قواسمُ مشتركة بين أبي العلاء المعرّي وعائلة عربية في إيران!

الاثنين 17 ديسمبر 201802:06 م
مُنحت ذاكرة أبي العلاء المعرّي حيّزًا كبيرًا في سيرته؛ فهي التي أضافت له هالة خارقة، وهو يستعيد أحاديث مَن يتحدّث أمامه دون معرفته لغته. ويُحكى أنّ أبا العلاء المعرّي استمع مرة إلى حديثٍ دائرٍ بين رجليْن فارسييْن، وحدث اختلاف بينهما، فرفع أمرهما إلى قاضٍ طلب شهادة المعرّي، فما كان منه إلا أن ردّد حديثَ الخصميْن لفظًا بلفظ. فتنتْني ذاكرة أبي العلاء، ولكن، بعد سنوات راودني الشكّ بأنّها مجرّد مبالغات راكمها مؤرّخو الأدب. صادفتُ مرّة ثلاث فتيان في منطقة "كوت عبدالله" في الأهواز، يحثّ كلّ واحدٍ منهم الآخر على أخذ الورقة النقدية. فاستقرّت على الأصغر منهم. ركض الفتيانُ إلى حانوتٍ صغير جدًّا، يكاد العجوز الواقف فيه أن يسقط الحلويات والبسكويت والعصيرَ وهو يتحرّك. وقفتُ على مبعدة منهم أراقبهم. تكلّم أكبرهم: "هذه ألف ريال، ونريد ستّ مثلّجات"، بينما الفتى الأصغر هو من سلّم الورقة النقدية التي كانت خمسمائة ريال. أخذها الرجل، وأحضر لهم المثلّجات، ثمّ سلّم كلّ واحد منهم واحدة، وقبض على أكبرهم الذي تحدّث، وصفعه بقوّة على وجهه، قائلًا له: "هذه خمسمائة، وليست ألفًا". ركض الفتيانُ الثلاثة وهم يتضاحكون، بينما الأكبر منهم يمسح خدّه المحمرّ. اقتربتُ من حانوت الرّجل، فإذا به فاقد للبصر. في الساعة التاسعة صباحًا من كلّ يوم، يقصد الثلاثةُ البائع الأعمى، وفي كلّ مرّة يغيّرون خطّتهم في تسليم المبلغ، مع إضافة فتى جديد أو تغيير أصواتهم. وفي كلّ مرّة يكتشف الرّجلُ الأعمى خطّتهم، ويمنح صاحبَ الصوت صفعة أو ضربة من عصاه، مزخرفة بشتيمة! بتُّ اشتري منه؛ أسلّمه الورقة النقدية؛ يتلمّسها وكأنّه يزنها، منتظرًا ما سأطلبه، وبعد أن يحضر لي ما طلبتُه، يرجع لي بقيّةَ المال.
مع اقتراب العصر يجتمع بيت عْبيدة، ولا يزيد عددهم عن 15 شخصًا، وكلّهم عميان، أمام الحديقة. كلّ واحد منهم يضع مذياعًا على أذنه، متابعًا أحداث العالم ثم تبدأ تحاليلِهم، حتّى أطلق الناسُ على تجمّعهم "لويا جيرغا" الخفاجية، و"لويا جيرغا" هو المجلس الأعلى للقبائل في أفغانستان.
انحرف بعض أفراد العائلة عن مهنة بيع القماش، واختار واحدٌ منهم أن يصبح خطيبًا دينيًّا. ويُعرف في إيران أنّ أضعف الخطباء يتخرّجون من مدينة "مشْهد"، وذلك بعكس مدينة "قُم". و"مُلّا" بيت عْبيدة درس في مدينة مَشْهد، فعاد لابسًا عمامتَه ليتسلّم مجالسَ يخطب بها. وأينما حلّ يتبعه مجلس "لويا جيرغا" لأنّه ابنُ عمّهم.
في مدينةِ "الخَفاجية" (تحمل كثيرٌ من مدننا أسماءً ثانية؛ فلكلّ واحدة اسمٌ محلّيّ قديم، واسم فارسيّ مُنح لها في العقود الأخيرة، كما أنّ بعض الأطفال تختلف أسماؤهم في الجنسيّات عن أسمائهم في البيوت، و"الخفاجيّة" يُطلق عليها اليوم رسميًّا "سُوسَنكِرد")، عاش بيت عْبُيدة؛ عائلة امتهنت العملَ في التجارة، وبالتحديد تجارة القماش، ولذلك سكنوا قربَ السوق. وقد أُطلق على التقاطع الذي تقع فيها محلّاتهم "تقاطع بيت عْبيدة"، ومؤخّرًا غيّروا اسم الشارع إلى "فاطمية"، لكنّ الناس مازالت متمسكة بـ"بيت عْبيدة". وتوارثَت هذه العائلةُ العَمى، ومن اُستثنيَ من العمى، فهو لا يرى إلا أقلَّ من القليل. وكانت نساءُ الخفاجية، ومازالت، يفضّلن شراءَ القماش من بيت عبيدة، رغم أنّ محلّاتٍ كثيرة وكبيرة فُتحت في المدينة. تأتي المرأة وتطلب قماش "كودَري" أخضر. فيسألها البائعُ الأعمى من بيت عْبيدة: "هل تريدين أخضرَ فاتحًا أم غامقًا؟"، فهو يعرف نوعية القماش، كما يعرف تعدّد ألوانه. ولن نتحدّث هنا عن معرفتهم بالشؤون المالية، وبأنّ غشّهم مستحيل. هذا في فترةِ عملهم صباحًا، أما مع اقتراب العصر فيجتمع بيت عْبيدة، ولا يزيد عددهم عن 15 شخصًا، وكلّهم عميان، أمام الحديقة. كلّ واحد منهم يضع مذياعًا على أذنه، متابعًا أحداث العالم ثم تبدأ تحاليلهم، حتّى أطلق الناسُ على تجمّعهم "لويا جيرغا الخفاجية"، و"لويا جيرغا" هو المجلس الأعلى للقبائل في أفغانستان. ويبدأ حوارُهم كالتّالي: يتطرّقون إلى السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، ثمّ ينتقل الحديث إلى رئيس بلدية الخفاجية، ثمّ إلى مجلس الأمّة في الكويت، وما يحدث في لبنان بعد سفر الحريري إلى الرّياض، إلى أن يعودوا إلى "مْجيِّد البَنجَرجي". هذا عصرًا، أمّا في الضحى، وهو وقت وصول الصحف الصباحيّة، وهي أيضًا الساعة التي تشتدّ فيها حركة الناس، فيجلسون على الرصيف، مقابل سوق "الكويت" في "الخفاجية"، وقد اشترى كلُّ واحد منهم صحيفةً، وتنطلق الأسئلة بينهم. "أعتقد أنّ هذه الصحيفة كَتبتْ عن الانفجار الأخير في أفغانستان"، فيجيب آخرُ: "لا، هذا الموضوع أهمّ، فالبورصةُ في لندن ستؤثّر على الاقتصاد العالميّ". وتدور هذه النقاشات، بينما صحفهم مفتوحة منتظرين فريستهم. والفريسة عبارة عن عابرٍ من قربهم. يعرفون العابرَ من أمامهم من صوتِ وقع خطواته أو عن طريق صوته إن كان يعرف القراءة أم لا؛ فإنْ تأكّدوا من أنه يعرف القراءة، نادوا عليه، وطلبوا منه أن يقرأ لهم. ويجدر القولُ بأنّ بيت عْبيدة كلّهم أمّيّون، ويتحدّثون بينهم بالعربية الدارجة، بينما الصحف كلّها باللغة الفارسية. وهنا يبدأ العابرُ بالقراءة، وإن أخطأ، وبالتأكيد أنه سيخطئ في اسمٍ أو تاريخ أو لفظة، يعترضون عليه، مصحّحين له. ويُذكر أيضًا أن رجالَ هذه العائلة يسافرون وحدهم إلى المدن الأخرى من أجل التجارة، دون أخذ أحدٍ معهم ليساعدَهم. انحرف بعض أفراد العائلة عن مهنة بيع القماش، واختار واحدٌ منهم أن يصبح خطيبًا دينيًّا. ويُعرف في إيران أنّ أضعف الخطباء يتخرّجون من مدينة "مشْهد"، وذلك بعكس مدينة "قُم". و"مُلّا" بيت عْبيدة درس في مدينة مَشْهد، فعاد لابسًا عمامتَه ليتسلّم مجالسَ يخطب بها. وأينما حلّ يتبعه مجلس "لويا جيرغا" لأنّه ابنُ عمّهم. وخطب ذات يومٍ في مجلسٍ، وتطرّق إلى عطيّة بن سعد العوفي، وهو ضمن الرواة الذين نَقلوا أحداثَ اليوم الثالث عشر من محرّم، والتي تتحدّث عن نقل السبايا، ويُطلق عليها "مَرْد الرؤوس". وكان مُعمّم بيت عْبيدة يسمّيه "عْطَيّه العوفي"، وينقل عنه الأحداث والمصائب. فجأة نسي الرّجلُ أين وصل كلامه، فسكت. فذكّره  أحدُ أعضاء تجمّع "اللويا جيرغا": "ها! شْقال عْطَيّه؟". فانفجرَ المجلسُ بالضحك، ولم يعد يخطب "المُلّا" أبدًا في الخفاجية، بل اختار قرى أخرى، بعيدة عن مجلس "اللويا جيرغا". ويحفظ بيت عْبيدة الكثيرَ من قصصِ قوّة ذاكرةِ فاقدي البصر، ومنهم أبو العلاء المعرّي، كأنّهم سُجنوا معه في المحبسيْن ذاتهما، محلّلين التفاصيلَ التي قد نستهين بها نحن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard