"توالج" في وعينا الجمعي بين الحضرة الإلهية والحضرة السلطانية... دين دولتنا "الحديثة"

الخميس 20 ديسمبر 201806:59 م

-1-

كان المشهد كاشفاً حين تمّت إزاحة رئيس مصر الأسبق محمد حسني مبارك من الحكم. كان التقليد المُتبع هو أن تُعلَّق صورة كبيرة لرئيس الجمهورية على الحائط، وراء مكتب رئيس مجلس الوزراء، ومكاتب كل المسؤولين الكبار في الدولة. وفي أول اجتماع لمجلس الوزراء المصري بعد إزاحة مبارك، كان الإشكال: ماذا سيوضع مكان برواز صورة الرئيس المتنحي على الحائط؟ إذ لم يتولَّ رئيس آخر مكانه لتحتل صورته الحائط. هل سيتُرك الحائط بلا برواز يُشير إلى الممسك بزمام سلطة الأمر في البلاد؟ على مدار ما يقرب من قرن وربع القرن، عمر مؤسسة مجلس الوزراء، استُبدلت صورة خديوي بصورة سلطان فملك ثم صورة رئيس. فماذا نضع الآن على الحائط في المجلس؟ وبدلاً من صورة الرئيس المتنحي، وُضع في كل المصالح الحكومية ودواوين دولتنا "الحديثة" برواز بنفس الحجم تقريباً مكتوب داخله "الله جل جلاله". وكأن السلطة في وعينا "الحديث" يمسك بها حاكم فرد مُطلق السلطات ترمز إليه صورته المعلّقة على حائط المجلس والمصالح الحكومية، وينوب عن الحاكم الحقيقي الفرد الصمد، جل جلاله، ولذلك يمكن أن يرمز إليه برواز صورة "الله جل جلاله". هو نفس التصرف الذي تفعله الأفلام والمسلسلات حين يكون بها بعض النقد السياسي. فلكي تتجنب أن تشير إلى فترة حكم حاكم معين في أي مشهد درامي، فيه مسؤول حكومي كبير في مكتبه، ومنعاً للحرج، يتم أيضاً وضع برواز الله جل جلاله، بدلاً من صورة الحاكم في المشهد. العلاقة بين الإله والحاكم ممتدة في تراثنا الثقافي البعيد، منذ أن كان الحاكم هو ذاته إلهاً. وفي تراثنا الأقرب منه، فإن الحاكم هو "ظل الله على الأرض"، وأنت "لاتفهم الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل بالحضرة السلطانية" كما قال "حجة الإسلام" الغزالي حين أراد "إلجام العوام عن علم الكلام"، و"الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وفي عرف الفقهاء، تراثيين ومُحدثين، حين يختار الحاكم اختياراً فقهياً ما، فإن اختياره "يقطع الخلاف" الفقهي ويحسمه. فالتوالج في وعينا الجمعي دائم بين الحضرة الإلهية والحضرة السلطانية، والتداخل متشعب بين الحاكم والإله ومُتجذِّر في تصوراتنا التراثية. فهل نجحنا في الانتقال من هذه التصورات التراثية إلى دولة حديثة خلال قرنين من التحديث؟ وما هو شكل هذه الدولة "الحديثة" وطبيعة دينها؟

"طربوش دولة الخلافة"

في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، كانت دولة المسلمين الإمبراطورية قد وصلت إلى الضعف والمرض، مثلها مثل كل الإمبراطوريات التي قامت على غلبة رابطة دينية على روابط أخرى. وظهرت على السطح إمبراطوريات أوروبية جديدة لا تقوم على روابط دينية مسيحية فقط، بل عكس نظامها نتائج قرون من الإصلاح الديني والتمثيل النيابي والتنوير الفكري والثورة الصناعية والعلمنة، وقامت على روابط مثل المواطنة والمدنية. في فضائنا الثقافي، كانت دولتنا الدينية الإمبراطورية "دولة الخلافة". ورغم عنفها وجبروتها وقيامها على التمييز على أساس الطائفة الدينية والأصل والعرق، إلا أن سلطتها كانت بمثابة طربوش فوق رأس المجتمع، ومهمتها الأساسية كانت الحماية من إغارة عدو خارجي، وفرض الأمن الداخلي العام، وجباية الضرائب والجزية والخراج والمكوس، إلخ، مع نظام هزيل من القضاء بين المتخاصمين من خلال محاكم فقهية تُسمى المحاكم الشرعية. لكنها كدولة، لم تكن لها تقريباً ماكينة تدبّر أمور الحياة اليومية لرعاياها، من طعام وسكن أو تعليم وصحة أو رعاية أيتام ومواصلات، ولا حتى خدمات شرطية، إلخ، بل المجتمع هو الذي يدبّر أموره اليومية من خلال مؤسسات اجتماعية تقليدية، في اللب منها نظم الأوقاف، وشيوخ الطوائف، وشيوخ الحارات، إلخ. الطائفة أو القبيلة أو العائلة الكبيرة التي ينتمي إليها الشخص هي مَن كان يدبّر الأمور اليومية في حياته، بما في ذلك علاقات الزواج والطلاق والتبادل التجاري والإرث. كلها علاقات قائمة على العُرف، بمكوناته الاجتماعية والدينية، حتى التقاضي بين المتخاصمين، إلا في حالات قليلة جداً حين يعجز العرف عن الحسم، فيتم اللجوء إلى المحاكم الفقهية (الشرعية) التي تختار قُضاتها سلطة الحاكم الراعي. [one_third] [caption id="attachment_175204" align="alignnone" width="350"] الشيخ المهدي العباسي الحنفي[/caption] [/one_third] وكانت الإمبراطورية العثمانية تتخذ للمذهب الحنفي كمذهب للدولة، فكان يتم القضاء به في محاكمها الفقهية. لكن في بلد كمصر، كان أهل الصعيد يسود بينهم المذهب المالكي، وأهالي القاهرة وما حولها يسود بينهم المذهب الشافعي. وحتى داخل الأزهر لم يجلس على رأسه طوال تاريخه "السنّي" سوى شيخ مذهبه شافعي أو مالكي، ولم يجلس على رأسه شيخ حنفي قبل الشيخ المهدي العباسي الحنفي عام 1870، مع تدخل سلطة الدولة "الحديثة" مباشرة بالسيطرة على الأمور فيه عبر أول قانون لتنظيم العمل في الأزهر. بشكل عام، كان يتم تسيير أمور الحياة في جنبات المجتمع حسب العرف وحسب المذهب الديني السائد بين المسلمين والمذاهب، وكان ذلك أقرب عند الممارسة الواقعية إلى أنساق ثقافية تقليدية تختلف عن المدونات النظرية في الكتب المعتمدة. وكذلك كانت كل طائفة دينية أخرى، مسيحية أو يهودية، تفصل في أمورها اليومية والشخصية والأسرية حسب عرف الطائفة وتقاليدها الاجتماعي منها والديني.

بماذا اهتم الفقه؟

وانعكس كون السلطة الإمبراطورية سلطة فوقية، والمجتمع يدبر أمور الحياة لأفراده بمؤسسات مُجتمعية تقليدية طائفية وقبلية شبه مستقلة عن التدخل اليومي من السلطة، على صياغة طبيعة الفكر الديني عند المسلمين. فسلطة الحاكم مُطلقة طوال الوقت لا تحدّها إلا حدود القوة التي يصل بها إلى الحكم ويحكم من خلالها، ما جعل مذاهب الفقه التي نشأت كمدارس فكرية لا سلطة لها، سوى اقتناع الأفراد بها، فركزت جهدها على المساحة بين الفرد والله، من خلال فقه العبادات: صلاة وزكاة وصيام وحج وهو القسم الأكبر حجماً في المذاهب الفقهية التي وصلتنا. المساحة الثانية التي ركز عليها الفقه هي العلاقة بين فرد وفرد من خلال فقه المعاملات: زواج وطلاق وحضانة وحجر وميراث، وبعض العقود الأولية من بيع وشراء وشراكة وإجارة ومُزارعة وسقاية، إلخ. أما المنطقة الواصلة بين الرعايا والحاكم، أو بين السلطات وبعضها البعض، أو بين أجنحة السلطة الواحدة، فكانت كلها مساحات صمت عنها الفقه التقليدي تقريباً. وحتى حين تبنت السلطة مذهباً فقهياً معيّناً كمذهب لها من خلاله سلطانها، ظل الأمر مجرد فتوى فردية من قاضي قضاة لحاكم، لا تُلزم الحاكم الذي يأتي من بعده. فكانت الحاجة إلى ظهور أدبيات تتعامل مع أمور اجتماعية عامة من خلال فقه "السياسة الشرعية" و"الأحكام السلطانية" وآدابها، لتغطي النقص في جزئية تناول مذاهب الفقه للأمور السياسية والاجتماعية العامة. لكن هذه الأدبيات كانت في الغالب كتابات تصور الواقع، أكثر من كونها عملية تأسيس معرفي أو فقهي له، وكانت أقرب إلى عمليات تبرير لممارسات الحكام بالنصوص. [caption id="attachment_175196" align="alignnone" width="1000"] رسم لمحمد علي باشا سنة 1840، بريشة أوغست كودر[/caption]

-2-

بدخول مجتمعاتنا في عمليات تحديث، خلال القرنين الماضيين، سواء نتيجة لخطر غزو خارجي، أو لعملية تحديث يقوم بها حاكم مُطلق السلطة من الداخل، شهدت طريقة الحياة في مجتمعاتنا التقليدية تحدياً أساسياً. فأدوات السلطة التقليدية لم تعد لها الفاعلة السابقة، كونها كانت مجرد طربوش فوقي على رأس المجتمع، وتطلبت التغيرات "الحديثة" ماكينة حكم إدارية وتنظيمية، بيروقراطية تحتاج إلى لوائح وقرارات وقوانين، ونظم مراقبة ومتابعة، كقواعد عامة ضابطة للعمل. [caption id="attachment_175203" align="alignnone" width="1000"] جيش محمد علي باشا[/caption]

ماكينة دولتنا "الحديثة"

كانت البداية في نقل نظم حديثة لتنظيم الجيوش وما يرتبط بها من نظم تعليم، العسكري منها والمدني، ونظم إدارة، وصحة، إلخ. والنظم الحديثة المنقولة عن الغرب تقوم في لبها على التعامل مع أفراد وليس طوائف أو قبائل أو عائلات.

فالعسكري في جيش محمد علي باشا "الحديث" نفر "فرد"، وليس من فرسان المملوك مراد بك أو من فرسان المملوك إبراهيم بك، بل فرد في جيش الباشا، له رقم في سجل الوحدة وله تعيين يومي في المعسكر. هذ الأمر جعل جهد ماكينة دولتنا الحديثة وما زال، ينصبّ على تفكيك كل النظم الاجتماعية التقليدية، أو إحكام السيطرة عليها بالقوة، كي لا تكون عائقاً أمام مسيرة التحديث أو توجهاته.

[caption id="attachment_175193" align="alignnone" width="700"] الجيش المصري في عصر محمد علي[/caption] دولتنا "الحديثة" وأعني بها "الماكينة الإدارية والبيروقراطية التي تشكلت لتمارس السلطة من خلالها نفوذها عبر قرارات ولوائح وقوانين ودساتير وأجهزة ونُظم خلال القرنين الماضيين"، هذه الدولة سعت بانتظام للسيطرة على النشاط الأهلي وعلى مؤسسات المجتمع التقليدية، عبر إقامة ديوان أو مصلحة أو نظارة أو وزارة، كأداة حكومية تكون هي المسؤولة عن هذا النشاط الأهلي ومسؤولة عن السيطرة عليه باسم تنظيمه وتقنينه، إلى درجة أننا لا نفرّق في وعينا العام بين ما هو حكومي وما هو عام. وترتب على ذلك غياب التفرقة بين ما هو عام مجتمعي وبين ما هو عام حكومي، ودخول المنطقة الضبابية بين المجتمع والحكومة والدولة والنظام الحاكم. فكيف تعاملت ماكينة الدولة "الحديثة" مع مجال الفكر الديني؟ وكيف سيطرت على أنشطة مؤسسات التدين التي كانت في غالبها أهلية ومجتمعية؟

"نتف ريش" المؤسسات التقليدية

كان التعليم دينياً تقليدياً، بتمويل أهلي سواء في الكُتّاب عبر ما يدفعه الأهالي، أو في الأزهر عبر الأوقاف الموقوفة عليه أو الهبات التي تأتي شيوخه. فجاءت الدولة "الحديثة" وتركت نظام التعليم القديم على حاله، وأنشأت مساراً موازياً، عبر مدارس أميرية، بل استولى الباشا على أراضي أوقاف الأزهر مقابل دفع مبلغ سنوي للأزهريين لينفقوا منه، ليصبح العام المجتمعي هو العام الحكومي، ولينشأ خط تعليم ديني تقليدي أهلي، طائفي، بجوار خط تعليم حكومي "مدني" و"حديث" ويُقام له ديوان للمدارس عام 1837 يتبع ديوان الجهادية. [caption id="attachment_175195" align="alignnone" width="700"] ديوان للمدارس عام 1837[/caption] وكانت المحاكم الفقهية (الشرعية) تقضي حسب المذهب الحنفي بين مَن يتقاضون أمامها من ملة المسلمين. فتركها الباشا على حالها، وأنشأ مجالس مخصوصة تتبعه مباشرة تقضي في خلافات التجار، وفي الدماء وفي الخلافات مع الأجانب، يتولاها من يُنيبهم الباشا، في مسارٍ موازٍ.
في تراثنا الأقرب، فإن الحاكم هو "ظل الله على الأرض"، وأنت "لاتفهم الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل بالحضرة السلطانية" كما قال "حجة الإسلام" الغزالي حين أراد "إلجام العوام عن علم الكلام"، و"الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"
كان التقليد المُتبع هو أن تُعلَّق صورة كبيرة لرئيس الجمهورية على الحائط، وراء مكاتب المسؤولين الكبار في الدولة. وفي أول اجتماع لمجلس الوزراء المصري بعد إزاحة مبارك، برز إشكال: ماذا سيوضع على الحائط؟
وفي مجال الإفتاء الديني، تكوّن نسق مُفتين عموميين يتقاضون راتباً من الدولة يفتون أجهزة ماكينة الدولة "الحديثة" في الأمور الدينية، وتُركت المؤسسات التقليدية تفتي الأهالي، فأصبح هناك مسار إفتاء أهلي وإفتاء عمومي حكومي. ومع إنشاء المدارس الأميرية، كانت الحاجة إلى مدرسين يدرِّسون اللغة العربية والدين لهذه المدارس، فأقامت الدولة مساراً موازياً من خلال إنشاء مدرسة دار العلوم التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة عام 1870، لتخريج معلمي اللغة العربية والدين في مسار مواز وبديل عن الأزهر.

السيطرة على المؤسسة من الداخل

بجانب مسار الدولة "الحديثة" هذا بنتف ريش المؤسسات التقليدية الخارجي وعمل مسارات موازية "حديثة" بجوارها، وترك القديم على حاله، كان نهجها الثاني هو السيطرة على المؤسسة من الداخل عبر عملية تقنين قانون يُنظم عملها عبر هرم سلطة داخلها يجلس على رأسه فرد واحد، تتجمع كل السلطات في يده، ويتم التحكم في المؤسسة من خلال تعيين وعزل السلطة من الخارج لهذا الفرد. تدخلت الدولة "الحديثة" سنة 1870 ليجلس على رأس الأزهر لأول مرة بعد تسعة قرون من تأسيسه شيخ حنفي المذهب، وليصبح منصب الشيخ وتعيينه واستمراره في منصبه خلال فترة القرن ونصف القرن الأخيرة وسيلة في يد السلطة "الحديثة" تتحكم فيها عبر سيف المعز وذهبه لكن بشعارات "حداثوية". ومع ازدياد نفوذ الأجانب وسيطرتهم على مالية الدولة "الحديثة" عن طريق الديون الخارجية، ومن خلال مراقبي الدين الأجانب، تمت محاولة تحجيم سلطة الحاكم المطلقة بالاستعانة بقوة قاهرة خارجية، بأن تمر سلطته من خلال مجلس للنظار، فلا يكون النظار مسؤولين أمامه مباشرة، بل مسؤولية مجلس النظار تضامنية، والقرار قرار المجلس. ثم في ما بعد، مع الاحتلال العسكري المباشر، سيطر الأوروبيون مباشرة على الجهاز الإداري للدولة "الحديثة"، وتُرك الشأن الديني من أوقاف وأزهر تحت رعاية الحاكم المُستأنس، ليصبح الصراع في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بين مجلس "النظار" الذي يتحكم فيه المحتلون، وقصر الحاكم الذي تتبعه الأوقاف وشؤون الأزهر. فحين سعت نظارة الحقانية (العدل) إلى تنظيم إجراءات التقاضي أمام المحاكم الفقهية (الشرعية)، حسب قوانين تنظيم إجراءات التقاضي داخل المحاكم الشرعية وتعديلاتها، كان الإشكال هو: في حالة اختلاف محكمتين شرعيتين في ما بينهما على ما هو الراجح من مذهب أبي حنيفة، فما هي الجهة التي ستفصل في هذا الأمر؟ ولكي لا تذهب الحكومة إلى الأزهر الذي يخضع لقصر الحاكم، أنشأت الحكومة مسار إفتاء موازٍ بجواره عبارة عن كيان يتبع نظارة الحقانية وأسمته "دار الإفتاء المصرية" عام 1897، وفيه مُفتٍ كموظف عمومي يفتي المحاكم الشرعية في حالة الخلاف بينها بما هو الراجح من مذهب أبي حنيفة، ويصدِّق على أحكام الإعدام، لتأخذ طابعاً فقهياً (شرعياً)، ويُفتي ماكينة الدولة "الحديثة" في الأمور الفقهية وتحديد بدايات الشهور القمرية. كذلك، تم إنشاء مدرسة "القضاء الشرعي" عام 1907 لتُخرِّج قضاة ومحامين يتقاضون أمام المحاكم الشرعية، ويدرس طلابها علوماً قانونية معاصرة بجوار المعارف الفقهية. ورداً على إنشاء الحكومة لدار إفتاء تفتيها بديلاً عن الأزهر، ساند القصر الأزهر في إقامته "هيئة كبار العلماء" عام 1911. وردت الحكومة على خطوة القصر والأزهر بأن أعادت إلى الوجود وزارة للأوقاف تسيطر بها على أمور الأوقاف وتسحبها من يد القصر، عام 1913. وبعد ذلك بأربعين عاماً، قامت دولة يوليو بضم المساجد الكبيرة التي تتبعها أوقاف، لتخضع لإشراف وزارة الأوقاف. ثم قامت الحكومة في ما بعد بضم كل المساجد الأهلية لإشراف وزارة الأوقاف، عام 1960، لتصبح الحكومة هي المسيطر على الدعوة الدينية في المساجد عبر وزارة في الحكومة. حتى مبنى الجامع الأزهر ذاته، أصبحت تديره وزارة الأوقاف ودعاتها، بموجب قانون تنظيم الأزهر عام 1961. فوزارة الأوقاف صارت هي التي تحدّد مَن يخطب الجمعة ومَن يعمل في الجامع الأزهر وتتحكم في فتحه وإغلاقه، وليس لمشيخة الأزهر سيطرة على أمور الصلاة والعبادة فيه. وصار دور مشيخة الأزهر هو إدارة شؤون المشيخة التي أصبح لها مبنى مستقل خارج مبنى الجامع، وتدير الجامعة الأزهرية، والمعاهد الأزهرية، كمؤسسة علمية، وتم إلغاء "هيئة كبار العلماء" التي كانت عبارة عن مجلس من متخصصي الفقه فقط، وإنشئ بدلاً منها مجمعاً للبحوث الإسلامية كمؤسسة علمية للإفتاء تتبع الأزهر، ولها تخصصات مختلفة منها الديني ومنها المدني. واستمر الأمر كذلك حتى ثورة 25 يناير 2011، عندما هرول الأزهريون فور سقوط مبارك إلى اقتناص إدارة مبنى الجامع من يد وزارة الأوقاف لتشرف عليه مشيخة الأزهر، بل ويعيدوا إلى الوجود هيئة كبار العلماء التي ألغيت قبل نصف قرن ويبقى مجمع البحوث الإسلامية الذي أنشئ بدلاً منها، في عملية تجاور لا معنى لوجودها. أصبح حالنا بالنسبة إلى المشهد الديني الرسمي العمومي هو سيطرة الدولة "الحديثة" على النشاط الديني الذي كان أهلياً بالكامل تقريباً قبل قرنين. وصرنا أمام وزارة للأوقاف تُسيطر على الأوقاف الأهلية وتسيطر على الدعوة الدينية في المساجد، من خلال تعيين ومكافأة الدعاة الذين تُصرّح لهم بالخطابة في المساجد التي تسيطر عليها، وأمام "مجلس أعلى للشؤون الإسلامية" يُفتي الوزارة ويضع "سياساتها" الدعوية ويُشرف على مطبوعاتها. وتتوازى مع وزارة الأوقاف دار للإفتاء تتبع وزارة العدل تفتي الدولة والحكومة في الأمور الدينية، ورغم أنها نشأت لتفتي المحاكم الشرعية في الراجح من مذهب أبي حنيفة، ورغم أن المحاكم الشرعية بدأت تسير على قوانين في الأحوال الشخصية منذ بدايات القرن العشرين، بل رغم أنه تم إلغاء القضاء الشرعي كله عام 1955، ورغم انتهاء المهمة التي من أجلها أُنشئت الدار، فقد استمرت الدار في الوجود، كسلطة إفتاء وفيها لجان لإفتاء الأهالي أيضاً! وتتوازى مع وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، المنظومة الأزهرية. والأزهر تحوّل في الثلاثينيات من القرن الماضي من مجرد جامع على رأسه "هيئة كبار علماء" مكوّنة من ثلاثين عضواً (تسعة فقهاء من كل مذهب فقهي كبير في مصر بالإضافة إلى واحد فقط يمثل المذهب الحنبلي وشيخ الأزهر ووكيله) وأصبح جامعاً وجامعة مكوّنة من ثلاث كليات، وتقريباً ست معاهد أزهرية. أما الآن فصارت المنظومة الأزهرية تضم ما يقرب من تسعين كلية وآلاف المعاهد الأزهرية التي تضم حوالي مليون ونصف مليون طالب وتلميذ، وهيئة كبار علماء بجوار مجمع بحوث إسلامية، بجوار لجنة إفتاء. هذا التوازي والتجاور بين المؤسسات هو الذي تستخدمه سلطة دولتنا "الحديثة" في السيطرة على النشاط الديني، فلو تشددت جهة يتم موازنتها بالجهتين الأخريين. ويمكن رصد عشرات المواقف والأمثلة التي حدث فيها ذلك. الجانب الآخر أن كل مَن يجلس على رأس مؤسسة من هذه المؤسسات تتمركز في يده كل السلطات، ويتم تعيينه من قِبل رأس الحكم. واللب في الأمر أن دولتنا "الحديثة" هي "دولة دينها الإسلام". الإسلام بأي فهم وبحسب أي مذهب؟ ويصبح السؤال الأساسي كيف يكون للدولة دين؟ فهل الدولة تنطق الشهادتين؟ أو تذهب للصلاة، وتصوم رمضان أو تحج البيت؟ بل هل على مال الدولة "العام" زكاة أصلاً كمَن يقول على مال الزكاة زكاة؟ ونتيجة لهذا التلفيق والتجاور، أصبح الصراع بين ماكينة الدولة "الحديثة" وبين جماعات العنف الرافعة لشعار تطبيق الشريعة صراعاً على نفس الحبل الذي يُسحب منه الناس، والخلاف بينهما على مَن يمسك بهذا الحبل، وفي سبيل ذلك كل منهما يسعى لاظهار أنه الأكثر إيماناً وتديناً والأحسن إسلاماً. فهل حان الوقت لنفتح ملف "دين دولتنا الحديثة" أم سنظل نكتفي بتبديل برواز بآخر على حوائطنا؟
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard