جرائم قتل النساء في الداخل الفلسطيني: ضحايا العنف الذكوري والكولونيالي

الخميس 6 ديسمبر 201804:00 م
في سياق المشهد الذكوري والمظاهر الشوفينية يحافظ المجتمع "الأبوي" لدى فلسطينيي الـ 48 على امتداده وتواصله مع العقلية والبنية الذكورية المهيمنة في المجتمعات العربية عامّة. حيث تمارس داخله أشكال وتعابير متعددة ومختلفة للتمييز وللقمع تجاه النساء من تزويج الصغيرات، تعدد الزوجات، مرورًا بالقمع الخطابي الإقصائي والعنف الجسدي ووصولًا لارتكاب جرائم قتل نساء، ومن ضمنها جرائم تتم على خلفية ما يسمى بـ "شرف العائلة". ويتداخل هذا المشهد مع المشهد المجتمعي الإسرائيلي العامّ الذي يشهد أيضًا، كالكثير من المجتمعات، عنفًا وأعمال قتل متزايدة. هذا الموقف الدموي يتطلب أيضًا تسليط الضوء على إشكاليات النضال، وعلى تناقضات وازدواجية في كيفية التعامل والردع وتطبيق القانون ما بين مجتمع كولنيالي ومجتمع ضحية الواقع الكولنيالي. على المستوى العملي، يعاني المجتمع العربي في الداخل من تمييز صارخ من قبل الدولة للقيام بواجبها لحماية المرأة الفلسطيينة من العنف الموجه ضدها. وبالمقابل، فإن دور الدولة وأذرعها التنفيذية والقضائية لمحاربة الجرائم ضد النساء اليهوديات، وإن كان متقاعسًا لحدّ ما، فهو لا يقارن مع الغياب الكبير للدولة وأذرعها لمحاربة الجريمة الجندرية (والجنائيه عمومًا) في المجتمع الفلسطيني بالداخل، والمتفشية بشكل كبير وخطير. رغم الغياب بهذا الجانب، فإن الدولة تمارس حضورًا قويًا داخل هذا المجتمع لفرض سياسة تهويد الأرض، هدم البيوت، قمع احتجاجات ومظاهرات، وتحكم قبضتها الأمنية لأي تحرك وطني يمس يهوديتها وتعمل على ممارسات قمعية بوليسية للحدّ من مظاهر "فلسطنة" الداخل.

جرائم الشرف وقتل النساء

في وسط كيان يفترض به أن يمارس العصرنة والمدنية وسلطة القانون، تحافظ العقلية العربية الذكورية على "جيتو سيادي" يمارس دورًا مستقلًا فيما يخص الحفاظ على "العرض" و"الشرف". حيث تكون المرأة هي التعبير الأساسي لتحقيق شرفه. داخل "الجيتو" تمارس الذكورية دورها في تحديد تصرفات، وسلوكيات وأخلاق المرأة لكي لا تجلب "العار" للعائلة. ولم تعد العلاقات الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج هي الدافع الأساسي لارتكاب جريمة قتل النساء على خلفية "الشرف"، بل أصبحت التعابير والأشكال والتفسيرات والتأويلات مطاطة ومرنة. حيث انخفض السقف لمسببات العنف والقتل ليشمل صورًا وفيديوهات ومحادثات وعلاقات على الشبكات الاجتماعية ومظاهر حياتية التي تعتبر من المنظور المجتمعي السائد غير ملتزمة بمعايير المجتمع المحافظ كعلاقات طائفية من أديان مختلفة لأو شكل اللباس، التدخين، احتساء الكحول والسهر خارج البيت. ما هو الشرف؟ يعرّف لسان العربي الشرف بالشكل التالي: الشرف: "الحسب بالآباء، شرف يشرف... فهو شريف. والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء. والشرف الشريف من الناس. ويقال هو شرف قومه وكرمهم. والشرفة أعلى الشيء، والشرف كالشرفة، والمشارف المكان العالي". أي أن السياق اللغوي البحت ليس فيه إيحاءات لسلوك جنسي ما. إلّا أن الذكورية العربية اتخذت من جسد المرآة عامة وعضوها الجنسي خاصة كتعبير عن أعلى مشارف الرجل ومكانته. وبهذا السياق تحوّل جسد المرأة ملكًا للرجل. يتحوّل غشاء البكارة من كونه غشاءً في الجسد إلى حالة معنوية  مركزية للذكورية العربية. وتصبح حالة الوعي تجاه هذا التفصيل الجسدي إلى حالة وعي عامة يتبناها المجتمع. وأن أي سلوك جنسي أو سلوكي آخر للمرآة ذات صلة معنوية يعتبر خرقًا خطيرًا ويجلب الرذيلة للعائلة. من هنا يمكن، برأيي، اعتبار هذه الجريمة كجريمة عقائدية، وبالتالي مناهضتها يتطلب اجتثاث هذه العقيد، وهذا ما سآتي على ذكره لاحقًا.

أرقام مرعبة ليست أرقامًا

حسب معلومات إحدى الجمعيات الفاعلة لمناهضة العنف ضد النساء، فإن عشرات جرائم القتل قد تمت على خلفية ما يسمى بـ "شرف العائلة. في حين تشير مصادر "جمعية نساء ضد العنف" أن المجموع الكلي لعدد الجرائم ضد النساء الفلسطينيات داخل أراضي الـ 48 باختلاف المسببات يتجاوز الـ 200 جريمة سُجلت منذ العام 1986 ولغاية 2018. في العديد من هذه الجرائم كانت هناك توجهات مسبقة للشرطة من قبل الضحايا أو من قبل مراكز دعم نسوية قامت بمتابعة قضاياهن وأخطرت الجهات المختصة بالتهديدات التي يتعرضن لها هؤلاء النساء-الضحايا، إلا أن الشرطة الإسرائيلية أهملت العديد من الشكاوى ولم تقم بواجب تقديم الحماية لهن. شهدت أراضي الـ 48 منذ بداية تسعينيات القرن الماضي انطلاقة لنشاطات مؤسسات حقوقية ونسوية تعمل لمناهضة العنف ضد النساء، حيث تأسست التشكيلات والائتلافات الأولى للاحتجاج على قتل النساء، مثل جمعية الفنار والبديل والسوار وكيان ومنتدى الجنسانية وجمعية نساء ضد العنف. قامت هذه الجمعيات بأنشطة هامة منها تقديم الدعم النفسي والقانوني للنساء، وكذلك التوعوية والسياسية والاجتماعية في سياقات نسوية ووطنية، وأطلقت حملات للرأي العام تطالب بوقف العنف والقتل ضد النساء وتطالب الشرطة بالقيام بواجبها لمنع الجريمة وكذلك لملاحقة الجناة.

المطلبية المتازمة في الخطاب المناهض للعنف

رغم توسع وتصاعد الأنشطة النسوية وحملات الوعي الجندري منذ أوائل التسعينيات والتقدّم الذي حققته بإعلاء هذه القضايا على جدول الرأي العام الإعلامي والمستوى السياسي، إلّا أن الخطاب لمنع جرائم "شرف العائلة" والعنف ضد النساء بأشكاله المختلفة ما زال خطابًا حذرًا في مطالبه، متجنبًا المواجهة مع الأفكار الاجتماعية السائدة، وبغالبيته يمتنع عن طرح مسألة الحريات كمسألة مفصلية جوهرية في هذا النضال، وهناك غياب ملحوظ لشعارات مطلبية توعوية للتحرر والانعتاق من هيمنة الذكورية والمناداة بحق المرأة الأساسي بالقرار بكل ما يتعلق بكيانها الجسدي والجنسي. إن شعارات "لا شرف في جريمة الشرف" و"لا لجرائم الشرف" و"لا لقتل النساء" تنتقص لمضامين ثورية تتعامل بشكل جذري مع جزء مركزي من مسببات العنف، ألا وهو رفض الرجل لـ "سلوكيات المراة" وإبقاء ميزان "الأخلاقيات والشرف" بقبضته وخاضع لسطوته. إن تفكيك مظاهر العنف يتطلب خوضًا عميقًا في تكرار وتجذر ظاهرة العنف ضد المرأة ويتطلب محاولات فكرية وتنظيمية لتفكيك العوامل. إن هذه المهمة ليست سهلة، وهي ليست محصورة بفلسطينيي الـ 48 بالطبع، بل هي أعمّ وأوسع في عالمنا العربي. فمعظم المؤسسات الحقوقية والنسوية في العالم العربي لا زالت بعيدة عن خوض جاد في مسألة الحريات. ألم يحن الوقت بعد عشرات السنين من النشاط المجتمعي والؤوسساتي وحملات وعمليات التعليم الواسعة أن يرتقي العمل والخطاب نحو تحرير"غشاء البكارة" من كونه ملكية معنوية للرجل يستمد شرفه من خلاله؟ ألم يحن الوقت للبدء برفع سقف الشعارات نحو حق المرأة بأن تمارس حريتها في حياتها الخاصة والعامة، الجسدية والنفسية؟ ومع طرح رؤيتي الخاصة برفع سقف المطالب بشكل جذري فإنني أعي لوجود عوائق ومجتمع ذكوري تقليدي وديني ما زال يصف الجمعيات الفاعلة بجمعيات "الشرمطة" وجمعيات "الفسق" ومؤسسات "الخلاعة"، وسط بيئة شعبية داعمة لهذه التسميات، وهذه الحملات العدائية قادرة على تحريض الشارع ضد هذه المؤسسات والحراكات. ومن المؤسف أن هذا الهجوم على الجمعيات والحراكات الحقوقية والنسوية لا يلقى تصديًا ووقفة تضامنية داعمة وجادة من قبل الأحزاب السياسية.
على المستوى العملي، يعاني المجتمع العربي في الداخل من تمييز صارخ من قبل الدولة للقيام بواجبها لحماية المرأة الفلسطيينة من العنف الموجه ضدها. وبالمقابل، فإن دور الدولة وأذرعها التنفيذية والقضائية لمحاربة الجرائم ضد النساء اليهوديات، وإن كان متقاعسًا لحدّ ما، فهو لا يقارن مع الغياب الكبير للدولة وأذرعها لمحاربة الجريمة الجندرية (والجنائيه عمومًا) في المجتمع الفلسطيني بالداخل.
لم تعد العلاقات الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج هي الدافع الأساسي لارتكاب جريمة قتل النساء على خلفية "الشرف"، بل أصبحت التعابير والأشكال والتفسيرات والتأويلات مطاطة ومرنة. حيث انخفض السقف لمسببات العنف والقتل ليشمل صورًا وفيديوهات ومحادثات وعلاقات على الشبكات الاجتماعية ومظاهر حياتية التي تعتبر من المنظور المجتمعي السائد غير ملتزمة بمعايير المجتمع المحافظ.
إن الحركة النسوية والحقوقية داخل الكيان الكولنيالي لم تخرج عن ارتباطها بالفكر الصهيوني المهيمن وبالتالي فإن بوصلتها وتركيبتها الثقافية والمجتمعية المبنية على مكتسبات استعمارية لا يمكنها من تكون نصيرًا وحليفًا حقيقيًا للفلسطينيين بشكل عام والنساء منهم بشكل خاص.

الشبح الاستعماري والنسوية المهيمنة

تلعب الدولة دورًا قذرًا في تهميش النساء الفلسطينيات وترسيخ تبعيتهن للمبنى الذكوري عن طريق أنظمة اقتصادية وقانونية ودينية. وفي قضايا العنف عمومًا المرتكبة ضد النساء، فإن الجهات الرسمية الموكلة بمتابعة الشكاوى وحماية النساء تتقاعس بالقيام بعملها، وهذا التقاعس ليس صدفة أو عابرًا، فبالاضافة لصهيونيتها وسلوكها الكولنيالي، فهي أيضًا أجهزة ذكورية، وتتبنى أشكال عمل مختلفة ومتفاوتة، فأحيانًا تغيب عن الأماكن التي ترتكب فيها التعديات والأعمال العنيفة، وأحيانًا تبدي تفهمًا للبيئة الذكورية وغالبًا فهي أيضًا بنظر الناس جهاز عدائي يقوم بأعمال القمع والقتل والهدم والتنكيل، وبالتالي فإن الثقة بهذا الجهاز متردية. إلى جانب الجهاز السياسي والتنفيذي الكولنيالي الذي تؤثر طبيعته مباشرة على كيفية وجدية متابعة ومناهضة العنف ضد النساء العربيات في إسرائيل، فإن الحركة النسوية والحقوقية داخل الكيان الكولنيالي لم تخرج عن ارتباطها بالفكر الصهيوني المهيمن وبالتالي فإن بوصلتها وتركيبتها الثقافية والمجتمعية المبنية على مكتسبات استعمارية لا يمكنها من تكون نصيرًا وحليفًا حقيقيًا للفلسطينيين بشكل عام والنساء منهم بشكل خاص. فالمرأة الإسرائيلية هي جزء لا يتجزأ من منظومة العنف الكولنيالي الموجه ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وحصار غزة. وضمن دورها هذا تمارس العنف والقمع بشتى أشكاله ضد النساء الفلسطينيات من خلال خدمتها في المؤسسة العسكرية. من هنا، فإن مسألة بناء تحالفات وشراكات مع الحركة النسوية الصهيونية من قبل الحراك الحقوقي والنسوي الفلسطيني في مناطق الـ 48 هي مسألة شائكة ومطب مؤلم وقد يؤدي لمنزلق خطير يؤجج كل الصراعات والتناقضات التي يمكن تواجهه الأقليات أمام هيمنة الأغلبية المستعمرة. وبرأيي، هي نفسها الهيمنة، التي عملت المؤسسات النسوية والحقوقية الفلسطينية في الداخل مجهودًا لا يستهان به من أجل الحدّ منها وحتى التخلص منها خلال مسيرة عملها.

تحديات

مما تقدم، أرى أن واقع وقف جرائم قتل النساء يتطلب وقفة جماعية جدية. في الواقع لا تزال المهمة بالأساس مهمة الحركات النسوية وليس سهلاً أن تخوض الحركات النسوية باشكالها وتعابيرها المختلفة، المؤسسية منها أو غيره، نضالًا لوقف جرائم العنف أمام رزمة كبيرة من التحديات الداخلية والبنيوية: بين مجتمع ذكوري يشهد قوة متصاعدة للتيارات الدينية المنهضة لها وبين دولة تمتلك وتدير شبكات تحالفات وصفقات مع قوى ذكورية محلية وشبه غياب لقوة القانون على أرض الواقع، على المسرح التي ترتكب فيه الجرائم. وبالمقابل تواجه صعوبة في اختيار الاستراتيجيات ومطالبة بتوخي الدقة في الشعارات ما بين المجتمعي الديني الوطني والسياسي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard