مستمرة منذ ثلاث سنوات... حالة الطوارئ تقيّد الحريات الفردية والعامة في تونس

الأربعاء 12 ديسمبر 201804:25 م
في الخامس من ديسمبر، أعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تمديد حالة الطوارئ في كامل البلاد لمدّة شهر، و"ذلك بعد التشاور مع رئيسي الحكومة والبرلمان حول المسائل المتعلقة بالأمن القومي". وهذه ليست المرة الأولى التي يفرض فيها الرئيس حالة الطوارئ. فقد أعلنها للمرة الأولى لمدة شهر في 24 نوفمبر 2015، إثر هجوم إرهابي استهدف حافلة لعناصر الأمن الرئاسي خلّف 12 قتيلاً و20 مصاباً، وسط العاصمة تونس. ومنذ ذلك الحين، تتواصل قرارات تمديد حالة الطوارئ لفترات تتراوح بين الشهر والثلاثة أشهر، ما يثير انتقادات واسعة في صفوف الحقوقيين الذين يعبّرون عن مخاوفهم من تأثيرات ذلك على الحقوق والحريات الفردية والعامة، وعلى المناخ الديمقراطي الذي أفرزته الثورة التونسية.

استنفار أمني بدعوى حالة الطوارئ

يمثّل المحامي مالك بن عمر عشرات المواطنين الذين تأثروا بحالة الطوارئ المستمرة في تونس، من بين أكثر من 500 شخص وُضعوا قيد الإقامة الجبرية لمجرد الاشتباه بهم في قضايا إرهابية. يؤكّد بن عمر لرصيف22 وجود حالات مواطنين فُرضت عليهم الإقامة الجبرية داخل منازلهم وحُرموا من حقهم في العمل والدراسة، حتى أن بعضهم تعرّض للإيقاف لمجرد خروجه من باب منزله لقضاء حاجة، في تعدٍّ صارخ على حرياته الشخصية. ويشير إلى أن الأمر يزداد خطورة عندما تَصدر قرارات فرض الإقامة الجبرية من الأجهزة الأمنية بصورة شفاهية، بدون أوامر كتابية وبدون العودة إلى السلطة القضائية، ما "يمنع الأشخاص المعنيين من حقهم في الطعن في هذه القرارات لدى المحاكم". وبحسب بن عمر، تم تأويل نص الأمر المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ لخدمة غايات سياسية، مستشهداً بما يُعرف بـ"الحرب على الفساد" التي أعلنها رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ولافتاً إلى أنه بدعوى قانون حالة الطوارئ تم اختطاف عدد من رجال الأعمال واحتجازهم في أماكن مجهولة تحت قيد الإقامة الجبرية. ويضيف أن "فرض الإقامة الجبرية يجب أن يطال فقط مَن يمثلون خطراً على الأمن القومي، غير أن نسبة هامة ممَّن شملتهم قرارات مماثلة لم تتم مقاضاتهم سابقاً وهم مجرّد مشتبه بهم، وعلى القضاء أن يلعب دوره في وضع حد لمثل هذه القرارات العشوائية التي تُفرض على أيّ كان". بدوره، يشرح رئيس مرصد الحقوق والحريات في تونس أنور أولاد علي أن "حالة الطوارئ تمنح صلاحيات واسعة للأجهزة الأمنية في تونس، فتقوم بعمليات تفتيش المنازل في أي وقت بدون إذن قضائي، وقد حدثت اعتقالات تعسفية واستدعاءات لأشخاص إلى مراكز الأمن وتم التحقيق معهم لساعات طويلة بدعوى أن البلاد في حالة طوارئ". ويروي رئيس المرصد، وهو جمعية حقوقية غير حكومية تدافع عن الحقوق والحريات الفردية والجماعية داخل تونس وخارجها، لرصيف22 أنه حدثت مداهمات واعتداءات عنيفة وحتى إطلاق نار توفي على إثره بعض الأشخاص بدعوى عدم الامتثال لأوامر الشرطة بالتوقف. ويضيف أن حوالي 50 في المئة من الأشخاص الذين أصدرت وزارة الداخلية قرارات إقامة جبرية بحقهم لا علاقة لهم من قريب أو من بعيد بأي تتبع جزائي. "فقط فُرضت عليهم الإقامة الجبرية لمجرد أنه تم تصنيفهم بقرار أو تقرير إرشادي من بعض الجهات الأمنية أو بوشاية كاذبة"، يقول. ومن بين الإجراءات التعسفية التي تم اتخاذها في حالة الطوارئ وتُعَدّ انتهاكاً صارخاً لحريات الأفراد، وفق أنور أولاد علي، قرار محافظ ولاية بن عروس بمنع 300 شخص من دخول الملاعب الرياضية، وقرار محافظ ولاية قبلي بمنع تصوير فيلم سينمائي استناداً إلى حالة الطوارئ.

تهم كيديّة وملفّقة

عضو اتحاد حاملي الشهادات المعطلين عن العمل والناشط في المجتمع المدني في محافظة سيدي بوزيد، صفوان بوعزيز، وقع ضحية أحكام حالة الطوارئ. يقول لرصيف22: "تم إيقافي عدة مرات ورُفعت ضدي عدة قضايا بتهم كيدية وملفّقة كاقتحام مؤسسة أمنية عمومية وإضرام النار فيها عمداً وتكوين مجموعة تهدف إلى الإضرار بأملاك خاصة وبأملاك الغير والاعتداء بالعنف على موظف أثناء أداء عمله". ويضيف: "حاولوا مرات كثيرة إجباري في مراكز الأمن على التوقيع على تعهدات بعدم التنقل خارج المدينة أو المشاركة في تظاهرات لكني رفضت. تحركاتنا ذات طابع اجتماعي وترفع شعارات مركزية قامت عليها الثورة على غرار تأمين الوظائف والتنمية الجهوية العادلة ومحاسبة الفاسدين". بدوره، يلاحظ الناشط في الحراك الاجتماعي وعضو التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية، وهي جمعية تُعنى بإيصال صوت العاطلين عن العمل في تونس، عبد الحليم حمدي، وجود تضييقات على المسيرات السلمية منذ فرض حالة الطوارئ سنة 2015. يقول لرصيف22 إن قوات الشرطة تقمع شباب المناطق الداخلية الذين يشاركون في الاحتجاجات نهاراً، فتمنعهم من ارتياد المقاهي ليلاً ومن التجوّل في الشوارع. ويضيف: "يتم إيقاف بعض الشباب لمجرد مرورهم من شارع معيّن. وأخطر من ذلك، تلوّح رئاستا الحكومة والجمهورية بعسكرة مناطق إنتاج الفسفاط والبترول في الجنوب التونسي، لترهيب شبابها ومنعهم من المشاركة في الاحتجاجات المطالبة بحقهم في ثروات مناطقهم". بدوره، يؤكد رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان جمال مسلّم أن "قانون حالة الطوارئ هو سيف مسلول على التحركات الاجتماعية"، ويضيف: "هو يحدّ من الحريات، ومن بينها حرية التظاهر وحرية تجمّع مجموعة من الأفراد، ونحن نطالب بتغييره بما يتلاءم مع الحريات الفردية والعامة ومع تونس الجديدة". ويبيّن لرصيف22 أن إصدار قانون الطوارئ في 26 يناير 1978 كان بهدف قمع إضراب الاتحاد العام التونسي للشغل حينذاك، ما أسفر عن سقوط العديد من الضحايا النقابيين إلى جانب توقيف المئات منهم، لافتاً إلى أن هذا القانون ما زال على حاله ولم تتغيّر أحكامه.

الإجراء الحدودي S17

تُلقي حالة الطوارئ المستمرة منذ ثلاث سنوات تقريباً، بظلالها على مجال الصحافة وحرية التعبير بصورة عامة. وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تونس تمكّنت الصحافية التونسية أمال المكّي في أكتوبر الماضي من ربح قضية رفعتها أمام هيئة النفاذ إلى المعلومة ضد وزارة الداخلية، بسبب منعها من حق النفاذ إلى المعلومة. وهيئة النفاذ إلى المعلومة هي هيئة تونسية عمومية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية، وتأسست في 24 مارس 2016، وتتولّى البت في الدعاوي المرفوعة أمامها في مجال النفاذ إلى المعلومة، وبإمكانها عند الاقتضاء القيام بالتحريات اللازمة.
حالة الطوارئ المستمرة في تونس تهدد مكتسبات الثورة... "قوات الشرطة تقمع شباب المناطق الداخلية الذين يشاركون في الاحتجاجات نهاراً، فتمنعهم من ارتياد المقاهي ليلاً ومن التجوّل في الشوارع"
منذ ثلاث سنوات، تتواصل قرارات تمديد حالة الطوارئ في تونس، ما يثير انتقادات واسعة في صفوف الحقوقيين الذين يعبّرون عن قلقهم من تأثيرات ذلك على الحقوق والحريات، وعلى المناخ الديمقراطي الذي أفرزته الثورة
ويتعلّق الأمر بالبيانات الإحصائية الخاصة بالإجراء الحدودي S17 (حرية التنقل) والتي تتضمّن عدد المعنيين بهذا الإجراء وتوزيعهم حسب الجهات. ووفق ما ورد في الوثيقة الرسمية لقرار الهيئة، لم تفلح وزارة الداخلية في إثبات الأضرار، سواء الآنية أو اللاحقة، التي يمكن أن تترتّب على حصول المدّعية على المعلومات المطلوبة أو في إثبات مدى تهديدها للأمن العام وعلاقتها بحالة الطوارئ. وتعليقاً على الانتهاكات التي قد تطال حرية الصحافة والإعلام في ظل حالة الطوارئ، يوضح عضو نقابة الصحافيين التونسيين محمد اليوسفي لرصيف22 أن النص التشريعي الحالي غير دستوري، ما يستوجب وضع قانون جديد لتنظيم حالة الطوارئ في أقرب الآجال، ويضيف: "المرسوم (الفصل) 115 هو المنظم للعمل الصحافي اليوم وسيتم تغييره مستقبلاً بقانون أساسي يُعنى بحرية التعبير والصحافة والطباعة والنشر". يشدد اليوسفي على أن النقابة ترفض أية توجهات زجرية من شأنها المس بالمكتسبات التي تحققت، وعلى أنها في انتظار قانون الطوارئ المرتقب، وستتصدى لأية محاولة ممكنة للالتفاف على حرية الإعلام وحق الصحافيين في النفاذ إلى المعلومة والقيام بدورهم في مناخ ديمقراطي.

أمر غير دستوري

يرى حقوقيون أن خطورة قانون حالة الطوارئ الحالي لا تكمن في الانتهاكات التي تطال الحريات الفردية والعامة فحسب، وإنما تتعداها إلى مخالفته للدستور. في هذا السياق، يفيد أنور أولاد علي بأن حالة الطوارئ متواصلة منذ ثلاث سنوات رغم أن القانون يتحدث عن تمديدها لمرة واحدة، مضيفاً أن أمر سنة 1978 الذي ينظم حالة الطوارئ غير دستوري لأن الأصل في المسائل التي تمس الحقوق والحريات أن تصدر بقوانين وليس بمراسيم أو أوامر، وهو ما تعمل به رئاسة الجمهورية الحالية. من جانبه، صرّح النائب التونسي رياض جعيدان بأنه تقدّم مع مجموعة من زملائه سنة 2016 بمقترح قانون أساسي لتنظيم حالة الطوارئ، يهدف إلى ملاءمة الإطار التشريعي المنظم لحالة الطوارئ مع الدستور والمنظومة التشريعية الوطنية. وأوضح لرصيف22 أن حالة الطوارئ في تونس تخضع حالياً للأمر المؤرخ في 26 يناير 1978 والذي تم إصداره في ظروف أزمة الحكومة حينذاك مع الاتحاد العام التونسي للشغل، لافتاً إلى أن أحكام هذا الأمر أصبحت مخالفة لعدد من الأحكام الدستورية من بينها ما تنص عليه الفصول المتعلقة بحرية التنقل والإعلام والنشر والحق في النفاذ إلى المعلومة وحق الإضراب والاجتماع. كما شدد على أن الغاية من مقترح هذا القانون هي وضع ضوابط لإعلان حالة الطوارئ بما يتناسب مع ما حققته تونس على مستوى تحوّلها إلى دولة قانون وحريات. في المقابل، أفاد المستشار السياسي لرئيس الجمهورية نور الدين بن تيشة بأنّه جرى اقتراح بعض التعديلات لإدخالها على مشروع قانون حالة الطوارئ في جلسة مجلس الوزراء في 23 نوفمبر الماضي، وستتولى مصالح رئاسة الحكومة ذلك لتتم في وقت لاحق المصادقة عليه. وأوضح في تصريح إذاعي أنّ هذه المبادرة تأتي في إطار سهر رئاسة الجمهورية على تطبيق القانون واحترام الدستور، مُقراً بوجود ما اعتبره خللاً دستورياً في ما يتعلق بالأمر المنظم لحالة الطوارئ في تونس. ولكن، رغم إجماع كل الأطراف تقريباً على وجود خلل دستوري في القانون الحالي المُنظّم لحالة الطوارئ في البلاد، تبقى الأنظار متّجهة نحو البرلمان ورئاستي الحكومة والجمهورية اللتين تعهدتا بتنقيح هذا القانون بما يتلاءم مع الدستور وبما يوفّر الحماية للحريات الفردية والعامة في تونس.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard