"ضَرب ناقوسي في ديري، فتحركت الصلبان": النفحة المسيحية في الغناء الإسلامي الصوفي

الأحد 9 ديسمبر 201812:18 م
ضرب ناقوسي في ديري (يعني في قلبي) تحركت الصلبان فهز الجسمان، ولساكن القلب أكلمه كلمة.. كلمة ورا كلمة ورا كلمة. ولراهب الدير أكلمه كلمة.. كلمني كلمة على كل لسان". سألت عليه القديمة (يعني كلمة لا إله إلا الله، الله محبة، الله في قلبي محبة). سألت عليك المحبة، صبح جسمي بالحب ثانية. قال لي: اسمع يا شاطر وافهم الرموز اللي فيها المعنى والكلام. قلت له: إيه، قال لي: موسى وعيسى المسيح والأنبياء كلهم يهدو إلى طريق الرحمن. ما سبق هو مطلع قصيدة "الله محبة"، التي كتبها -بلغة فصيحة مختلطة بالعامية المصرية- وغناها المنشد الصوفي الشيخ أحمد التوني، الشهير بـ"ساقي الأرواح". https://youtu.be/cRLobjFg0II القصيدة مليئة بتعابير مسيحية عقائدية، رغم أن من يرددها مسلم متصوف، أي أننا هنا لسنا أمام غناء علماني، يستطيع الاقتراض من أي ثقافة، كما فعلت أم كلثوم مثلا، وهي امرأة مسلمة، حين غنت: قالوا أحَبَّ القَسُّ سلاَّمةً/ وهْو التَّقِيُّ الوَرِعُ الطاهِرُ:
%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7-%D8%A7%D8%AD%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%84%D8%A3%D9%85-%D9%83%D9%84%D8%AB%D9%88%D9%85/1501924859851149/   قصيدة التوني كانت محط اهتمام الباحثة بجامعة غرناطة الإسبانية، رينيه حنا حتر Renee Hanna Hattar، فأعدت دراسة بعنوان: "الموسيقى والحوار بين الأديان: التأثيرات المسيحية في الموسيقى العربية الإسلامية - Music and Interfaith Dialogue: Christian Influences in Arabic Islamic Music"، مستشهدة بتلك الأنشودة، على دور الموسيقى في التقريب والحوار بين الثقافات والأديان.

حب إلهي إسلامي على الطريقة المسيحية

في أنشودة التوني الصوفية، نشاهد المفردات والمعاني المسيحية وسيلة للتعبير عن الحب الإلهي، بحسب تعليقات التوني نفسه أثناء غنائه (نلحظ ذلك في العبارات المكتوبة بين أقواس)، فلأنه مسلم ويغني لجمهور مسلم متصوف، أشار إلى أن "الدير" يعني "قلب" و"من يعيش في القلب (الدير)، هو الإنسان المحب الذي يعيش في داخله (راهب الدير). التفسير من وجهة النظر الإسلامية، وفقا للتوني، هو أن الحب في قلوبنا مرتبط مباشرة بالله، حيث يعيشان معا في قلب المؤمن. والناقوس هو ضربات هذا القلب، التي تحركه للغناء بالمحبة، وبالتالي يتحرك جسمه بالكامل (الصلبان). ويواصل التوني، ويقول إنه رغب التحدث بكلمة مع الراهب (الشخص الذي يعيش في قلبه). فسأل عنه "الكلمة القديمة"، ويفسرها بأنها المحبة "فالله هو المحبة". بطريقة غير متناقضة، فإن كلمات هذه القصيدة مشحونة جدا بقيمة أو معنى أن تكون مسلماً وتغني غناءً دينياً، مستخدما مفردات دينية مسيحية بحتة، فلا الناقوس ولا الدير ولا الراهب لهم علاقة بالإسلام. ولكن من الواضح أن هذه الكلمات بمعناها متأثرة بأصلها المسيحي العقائدي؛ فإذا غناها شخص آخر دون التفسيرات التي يقدمها التوني، ستفهم بالضرورة على معناها المسيحي الظاهر. وترى حتر أن ما هو ملحوظ في هذه الأنشودة وشبيهاتها، هو أن الفنانين يجدون دوماً قيمة وجمالاً مشتركين داخل النص الشعري والموسيقي، تدفعهم في المقام الأول إلى غنائها؛ بدافع من قيمة الحب الإلهي، الذي يحرك القلب والجسد، والذي تنقله جميع الأديان، وكل الأنبياء، فالحب الإلهي هو جوهر رسالاتهم جميعاً. الاتجاه إلى دمج الغناء الصوفي الإسلامي، بالغناء المسيحي الديني أصبح شائعاً في مصر الآن، فالتوني ليس الوحيد في مصر من منشدي التصوف، الذي تأثر بالمسيحية في غنائه، فهناك كثيرون فعلوا نفس الأمر. فعلى سبيل المثال نجد فرقة "رسالة سلام"، التي تتألف من عناصر مسيحية مسلمة، تقدم هذا المزج: https://youtu.be/l9hf8nbMBBA

التأثير المسيحي قديم

أوضحت حتر أن للأمر جذوراً قديمة؛ فالموسيقى في الإسلام بالأساس تأثرت كثيراً بالموسيقى المسيحية الكنسية، لافتة إلى أن الموسيقى في الإسلام عليها خلاف شديد، بين من يحرمها ويحللها، ولكن المتصوفة على وجه الخصوص أقروها، وبعضهم اعتبرها وسيلة للتعبد، كما في المسيحية. في المسيحية، كانت الموسيقى دائماً هامة جداً، ويعود استخدامها إلى "العهد القديم". ويدعو بولس الرسول المسيحيين إلى الغناء في مناسبات عديدة، كما هو الحال في رسالته إلى أهل كولوسي: "لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى، وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضا، بمزامير وتسابيح وأغانٍ روحية، بنعمة مترنمين في قلوبكم للرب". وبناءً على ذلك، بدأ العديد من الكهنة، بما في ذلك بعض آباء الكنيسة، مثل القديس إفريم السوري (307 - 373) وسانت يوحنا الدمشقي، بتأليف الترانيم في أبيات شعرية. وفي الإنشاد الصوفي الإسلامي، من الصعب عدم ملاحظة تأثير الرهبان المسيحيين، الذين احتكوا بالمسلمين الذين هاجروا إلى إثيوبيا في عهد النبي، ومن ثم من احتكوا بهم في مكة، كبلال ابن رباح "الحبشي"، الذي اختاره النبي خصيصا لمهمة الآذان لحلاوة صوته، تقول رينيه حتر. ولفتت حتر إلى أن النبي كانت له جاريتان مسيحيتان، من القيان، وهما سيرين بنت شمعون، ومارية بنت شمعون، اللتان أهداهما المقوقس (عظيم أقباط مصر) للنبي. وقيل إنهما كانتا تجيدان الغناء، وأحب النبي مارية وتزوجها، بحسب كتاب "القيان والغناء في العصر الجاهلي" لناصر الدين الأسد. 
يعترف العديد من الموسيقيين بالتبادل بين الآرامية والبيزنطية والفارسية والعربية. هذا الاتجاه يدعم فكرة أن المقامات الموسيقية العربية تستند بالأساس إلى الموسيقى السريانية، التي بدورها تستند إلى الألحان البابلية القديمة.
"قال لي: موسى وعيسى المسيح والأنبياء كلهم يهدو إلى طريق الرحمن": الغناء الصوفي ومفرداته الإنسانية في التعبير عن الحب الإلهي

الموسيقى المسيحية في الثقافة العربية الإسلامية

الموسيقى البيزنطية والموسيقى السريانية، هما النوعان الرئيسيان من الموسيقى المسيحية، اللتان أثرتا على الموسيقى العربية بشكل عام، والموسيقى الدينية الصوفية على وجه الخصوص، بحسب رينيه حتر. انتقلت تلك الموسيقى إلى العرب، من مسيحي المنطقة، ومن خلال الرحلات التجارية أو الحروب والفتوحات، أو من خلال المعاملات بين العرب من جهة، والمسيحيين من شعوب الشرق الأوسط من جهة أخرى. جاءت الموسيقى البيزنطية إلى المنطقة العربية، من خلال الإغريق، مع فتوحات الإسكندر الأكبر لدول البحر الأبيض المتوسط، التي بدأت في 333 قبل الميلاد، واستمرت في التطور، حتى أصبحت هي نفسها موسيقى الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية. وبعد الإسلام بدأت دورة مثيرة للاهتمام تتطور في الثقافة العربية، حيث تأثر علماء الموسيقى العربية بالموسيقى الكنسية بشكل غير مباشر، عن طريق ترجماتهم عن العلوم الموسيقية اليونانية والفارسية، ومن هؤلاء كان الفرابي والكندي وابن سينا. ولكن الشخص الذي أدخل تغييرات واضحة في تطوير الموسيقى العربية، والذي تأثر بالموسيقى البيزنطية بشكل كبير، كان صفي الدين الأرموي، في القرن الثالث عشر الميلادي.

الموسيقى السريانية وثقافة السومريين والأكاديين

أما المسار الآخر للتأثير المسيحي على الموسيقى العربية، فكان عن طريق الموسيقى السريانية، التي ترجع أصولها إلى موسيقى وثقافة السومريين والأكاديين (2334 ق.م). لا يُعرف الكثير عن الموسيقى السريانية، لأنها نقلت شفويا، لكنها أثرت بدورها في الصلوات والهتافات الليتورجية للكنيسة المسيحية في أنطاكية والعراق وإيران، ومن ثم تأثرت بها الثقافة العربية، خاصة بعد الفتح العربي. يعترف العديد من الموسيقيين بالتبادل بين الآرامية والبيزنطية والفارسية والعربية. هذا الاتجاه يدعم فكرة أن المقامات الموسيقية العربية تستند بالأساس إلى الموسيقى السريانية، التي بدورها تستند إلى الألحان البابلية القديمة. هناك أيضاً آراء أخرى تدعم وجود صلة بين البابليين والموسيقى العبرية القديمة، التي أخذها المسيحيون الأوائل من اليهود، وكان لهم هذا التأثير خلال الفترة التي عاشوا فيها في بابل بعد أسرهم، بحسب كتاب "الموسيقى السورية عبر التاريخ" لـكبرئيل أسعد. كذلك فإن الممالك العربية الشمالية المسيحية، من الغساسنة (220-638) في الشام، واللخميين في العراق، تطورت كمراكز فنية وثقافية هامة جداً. وفي القصور الملكية في كلا المملكتين، تجمع الشعراء والمغنون للترفيه عن الحكام، ووصلت شهرة شعرائهم ومطربيهم إلى شبه الجزيرة العربية، والعديد من المناطق الأخرى، عبر الطرق التجارية. خلال القرون الأولى للإسلام، وبعد الفتوحات، في القرنين السادس والسابع، جلب المسلمون عدداً كبيراً من الأسرى أراضي الإمبراطورية الرومانية البيزنطية والفارسية، إلى مدن الحجاز، وكان من بين هؤلاء الأسرى موسيقيون ومغنون. وقد أدت هذه العلاقات المتبادلة بالاتصال بين العرب والقادمين من أراضي بيزنطة وفارس، إلى انعكاس لتلك التأثيرات الموسيقية على الشعر العربي. وحدث نفس الشيء في المدن التي دخلها المسلمون، حيث بدأت الموسيقى تصبح جزءاً من الثقافة الإسلامية الفعلية، المترابطة مع ثقافات المنطقة والثقافات المجاورة، وبشكل خاص السريانية والبيزنطية والفارسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard