ما تستطيع للآخرين، تجربة تُعلّمنا أنّ الحب فعّال جدًا في المشاكل النفسية.

الألفية الجديدة: البوهيمية للمشاهير وللناس "مضادات الاكتئاب"

"كلمة ومفهوم البوهيمية فقدت الجاذبية، ولكنها في القرنين التاسع عشر والعشرين كان أبطالها شخصيات معروفة، وبينها وبين البورجوازيين شدّ وجذب"، هكذا كتبت إليزابيث ويلسون في مقال بصحيفة "الغارديان" البريطانية.
النخبة التي تمسك بيدها الثروة والسلطة في أمريكا خافت من الهيبيين، والحرية التي يجلبها عليهم أوقات الفراغ
تشرح ويلسون فكرتها بأنّ البوهيمية التهمتها "الرأسمالية الاستهلاكية" كعادتها في كل اتجاه جديد، حيث تجد طريقها إلى الترويج لها، وبيعها لهؤلاء الناس الذين يحاول البوهيميون فصل أنفسهم عنهم. ولفتت إلى أنّ حالة التباهي بالبوهيمية قُضي عليها من قبل المشاهير، ففي ستينات القرن المنصرم تأثر الشباب بفرق غنائية تمتد من "البيتلز"، إلى موسيقى الروك، وبات الفرق بين أخلاقيات هذه الفرق والبوهيمية ضئيلًا، ممّا أطلق ثقافة جديدة للمشاهير عبر تبني سلوكياتهم، وأضحت البوهيمية تتعلّق بالشهرة اللحظية والانقراض السريع، البوهيمية كانت عن "الأنا"، لذا هي الشهرة في أيامنا هذه. وتقارن ويلسون بين روّاد البوهيمية في الماضي ونجوم السينما والموضة في الحاضر، تقول إن البوهيميين العظماء كانوا قادرين على حفر نفق صخري يحقق العبقرية في بعض الاحيان، ولكن المشاهير اليوم غير متميزين، ويتبنون الزيف، والفن الهابط، والتفاهة، إنهم جزء من شبكة كبيرة من مشتتات الانتباه، مُصمَّمة لتدمير "جوهرة الإرادة الفردية"، وتحويلها إلى آلاف من القطع المتناثرة من التفاهات والتغريدات. الثقافة الاستهلاكية تبنّت الأسلوب البوهيمي بحماسة عالية، لقد باتت البوهيمية مُقلَّدة في الغرب، في الملابس المُقطعة، والسلوك المثير، والجنس، والمخدرات، والكحوليات، حتى الطبقة الوسطى الغربية لم تعد محافظة كما في الماضي. ويبرز تساؤل: كيف اختفت الروح الهيبية التي ملأت العالم شرقًا وغربًا في الستينات ككيان متعدد الأعراق والطبقات؟، أين هم الآن؟ في هذا السياق يلفت ديفيد غرابر، عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي، إلى تغير جذري حدث في ستينات وسبعينات القرن المنصرم، يقول غرابر في حوار مع صحيفة "الغارديان" أنّ النخبة التي تمسك بيدها الثروة والسلطة في أمريكا خافت من الهيبيين، والحرية التي يجلبها عليهم أوقات الفراغ، إذ كان من المفترض منذ منتصف القرن الماضي أن توجّه البشرية طاقتها لاستبدال الروبوتات بالعمال، وأن يقضي البشر لأول مرة حياتهم متلذذين وكسولين ومتأملين، ولكنها خافت من زيادة وعيهم. يقول إن "الطبقات الحاكمة" خلقت الانترنت ليقدم آلاف الوظائف الوهمية، وغير المهمة، ووجّهت الأبحاث الطبية، بدلًا من القضاء على أمراض فتاكة ومنتشرة كالسرطان، إلى مضادات الاكتئاب، والسبب: الوظائف الحديثة تقود الناس إلى اختلال عقولهم، ولا يستطيع الجهاز العصبي التكيف معها. ويدعو ديفيد غرابر في حواره القارئ إلى أن يسأل نفسه: أليست وظائفنا ومتطلبات حياتنا تقودنا إلى الجنون والاختلال العقلي الكامل؟"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard